حوار أجراه أ. عصام الغازي مع
الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 17/1/2007
صورة رائعة من
صور " الذكاء السياسي " عند رسول الله ..
" قريش "
كعادتها تتآمر .. تتذاكى .. تقترب حيناً، وتبتعد أحياناً .. حتى في مفاوضات الصلح.
والرسول يعلم
مدى قوة المسلمين .. ويدرك بحسه النبوي أن النهاية لصالحه ..
يغضب بعض
الصحابة .. فيشد من أزرهم .. ويثور البعض الآخر فيؤكد لهم صدق موقفه ..
مفاوضات بين شد
وجذب .. تنتهى بصلح الحديبية الذى سماه الله " فتحا مبينا".. هذا الصلح كان أول
اعتراف من قريش بدولة المدينة، وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ الدعوة المحمدية.
صلح الحديبية ..
أول اعتراف بدولة المدينة
يقول الداعية
عمرو خالد:
-
ذهب عروة بن
مسعود للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم. في صلح الحديبية بعد أن اشترط على قريش
التى طالبت وساطته ألا ترد كلامه حتى ولو كان إبرام الصلح، ووافقت قريش على ذلك.
-
كان عروة بن
مسعود مفاوضاً غير عادي، أراد الحصول على أكبر كم من المكاسب لقريش على حساب مكاسب
النبي.
فذهب إلى النبي
محاولاً التهوين من قوة المسلمين وعروة هو الذى طرد النبي من الطائف قبل سنوات
ونزلت فيه الآية: " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " فهو
حاقد لكنه ذكي يعرف جيداً أنه لم يعد أمام قريش من حل سوى الصلح.
قال عروة بن
مسعود للنبي: يا محمد ما أراك قد جمعت إلا أوباش الناس ورعاعهم. ثم ينظر إلى وجوه
الصحابة ويستطرد، وأراك جئت إلى بيضتك لتقضها وتكسرها، وإني أرى قريشاً لبست لك
جلود النمور. يقاتلونك حتى آخر رجل. وإنى أرى هؤلاء غداً. مشيراً إلى الصحابة .
سيتفرقون عنك.
كان يقف إلى
جوار النبي عندئذ أبو بكر الصديق وحارس للنبي هو ابن عم عروة بن مسعود الذى كان
يلبس درعاً كاملاً. فشتم أبو بكر عروة بن مسعود بكلمة شديدة فغضب عروة وقال: من هذا
الذى شتمني يا محمد؟ فقال النبي: هذا أبو بكر الصديق. وكان أبو بكر قد ساعد عروة بن
مسعود قديماً في التجارة وله أفضال عليه ...
فقال عروة:
والله يا أبا بكر لولا فضلك علي ما سكت على أهانتك لي.
ذهول عروة بسبب وضوء النبي
وأثناء تبادل
الحديث بين النبي وعروة بن مسعود كان الأخير يشد في شعرات ذقن النبي. فغضب المغيرة
بن شعبة ابن عم عروة الحارس الخاص بالنبي، وأخذ يضرب يد عروة بجراب سيفه كلما امتدت
إلى ذقن النبي. وفي المرة الثالثة ضربه بشدة، فقال عروة للحارس: أوجعتني. من هذا يا
محمد؟.
فابتسم النبي
وقال له: أولا تعرفه؟ فقال: كيف أعرفه وقد لبس الدرع؟ قال له النبي: هذا ابن عمك،
اكشف عن وجهك يا مغيرة.
ثم قال له
النبي: إن شئت فانتظر حتى آتيك. وقال النبي: هلم بالوضوء لي. وبدأ النبي يتوضأ،
فتكالب الصحابة على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا تمضمض يأخذون مضمضته
ويمسحون بها وجوههم.
