حاولت
أن أتوارى عن آنسة عايدة حتى لا
تراني .. وحمدت الله أن ميادة زميلتي التي تجلس أمامي ممتلئة القوام
وأنا بالكاد
أظهر خلفها .. فدسست وجهي في كتابي متظاهرة بالقراءة .. وأنا أدعو
في سري .. يا رب
لا تراني أو تلتفت إلي .. وفجأة .. رن صوتها في أذني : أمل
,,
لا لا أكيد أمل الأخرى لست أنا .. مرة
أخرى وبصوت أكثر إصراراً واقتراباً .. أمل ألم تسمعي السؤال ..
جاوبي عليه رجاء
..
رفعت رأسي قليلاً من فوق كتابي .. ونظرت إليها بعينين نصف مغمضتين
.. وجدتها تنظر
إلي .. قائلة بصوت جهوري مفزع :
أمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
عندها قمت
مفزوعة من نومي .. لأجد أمي تقف أمامي تنظر إلي باستياء قائلة : ألا
تعلمين أن
خالتك قادمة اليوم من السفر .. واتفقنا على أن تساعديني في إعداد
طعام الغداء .. هل
هذا اتفاقنا .. والساعة قاربت الحادية عشر .. وطائرتهم ستصل الساعة
الثانية ظهرًا
..
هيا قومي في خمس دقائق أريد أن أراكِ في المطبخ
.
كل هذا ومازالت الدهشة تكسو ملامحي .. كانت أمي
إذن .. وليست مدرستي آنسة عايدة .. يالغبائي .. مازلت أتذكر آنسة
عايدة مدرستي حتى
بعد دخولي الجامعة .. وعلى كلٍ كان سؤالاً بسيطاً جداً وباستطاعتي
أن أجاوب عليه .. فجاء
صوت أمي من الخارج : فاتت دقيقة واحدة ولا أراكِ تستعدين .. فنهضت
من سريري أستعد
لإعداد وليمة فاخرة لخالتي وأبنائها
.
بعد ثلاثة ساعات كاملة .. دق
جرس الباب .. تأهبنا جميعا لاستقبال خالتي الغائبة في الخليج لسنوات
طويلة منذ أن
كان عمري ثلاثة عشر عاماً .. وأنا اليوم أكملت العشرين عاماً ..
توجه أخي الصغير
راكضاً نحو الباب ليفتحه .. فسمعت صوت خالتي مهللاً مرحباً ضاحكاً
وهي تسلم على الجميع
..
فنثرت على نفسي بعض قطرات العطر الشذي الجميل .. وزينت شعري البني
الطويل بوردة
صغيرة حمراء .. وتأكدت من سلامة مظهري .. وخرجت إليها لأرحب بها ..
وما أن رأتني
حتى اختفت الابتسامة من على وجهها وارتسمت علامات الإعجاب والاندهاش
قائلة :: ما
شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .. مؤكد أنت أمل .. فأومأت
بالإيجاب بخجل
..
فقالت وما زال الإعجاب يسيطر عليها :: ما أحلاكِ يا أمل .. تغيرتِ
كثيراً .. كبرتِ
كثيراً .. لا زلت أذكرك وأنت صغيرة كنت جميلة جداً .. أجمل بنت بين
الجميع بلا منازع
..
الآن فقد أصبحتِ أجمل وأجمل .. ربنا يحفظك يا أمل
.
كل هذا وأنا أكاد أذوب خجلاً .. وانتهزت فرصة توجه خالتي
بالحديث مع والدتي .. وقمت لأضع الغداء .. وما زال كلام خالتي يدور
في ذهني وصوتها
جاء من ورائي طالبة مني العودة سريعاً لتبادل الحديث معها
.
نعم أعلم ! .. أعلم أني
أصبحت رائعة الجمال .. ولا أقول هذا غروراً أو كبراً أبداً .. أنا
نفسي تفاجأت بتغيري
وخصوصاً عندما اقتربت من العشرين .. وجمالي أصبح ظاهراً وملفتاً ..
وبدأت تكثر مرات
ذهابي لإلقاء نظرة في المرآة .. وتطول فترات اختياري لملابسي
واهتمامي بنفسي
..
فهذا الجمال الرباني الآسر لابد أن تصاحبه عناية مني ليظهر في تمام
تألقه ... ولكن
ومع كل هذا .. فهو لم يهتم
!
-
أمل ؟!
