رَفْضُ الرسول تطليق السيدة عائشة



حوارات عمرو خالد " لكل الناس "

حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 3/1/2007

زلزال حادثة الإفك لا يزال يدوي في المدينة كلها

المسلمون أقسام أربعة

وشهر كامل لم ينزل فيه الوحي

وكأن الله يريدها تجربة لتتعلم الأجيال القادمة من المسلمين.

عائشة لا تجف دموعها وأبو بكر يبكي والنبي غير مصدق ما قيل .. وخيارات ثلاث أمامه ويرفض رأياً لعلي بتطليق عائشة.

 فى حادث الإفك:

 لماذا رفض الرسول تطليق السيدة عائشة

 المدينة تغلي والأحاديث هنا وهناك .. فى كل بيت .. والرسول أرادها أن تكون كذلك لتجىء البراءة من المجتمع نفسه. 

عذاب أبي بكر

الداعية عمرو خالد يكشف المزيد من تفاصيل حادثة الإفك ودروسها وكيف واجهها الرسول كرجل دولة يقول عمرو خالد :

فى بيت أبي بكر الصديق علمت عائشة بما يشاع عنها بينما كانت مصابة بالحمى. وهى تسأل أمها غير مصدقة: وهل علم أبي؟ تقول لها أمها: نعم وتعود لتسأل: وهل علم رسول الله؟ فتقول لها أمها: نعم. وهي في دوامة  رهيبة لا تدري ماذا تفعل؟ .. تذهب إلى أبيها الذى كان يحتمي بقراءة القرآن على سطح بيته مما يجري، فتقول له: ماذا تقول يا أبي؟ ويبكي أبو بكر ويقول لها: والله يا بنيتي كنا في الجاهلية وما قيل على آل أبي بكر كلمة كهذه، وقد أكرمنا الله اليوم بالإسلام أيقولون فينا هذا؟!

 

- كيف كانت مشاعر صفوان المتهم بالحادثة مع السيدة عائشة؟ واحد من الصحابة متهم بخيانة نبيه والمدينة منقسمة إلى أربعة أقسام: قسم صامت لا يصدق ولا يكذب " وهم الأغلبية" وقسم يمثل الأقلية" يكذب الخبر أو الشائعة ويقول: مستحيل أن تفعل عائشة ذلك. ومن هؤلاء أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي في بيته عند هجرته إلى المدينة يقول أبو أيوب لزوجته: يا أم أيوب لو كنت مكان عائشة أكنت تفعلين ما يقولون أنها فعلته؟ فتقول له: لا والله يقول لها: فعائشة خير منك.

وتقول أم أيوب لزوجها: وأنت لو مكان صفوان  بن المعطل أكنت تفعل ما يقولون أنه فعله؟ قال: لا والله لا أخون رسول الله. وهناك قسم ثالث لا يكذب ولا يصدق، لكنه يتكلم مثل حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثه وحنة بنت جحش " أخت زينب بنت جحش زوجة النبي، فزينب وعائشة ضرائر ، وهى أقرب زوجة لقلب النبي بعد عائشة". القسم الرابع: وهم الذين افتروا حادثة الافك وأشاعوها. 

 ما موقف أبو بكر الصديق من كل هذا؟

يبكي طوال شهر كامل، ويقسم بألا ينفق على مسطح بعد اليوم. أما صفوان، فأخذ قوسه وضرب به حسان بن ثابت ففتح رأسه عقاباً على الشعر الذى كتبه للتشهير به وبالسيدة عائشة. وذهب حسان بن ثابت يشكو صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم، فنادى النبي صفوان الذي قال: إنه يا رسول الله يتهمني في عرضي. فقال له النبي: اذهب يا صفوان. تعال يا حسان ماذا تريد؟ لك دية. سأعطيك حقك من عندي هذا البستان لك مقابل ما حدث. فأين الوحي مما جرى ولماذا اختفى؟

-    شهر كامل لم ينزل جبريل عليه السلام. يريد الله أن تكون هذه تجربة حية ماثلة أمام أعين الأجيال القادمة من المسلمين. ظلت السيدة عائشة تبكي لثلاثة أيام، ولا تكتحل بنوم، تقول:" حتى ظننت بأن كبدي سينفطر". أما النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصدق ما قيل عن زوجته الزوج فيه لا يصدق، لكن لأنه قائد الأمة فلابد أن يكون محايداً في موضوع يمسه ويخص الأمة كلها، كان أمام النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة حلول:

-         أن يطلق عائشة، فينتهي الموضوع.

-         أن يدافع عن عائشة بقوة، ولديه السلطة التى تمكنه من فعل ذلك. لكنه رفض ان يكون ديكتاتوراً.

-         أن يأخذ موقف الحياد. 

لكن النبي صلى الله عليه وسلم. اختار حلاً رابعاً، وهو أن يفتح بنفسه الموضوع مع المجتمع، فيتحرك المجتمع للحكم بالبراءة على عائشة لكي تتكلم.

فالتقى النبي صلى الله عليه وسلم، بأم أيمن " جارية النبي التي كانت بصحبته يوم ذهب لزيارة قبر أمه" قال لها: يا أم أيمن أسمعت ما يقول الناس؟

قالت: نعم يا رسول الله. قال فما تقولين أنت يا أم أيمن؟ قالت: احمي سمعي وبصري والله ما علمت عنها إلا خيراً. 