يقول عروة بن
مسعود: فذهلت مما رأيت. وعاد عروة إلى قريش وقال لهم: يا معشر قريش خلوا بين الرجل
و بين ما يريد. والله لقد دخلت على الملوك:
دخلت على كسرى
في ملكه. دخلت على قيصر في ملكه، دخلت على النجاشي في ملكه. فما رأيت أحداً يعظم
أحداً كتعظيم أصحاب محمد لمحمد والله إذا توضأ تقاتلوا على وضوئه، فإذا مضمض
تقاتلوا على أن يمسحوا بهذا الماء وجوههم. فإذا جلس يتكلم طأطئوا رؤوسهم بين يديه،
ما يحد أحد النظر إليه. إذا تكلم فنظر إليهم خفضوا الرؤوس، ، إلا رجلين ينظران إليه
فيبتسمان فيبتسم إليهما: أبو بكر وعمر.
هذا التفاوض
كسبه النبي بتفاعل الصحابة مع النبي. وهذا ما نفتقده في حياتنا المعاصرة الآن حيث
لا تفاعل بين قادة بلادنا وشعوبها وهذا ما يجعل القادة في موقف صعب في التفاوض مع
الغير، لعدم وجود التلاحم، فلا نهضة بدون تلاحم.
لغة السلام
تدرك قريش بعد
عودة بن مسعود مدى قوة محمد، فيفكرون في إرسال خالد بن الوليد للتجرش بالمسلمين،
ربما إذا استفزوا يبدؤون القتال فتنقلب حرباً. فيرسلون خالد بن الوليد ومعه سبعون
رجلاً ويطلبون منه التسلل إلى معسكر المسلمين، فينقض الصحابة عليهم ويأسرونهم
ويقيدونهم ثم يرسلهم النبي إلى قريش مقيدين.
يريد النبي أن
يقول لهم: أريد سلاماً لا أريد حرباً. ويطلب النبي من رجاله الذين يسوقون الأربعين
رجلاً من قريش المكبلين، أن يمروا بهم على الأحابيش. هذا هو محمد السياسي. ثم يقرر
النبي القيام بمبادرة من جانبه، فيكلف عمر بن الخطاب بالذهاب إليهم ليؤكد عليهم أنه
يريد عقد معاهدة خلال وجوده لتأدية العمرة. لكن عمر يعتذر ويقول للنبي أنه الشخص
غير المناسب للقيام بهذه المهمة ويبرر ذلك بأنه كان شديد الغلظة عليهم، وبأنه ليس
له عزوة بمكة مثل عثمان بن عفان، الذى هو من بنى عبد شمس أقوى العائلات. أراد عمر
بن الخطاب أن تنجح المهمة حتى ولو قيل عنه أنه جبن من القيام بها.
ويقول له النبي
صلى الله عليه وسلم: صدقت يا عمر. ثم يقول النبي لعثمان: ادخل وقل لهم إني جئت
معتمراً ومعي الهدي وإني أماددهم مدة. أي أعرض عليهم السلام.
مهمة عثمان الصعبة
وتستقبل قريش
عثمان بن عفان عند وصوله بود، لأنه شخصية محبوبة إليهم. وخلال سيره كانت عينه تنظر
إلى الكعبة، وانتبهت قريش إلى ذلك، وقالوا له: اذهب يا عثمان فطف بالكعبة. فقال: ما
كان لي أن أطوف قبل أن يطوف رسول الله. وقد أدرك عثمان أن عرض قريش عليه الطواف
بالكعبة فيه شبهة مجاملة ورشوة. وكان النبي قد طلب من عثمان أن ينتهز فرصة وجوده
بمكة فيمر على المسلمين المستضعفين لطمأنتهم وإبلاغهم سلامه. لكن النبي صلى الله
عليه وسلم. لم يطلب من هؤلاء المسلمين مساعدته، لأنه يعرف أنهم مواطنون في مكة، وأن
عليه أن يحترم مواطنتهم. ولهذا نقول للمسلمين الذين يعيشون في الغرب: احترموا قيم
المجتمع الذى تعيشون فيه، هذا مع الاعتزاز والفخر بالإسلام، ونحن تعلمنا ذلك من
رسولنا الكريم قبل 1400 عام.