-
تحدثيني يا أمي
-
نعم أحدثك بعدما ناديت عليكِ كثيراً ولم تردي علي
-
عذراً لم أنتبه .. خيراً ؟
-
هل انتهيت .. هل أنادي خالتك للغذاء
نعم طبعاً .. سأناديها أنا .. لا تقلقي كل شيء بخير
.
ولا أعلم لماذا انشغل تفكيري كثيرا بكلام خالتي .. وبما دار في ذهني
بعدها
..
حتى أني تعللت بأني متعبة وتوجهت لغرفتي لأنفرد بنفسي .. وجلست على
كرسي الصغير
في قبالة النافذة أفكر أن ما حدث يؤلمني فعلاً ... أصلاً لماذا يحدث
هذا وأنا لا
ينقصني شيء أبداً .. فأنا أجمل منها .. وأدرس بكلية مرموقة .. وأهلي
من أفاضل الناس
..
لماذا يختارها هي ولا يختارني أنا ؟!!
مع أني اخترته هو .. بالطبع
لم أحدثه أو شيء من هذا القبيل .. الموضوع أني وجدت به الشخص
المناسب الذي يمكن أن
أرتبط به .. وما إن وضعت الموضوع برأسي ووضعته هو شخصياً برأسي ..
حتى وجدته يخطب
صديقتي ! .. مع أني متأكدة أني أفضل منها في كل شيء
.
وحاولت طرد هذه الأفكار المزعجة من رأسي .. وجمعت أفكاري مرة أخرى
.. ماذا
أريد ؟ ماذا أريد ؟ .. شاب متدين .. مثقف .. مجتهد .. طموح .. مميز
.. مخلص .. إلخ
..
ممممممممم .. من أعرفه لديه هذه الصفات .. آها .. وقفزت من فوق
الكرسي .. هو
الشخص المناسب .. قلتها لنفسي ونشوة السعادة تتراقص فوق وجهي ..
غداً سأراه في
الجامعة .. سأراه من بعيد كالعادة فهو في السنة النهائية وأنا مازلت
في البداية
..
سأحاول بجد هذه المرة أن أفوز به أنا .. أنا وليس أي شخص آخر
.
في اليوم التالي .. تفتح باب منزلها .. وتخرج أمل في كامل أناقتها
وجمالها
..
متجهة للجامعة .. وتقابل في طريقها صديقتها فاطمة .. يتبادلون
حديثاً عادياً عن كل
شيء .. إلا ما يشغل تفكيرها الآن .. وهو الفوز بحب عماد .. وكلما
اقتربتا من
الجامعة كلما زاد توتر أمل .. وزاد خجلها .. حتى لاحظته فاطمة
وسألتها عما يشغلها
وإن كان هناك شيء ما بالجامعة يضايقها .. فنفت أمل تماماً بكلمات
مقتضبة.
إلى أن رأته قادماً قبالتهم من الشارع الآخر
..
ليدخل الجامعة في نفس الوقت .. وتقابلا عند الباب .. عندها وقفت أمل
متحجرة مضطربة
..
وبدأ وجهها ينبض بحمرة الخجل .. ووقف عماد قبالتها مندهشاً وخصوصا
أنه توقف لحظات
لتدخل الفتيات أولاً .. لكنه عندما وجد أمل متحجرة في مكانها انصرف
في طريقة غير
مكترث بها
.
-
عندها قالت فاطمة بإصرار هذه المرة : أنا
واثقة مليون المائة أن هناك شيئاً تخفينه .. ماذا فعل لكِ عماد ؟!
-
انتفضت مذعورة : ولماذا عماد بالذات .. ما علاقته بأي شيء
!!
-
لأنك اضطربت أمامه
.
-
عندها لم أعرف ماذا أقول .. أحسست أن سري
الآن يعلمه كل الناس .. وأولهم عماد
..
-
أردفت فاطمة تقول بقليل من
الخبث : يبدو أنك لا تعلمين
-
أجبت مسرعة بقليل من التحفز : أعلم ماذا
؟!
-
أجابت بهدوء والابتسامة تعلو وجهها :: أنا أعرف أن عماد شاب مميز
جداً في
كل شيء .. يكفي التزامه وأخلاقه وحفظة لكتاب الله .. هذا كله يأتي
مع تفوقه الدراسي
ومستقبلة الذي يبدو باهراً
.
-
بغيظ : ماذا تقصدين .. أعلم كل هذا
؟!
-
بنفس لهجتها الهادئة تابعت : لكن يا عزيزتي يبدو أنك لا تعلمين أنه
على
علاقة بفتاة
-
انتفضت مذعورة : أي فتاة ؟؟!! من ؟! من تلك
..
