نحن في مصر !!



كان صباحاً مكرراً روتينياً ... و كانت الحافلة تجري بلا مستقر
فلا يمسك العجلة إلا يد مخلخلة لسائق عيناه باهتتان ,و كأنه قد تعاطى شيئاً على
بكرة الصبح
لكن بالرغم من زحام المرور كان الجو غاية في الروعة
خصوصاً مع الشباك المفتوح الذي يترك النسائم تداعب وجوهنا برفقه أشعة شمسية نقية  فنسعد بهذا الإبداع الجليل
و فجأه
كح كححححححح كح
يا إلهي ... ما بال النسائم تهرب
آه
إنه السائق قد أشعل سيجارته من جديد
قلت له : لو سمحت أطفئها و دع لنا نقاء الهواء
لكنه لم يرد
و نظرت إلى الركاب حولي
فإذا بهم ما بين ضاحك و هازئ
أخرسني ذهولي فقطعه أحدهم قائلاً بسخرية : إحنا في مصر
و حاولت أن أنسى ما قال
سددت أنفي متجاهلة رائحة الدخان
حتى أوقفنا شرطي في لجنة مرور
يبدو أن السائق تجاوز السرعه المتاحة
ابتسمت في داخلي
الآن سيتحقق العدل
لكن و لدهشتي ... لمحت يد السائق تتسلل إلى جيب الشرطي
إذن هناك احتمال من اثنين
إما أن الجو بارد لدرجة تجعل السائق يريد أن يدفئ يده في جيب الشرطي
أو أو أن السائق ببساطة يرشو الشرطي
ابتسمت أكثر ... رائع ... الآن سيصيح به الشرطي كما في الأفلام
العربي القديمة : أأنت ترشوني ؟ ...هيا إلى القسم
و لكن حدث العكس
صمت الشرطي تماماً و سمح للسائق أن يعبر منتصراً
غير معقول
همست السيدة التي بجواري في أذني قائلة : هه ... إحنا في مصر
تجاهلت تلك العبارة للمرة الثانية
نزلت من الحافلة
كنت أعبر الشارع و لكني فوجئت بكل السيارت تتسابق لكي تدهسني
فلا أحد يريد أن يصبر دقيقة أعبر فيها
لكني في النهاية عبرت ... و على الرصيف سلمت على صاحبتي و أخبرتها : أرأيت كيف يريدون دهسي
ابتسمت قائلة ببرود : أمال إنتي فاكره إيه ... يا بنتي إحنا في مصر
حاولت ألا أفكر فيما قالت
و صعدنا إلى المدرج .. لكن الدكتور تأخر ساعتين كاملتين
و حينما جاء سألته : يا دكتور لماذا تأخرت ؟
فانتفض الجميع من فرط الضحك
و أجاب هو قائلاً : فاكره نفسك فين ؟ إحنا في مصر
ثم أنهى المحاضرة
التي كان الكل يثرثر فيها
فتركنا مقاعدنا و انطلقنا على خبر طلوع النتيجة
وجدناها معلقة في الطرقة
اندفع الجميع كالثيران
فمنهم ذوو عضل ينهش الورق
و منهم من يناضل للحفاظ على مستوى تنفسه في الزحام
و منهم من يقفز على أخوته كي يصل
و منهم ( نحن ) الضعفاء
تجمعنا في الخلف
ننتظر انتهائهم كما اللبوة التي تنتظر أسدها لكي يفرغ من نهش فريسته حتى تأكل
هي و أولادها فتات طعامه
نظرت إلى صاحبتي متعجبة
فضحكت قائلة : إحنا في مصر
هذه المره ضقت ذرعاً
تركتها دون أن أعرف النتيجة
و بينما أنا خارجه من الكلية ... فوجئت بكمية هائلة من الأمن المركزي ملتفين
حول السور
و في يد كل منهم عصاه
أي مكان هذا الذي يسمح لبعض الجهلاء أن يهشوا طلاب الجامعة و أساتذتها بعصيانهم
فأتتني الإجابه من فم طالب يكلم زميله قائلاً : هه ... مصر ... إحنا في مصر
هربت من الكلمه ... توجهت إلى الباب لكي أخرج
لكن حارس البوابة قال آمراً : توقفي يا آنسة ... ممنوع الخروج
سألته : من أعطاك الحق لتمنعني ؟
قال باسماً : أي حق ؟ إنتي فاكره نفسك في كندا ؟ إحنا في مصر

قلت له بنفاذ صبر : مللت هذه العبارة ... كلما سألت عن ظلم القوى للضعيف قلتم
نحن في مصر ... كلما سألت عن المهزلة و الرشوة و ضياع النظام قلتم أنه أمر
طبيعي ... إننا في مصر ...
كلما تعجبت
كلما دهشت
قلتم إننا في مصر
إن أخطر شيئ يا سيدي ألا نتعجب ... أن يصير الخطأ صواب و نحن نتأمل ... و حين
نسأل لما
ذنب من هذا
نقول بلا شعو بالذنب ...هذا ذنب مصر
فأرجوك لا تقل نحن في مصر
بل قل : نحن
ثم اصمت في أسف
و لكن يا سيدي
إن كنت مصراً أن تقولها
فلتصعد رجاء إلى قلعة محمد علي
و انظر من هناك ... إلى مآذن القاهرة ... و خط سمائها
ثم تذكر الرسول ( ص) حين قال ( خير أجناد الأرض )
و لتنتقي مشهد شهامة شاب يدافع عن سيدة عجوز يحاولون سرقتها
أو تدين قلب يرفع المصحف في مواجهة أعداء الإسلام
أو حتى فتاة لفت حجاباً حول رأسها كي تقتدي بها زميلاتها
أو رجال لا يقبلون الظلم
و لا يشهدون زوراً
رجال يلهثون لإطعام أولادهم بالحلال
و نساء ... يتفانين في تربيه الأولاد
و أطفال ... يتبارون في الذهاب إلى المدرسة
حينها يا سيدي يمكنك أن تقولها
بفخر .. بعزه .. بصدق
نحن في مصر
نحن في مصر
نحن في مصر  

سلمى  هشام العطار

  19 سنة
  طالبة في هندسه قسم عمارة