وقررت قريش حبس
عثمان بن عفان تحرشاً بالنبي " صلى الله عليه وسلم " فيقول غاضباً: من يبايعني على
الموت؟ من يبايعني على نصرة عثمان الآن؟
النبي لا يكره
شيئاً قدر كرهه للخيانة، ولهذا قاتل يهود بني قريظة. فيتكالب ال 1400 رجل لمبايعة
النبي على الموت وتنزل الآية الكريمة:" لقد رضي الله على المؤمنين إذ يبايعونك تحت
الشجرة فعلم ما في قلوبهم". وبعد أن بايع الصحابة النبي قال: اللهم إن عثمان قد خرج
في حاجتك وحاجة رسولك اللهم إنى أبايع عن عثمان بن عفان، فتقف الاستعدادات للحرب،
ويعود السعي إلى السلام.
تراجع الكفار
فبعدما علمت
قريش أن الصحابة بايعوا النبي على الموت قرروا الصلح، لعلمهم أن النبي قادر على
الحرب، فبعثوا سهيل بن عمرو للتفاوض. ويرى النبي سهيل بن عمرو قادماً من بعد، فيقول
للصحابة: سهيل بن عمرو سهل الله لكم، إنما أرسلوا هذا الرجل يريدون الصلح، ويجلس
سهيل أمام النبي ويعتذر مباشرة عن تأخير عثمان بن عفان، وتسلل الأربعين رجلاً في
معسكر المسلمين.
فقال النبي له:
ماذا تريد يا سهيل قال: شىء واحد .. لا تدخلوا علينا هذا العام، وافعل بعد ذلك في
الصلح ما تشاء. وطلب النبي: خلوا بيني وبين الناس هذه المعاهدة نحن نكسبها، فالنبي
حاصرهم سياسياً، حتى صار مطلبهم الحفاظ على الشكل العام لهم، قال النبي لسهيل بن
عمرو: ماذا تريد يا سهيل؟ فقال له أن تعود هذا العام فلا تدخل علينا فيقول له
النبي: نعم يا سهيل.
وعندما سمع
الصحابة عبارة: نعم يا سهيل تساءلوا : يا رسول الله أستكتب هذا؟ فقال: نعم، ثم قال
لسهيل: ماذا تريد؟ فقال: تعود هذا العام فلا تدخل علينا ثم تأتي العام القادم فتدخل
ثلاثة أيام فقط. فقال النبي: نعم يا سهيل. كان النبي يعرف الهدف جيداً الذي جاء من
أجله، لكن الصحابة اختلطت الأوراق أمام أعينهم. واستمر سهيل يقول شروطه للنبي:
المسلم القرشي الذي يأتيك مؤمناً بك ترده إلينا، قال: نعم. فأردف سهيل: والمسلم
الذى يأتينا من عندك لا نرده إليك. وسأله النبي: في مقابل أي شيء هذا؟ قال سهيل:
هدنة بيننا وبينك مدتها عشر سنوات. هنا اعترفت بوطن المدينة، ثم وضع النبي شرطاً:
أي شخص يريد الدخول في حلف المسلمين يدخل.
وحين تم توقيع
هذه الاتفاقية ترك عمر بن العاص مكة وهاجر وهو يقول: انتهت قريش. كتب علي بن أبي
طالب صيغة التعاهد قال له الرسول: اكتب يا علي. بسم الله الرحمن الرحيم فاعترض سهيل
على " الرحمن الرحيم" وقال: اكتب ما نعرفه من قبل أنا وأبيك:" بسمك اللهم ". هذا ما
عاهد عليه محمد رسول الله ويعترض سهيل من قال أنك رسول الله ؟ لو نعلم أنك رسول
الله ما حاربناك، اكتب اسمك واسم أبيك فقال النبي: امحها يا علي، فقال علي: والله
لا أمحوها أبداً، فقال النبي: امحها يا علي فقد يأتي يوم تكون في مثل هذا الموطن
وأنت مضطهد " يتحدث الرسول عن الفتنة "، امحها يا علي ، فقال علي: والله لا أمحوها
أبداً، فقال النبي: أرنها يا علي، فقد كان الرسول " صلى الله عليه وسلم لا يعرف
القراءة والكتابة" فمحاها النبي " صلى الله عليه وسلم" وبدأ النبي " صلى الله عليه
وسلم" يكتب شروط المعاهدة، بينما الصحابة يتهامسون: أسيكتب هذا؟ وتزيد الفتنة، حين
يأتي أبو جندل بن سهيل بن عمرو وقد اعتنق الإسلام فاراً من مكة وهرباً من تعذيب
قريش له وهو يصرخ: يا رسول الله ، يا معشر المسلمين أدركوني سيفتونني في ديني.