كيف ومتى حدث هذا
اهدئي قليلاً يا أمل .. سأشرح لكِ
,
فحاولت أن أتمالك
نفسي وأن أبدو طبيعية .. ونظرت لفاطمة قائلة : أرجوكِ تابعي .. كيف
حدث هذا
؟!
-
أتعرفين شروق ؟ أجبت نعم
-
من فترة كنت أسألها على بحث هام استطاعت
أن تصل إليه .. وأنا واقفة معها .. وجدت من يرسل لها رسالة على
تليفونها .. فنظرت
لاسم المرسل وقالت فرحة : إنه عماد ... لم أكن متأكدة تماماً ..
فقلت لها أي عماد
هذا .. قالت عماد رئيس اتحاد الطلبة .. فنحن تجمعنا علاقة طيبة
,,
عندها تأكدت شكوكي لأني كنت أراه يسلم
عليها ويكلمها حين يراها .. لا أظن أن هناك شيئاً جدياً بعد قد حصل
بينهما .. ولكنهم
على اتصال ببعضهم وهذا التواصل ربما يتطور لارتباط مستقبلاً .. ولا
أريدك أن تدخلي
في علاقة محكوم عليها بالفشل
.
-
من قال لكِ أن هذا العماد يخطر لي أصلاً على بال .. من هو
لأفكر أنا فيه
-
نظرت إلي متشككة .. ثم قالت .. كما تشائين .. أردت أن أحذرك
.
-
شكراً لكِ .. فعلا لم أكن بحاجه للتحذير فلا شيء مما في رأسك
يخطر لي على بال
.
قلتها وأنا صدري يحترق من الغيرة .. فمنذ أن
عقدت العزم على أن يقع عماد في حبي .. تعلقت به كثيراً .. ولا أعلم
كيف سأجعله يحبني
رغم أنه لم تجمعني قط أي علاقة زمالة بشاب ولم أكلم شاباً في حياتي
.. وإذا كلمني
أحدهم يحمر ويصفر ويخضر وجهي خجلاً .. ولكن الآن .. لابد أن يكون
ذهنه خالياً حتى يفكر
بي .. لابد أن أزيح تلك الفتاة من طريقة بأي شكل من الأشكال
.
قضيت أياماً طويلة مشغولة التفكير .. أطير عالياً
فوق السحاب مع أحلامي وتخيلاتي أن عماد أصبح لي وحدي .. وأن المدعوة
شروق اختفت من
على وجه البسيطة
!
مؤكد هي التي سعت وراءه .. أنا أكيدة .. وهو
شخص طيب وملتزم .. أكيد ما إن لاحقته برسائلها حتى أحس أن عليه
مسئولية ما تجاهها
..
وأنه لا يستطع أن يتخلى عنها ويتركها .. وربما يتزوجها أيضاً !!
ربما يفكر أنه
مادام كلمها وكلمته أنه لابد عليه أن يتزوجها .. هكذا هو الشباب
المتدين .. يحاول
إرضاء الله في كل شيء .. ولكن أنا لن أسمح لهذا أن يحدث .. لن أسمح
أن تستغله فتاة
متلونة كشروق لابد أن أنبهه وأوعيه بخطورة الطريق الذي يسير فيه ..
وأفضل طريقة
لتوعيته .. هي إرسال رسالة له .. أها .. هذه هي .. إرسال رسالة له
.. رسالة سرية
مشفرة لا يعلم عنها أحد .. سوى أنا وهو فقط .. وهنا قفزت لرأسي فكرة
عبقرية محكمة
..
أن أرسل له عبر البريد الإلكتروني .. سأقوم بعمل إيميل جديد ..
إيميل خفي . لا
يعرف منه من أكون .. فأنا الشخص المجهول .. الفارس الخفي .. الملاك
الحارس .. الذي
يحرس عماد زينة شباب المسلمين من براثن غروب المفترسة .. ولا ..
أبداً .. ليس من
أجلي !! بل من أجله هو ومن أجل حياته ومستقبلة .. فأنا أنقذ شاباً
بريئاً على وشك الغرق
..
أنقذ مسلماً من الضياع .. الغيرة التي تملأ قلبي ليس من تلك الغروب
.. ولكن غيرة
على الإسلام والمسلمين .. والشباب المسلم في كل مكان
.
قمت راكضة نحو غرفة إخواني .. وفتحت الحاسب
الخاص بهم .. ودخلت على موقع الجامعة .. ومنه إلى القسم الخاص
باتحاد الطلبة
..وعندما
رأيت الإيميل الخاص به بجوار صورته تراقص قلبي فرحاً وأسرعت بتسجيل الإيميل
الخاص به كأنه سيختفي قبل أن أكتبه .. ونشوة السعادة تلعب بمشاعري
.. وإحساسي بان
عماد صار لي أصبح طاغياً ..وما إن أصبح بريده عندي حتى اجتاحني قليل
من الخجل
والحيرة والتردد .. كأن بريد عماد هو عماد نفسه ..كأن عماد بنفسه
أصبح معي
.
الآن ماذا سأسمي نفسي ... عصفورة الجنة ؟ نهر الوفاء ؟ حامية
المستقبل ؟ عين
الغزال ؟
ممممممممم .. ممكن بذكاء عماد أن يعرفني .. لا أعرف كيف
..
أفضل أسم هو أن لا أسمي نفسي على الإطلاق .. سأسمي نفسي المجهولة
anonymous ..
وقمت بملأ باقي البيانات بشكل عادي .. ثم عصرت ذهني وقلبي
وأنا أكتب له رسالة دينية رقيقة .. أحثه فيها عن البعد عن المغريات
والانتباه
لدراسته ومراعاة الله في كل قول وفعل .. و و و و و إلخ .. وقمت
بالضغط على زر إرسال
..
وأنا أحس أني ألبس طاقية الإخفاء وهناك نشوة خفيفة جميلة تسري في
قلبي من
السعادة
.
لقد فعلتها .. لقد حميت عشي السعيد .. أقصد
الذي سيكون عشي السعيد .. حميت شباب المستقبل المسلم من ألاعيب
الفتيات وكيدهن
.
ونمت يومها قريرة العين وحلمت بأني عروس أزف على ضفاف أجمل الأنهار
.. كأني
في الجنة .. واستيقظت مرتاحة وسعيدة .. وتوجهت لكليتي كأني سألقى
عماد لأول مرة
وكأنه سيصرح لي عن مشاعره اليوم .. وانتظرت انتظرت طويلاً حتى ظهر
.. عندها تظاهرت
أني أتحدث مع زميلة لي .. أعتقد أنه قادم تجاهي .. لا لا .. هو
بالفعل قادم ناحيتي
..
اقترب منا كثيراً .. رفعت عيني أنظر إليه .. وجدته ينظر إلي وفي
عينيه نظرة
..
نظرة كأنه يقول لي :: كاشـــــــــــــــــــفك
.
عندها ارتجف قلبي .. وبردت
أطرافي وتجمدت .. لكنه مر من جانبنا وعلى وجهه نصف ابتسامة وتلك
النظرة مازالت
معلقة على وجهه
.
عندها لم أعرف كيف وصلت لمنزلي في عشرة دقائق
مع أن الطريق يأخذ عشرين دقيقة .. دخلت مسرعة مرتجفة .. فتحت الحاسب
.. دخلت لبريدي
..
لم أجد رداً منه .. إذن أين المشكلة ؟!!
قمت بإرسال نفس الرسالة من
بريد المجهولة .. إلى بريدي القديم أمل .. وفي ثوان وصلت الرسالة
لبريد أمل . ولكن
ما هذا ؟!!
غير معقول ؟
لا أصدق عيني
!!!
مكتوب في خانة المرسل أمل المرغني
!
فهالني أني كتبت في خانة أسم
المستخدم
anonymous
وفي خانة الاسم واللقب كتبت اسمي ولقبي !! يا إلهي .. الآن
أصبح يعرفني بالاسم !! حتى عندما
تصرفت بشكل خبيث قليلاً وخاطئ لم أعرف .. وأحسست
أني أذوب من الخجل .. وتجمدت أمام الحاسب وأنا أنظر لاسمي الذي ظهر
لديه .. وما زلت
مذهولة وخصوصاً أنه سيعين معيداً في الجامعة بعد أن ينهي هذه السنة
ويقوم بالتدريس لي
!!
ماذا سأفعل .. وتلك النظرة .. تلك النظرة التي رمقني بها صرت أفهم
سببها الآن
..
عندها أحسست بدوار خفيف والدموع بدأت تنزل من عيني على الموقف الذي
وضعت نفسي فيه
..
ودار بذهني أنه الآن لن يفكر بي مطلقاً .. وخصوصا بعد تلك النظرة ..
كاشفك
هبة مصطفى