فيقول له النبي:
تعال، نحن لم نوقع بعد المعاهدة فيقول له سهيل: هذا أول العهد بيني وبينك، والله لو
أخذته، لا عهد بيني وبينك. فقال النبي: يا سهيل أجزه لي، قال : لا أجيزه لك أبداً،
قال النبي: يا سهيل نحن لم نوقع العقد، قال: أبداً، إن أخذته لا عهد بيني وبينك.
فقال النبي: يا
أبا جندل اصبر لعل الله يجعل لك وللمستضعفين من المؤمنين فرجاً ومخرجاً. فقال أبو
جندل: يا رسول الله أتتركونني يفتنوني في ديني؟ قال: يا أبا جندل بيننا وبين القوم
عهد، وإنا لا نغدر.
تمرد عمر
وتم تقييد أبي
جندل مرة أخرى، وهنا نهض عمر بن الخطاب حاملاً سيفه وجلس إلى جوار أبي جندل وهو
يقول له: إيه يا أبا جندل إن الرجل ليقتل أباه في سبيل الله، ثم يقول له: أضننت
بأبيك يا أبا جندل، فلا يرد على عمر.
فيقول له عمر:
والله لو كان الخطاب حياً ووقف هذا الموقف لقتله عمر بن الخطاب، فنظر إليه أبو جندل
وقال: فلم لا تقتله أنت يا عمر؟ قال: أنا لا أعصي رسول الله فقال أبو جندل: وأنا
كذلك لا أعصي رسول الله. ويذهب عمر إلى أبي بكر يسأله: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟
قال: نعم، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس هو رسول الله؟ قال: نعم،
قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: يا عمر الزم غرسه، هو رسول الله والله لن
يضيعه. فلم يعجبه الكلام وذهب إلى النبي: ألست رسول الله؟ ألسنا على الحق؟ أليسوا
على الباطل؟، ألسنا المسلمين، أليسوا المشركين، فلم نعطي الدنية في ديننا؟.. فقال
يا عمر إني رسول الله ولن يضيعني.
يقول عمر للنبي:
أو لم تقل لنا أننا سندخل المسجد الحرام؟ يقول له النبي: أو قلت لكم أنه هذا العام؟
والله لتدخلنه، ونزلت سورة الفتح:" إنا فتحنا لك فتحاً مبينا"، الله سبحانه لم يطلق
على المعارك فتحاً، وأطلق على صلح الحديبية "فتحاً مبيناً " .
وذهب عمر بن
الخطاب إلى النبي وسأله: أفتح هو؟
وحين أمر النبي
الصحابة أن يحلقوا رؤسهم وأن يذبحوا الهدي، لم ينفذوا الأمر، كان صعباً عليهم أن
يعودوا دون أن يعتمروا، فدخل النبي على زوجته أم سلمة وقال لها: هلك الناس، فقالت:
يا رسول الله هون عليك ولكن أخرج أنت فأحلق أمام الناس فإنهم إن رأوك تحلق
سيقلدونك!
وكانت هذه
الفكرة من أم سلمة هي التي أنقذت المسلمين من عصيان أمر رسول الله " صلى الله عليه
وسلم " فما أن حلق النبي رأسه أمام الناس حتى قام الصحابة يحلقون لبعضهم، يقولون
فما عرفنا بعد نظر النبي إلا بعد سنة، حين دخلت القبائل في الإسلام أفواجاً، فكان
فتحاً مبيناً كما قال الله تبارك وتعالى.
ويقول عمر بن
الخطاب: والله لقد أعددت صياماً وقياماً وعتقاً كي يغفر الله لي ما قلته لرسول الله
" صلى الله عليه وسلم ".
www.amrkhaled.net