فذهب لأسامة بن زيد " قائد الشباب" وقال له: ما تقول يا أسامة؟ فقال: كذبوا يا رسول الله أهلك وما نعلم عنهم إلا الخير. وذهب النبي إلى علي بن أبي طالب الذي كان يرى الأمر من زاوية مختلفة، وهو أن الحادث سيشوش على الرسالة، فقال يا رسول الله: .. النساء غيرها كثير ولم يضيق الله عليك، طلقها وتزوج غيرها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.

وسأل النبي عمر بن الخطاب: ما تقول يا عمر؟

فقال له عمر: من زوجك أياها يا رسول الله؟

قال: الله سبحانه وتعالى.

قال: أيظن أحد أن الله يدلس عليك.

فقال : قل لهم يا عمر. 

الرسول لم يكن يسأل لأنه يعرف، لكنه يسأل ليرى كيف تفكر عينات من المجتمع و ليتحركوا.

أحد المستشرقين قال أن هذه الحادثة دليل على نبوة النبي الحقيقية:" كلما أردت أن أكذبه تصادفني حادثة الإفك، شهر يتحمل ما لا يتحمله إنسان، أقول هو صادق". 

المواجهة

تقول السيدة عائشة: فبينما أنا في بيت أبي أبكي وأبكي وأبكي، إذا دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول لي: يا عائشة إن كنت بريئة فاطمئني سيبرئك الله تعالى، وإن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله فإن العبد إذا أذنب فاستغفر تاب الله عليه.

تقول السيدة عائشة: فما أن قال كلامه حتى جفت دموعي فما تسقط قطرة، فنظرت إلى أبي وأمي وقلت لهما: ألا تجيبان رسول الله؟ فقال أبو بكر والله لا ندرى بما نجيب.

فقالت: أما أنا فوالله أرى أن هناك أمراً استقر في أنفسكم وصدقتموه. فإن قلت لكم إني بريئة لن تصدقوني. وأنا اعترفت بشىء لم أفعله والله يعلم أني  منه بريئة، ستصدقونني. والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. 

براءة بالقرآن

أحست عائشة أن الكلام لا يجدي نفعاً، فقررت اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. تقول عائشة: فما أن قلتها وقمت إلى فراشي أقول: يارب أعلم أنك ستبرئني ولكن يا رب برئني فقد تعبت تقول: وكيف أظن أن الله سيبرئني برؤيا يراها رسول الله فى المنام، وما كنت أتخيل أبداً أن ينزل قرآناً من السماء يتلى إلى يوم القيامة، يقرأ فى المساجد ويتلوه الناس ويصلى به، كانت نفسي عندي أهون من أن ينزل فى قرآن، فإذا بالنبي قبل أن يقوم من مجلسه، ينزل عليه جبريل حتى سري عن وجه النبي، فضحك النبي وقال يا عائشة أبشري برأك الله بقرآن يتلى إلى يوم القيامة.

تقول فسجدت لله شكراً، فقال لي أبي وأمي قومي إلى رسول الله، قلت لا والله لا أقوم له ولا لكم ولا أسجد إلا لربي الذي برأني. يقول الله تعالى فى سورة النور:

( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً و هو عند الله عظيم، ولولا إذا سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم. إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنت لا تعلمون).

ويقول تعالى:

( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم)النور 23 .

ويقول تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ).

فيؤتى بحسان بن ثابت، ويأتى بحنة، ويؤتى بمسطح ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة.ماذا كان موقف أبي بكر الصديق من مسطح؟ ينزل قول الله تبارك وتعالى:

( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) – النور.

سورة النور حددت أيضا الآداب الاجتماعية فى المجتمع، فنزلت آيات الاستئذان والحجاب وغض البصر وتزويج الشباب وتحريم البغاء " ولا  تكرهوا فتياتكم على البغاء أن أردن تحصنا".

(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آبآء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن) النور. 

الردع .. وردء الحدود

ذات مرة أتى ثلاثة رجال لعمر بن الخطاب يخبرونه أنهم شاهدوا حادث زنا. فسالهم أليس معكم رابع؟ قالوا: لا. فأقام ثمانين جلدة على الرجال الثلاثة.

ثم أتاه أربعة يقولون أنهم شاهدوا حادث زنا. الأول والثاني والثالث قالوا أنهم رأوا رجلاً غريباً مع المرأة أما الرابع فقال أنه شاهد الحادث لكن الرجل يشبه زوجها، فأقام الحد على الثلاثة الأول.

ومرة سمع عمر بن الخطاب صوت رجل وامرأة أثناء مروره على البيوت، وأدرك أن هناك حادث زنا فجمع الناس وقال لهم:

" أيها الناس رأيت بعيني وسمعت بأذني" فيخرج له علي بن أبي طالب ويسأله يا أمير المؤمنين أمعك أربعة شهداء؟ قال يا علي: رأيت بعيني وسمعت بأذني.

قال علي: يا أمير المؤمنين إن نطقت باسمها جلدناك ثمانين جلدة. الإسلام ليس متعطشاً لجلد الناس .. لكن المجاهرين بالزنا هم الذين يطلبون إقامة الحد على أنفسهم جزاء فجورهم.

حدث بعد ذلك أن التقت عائشة بحسان بن ثابت، وكان معها عروة بن الزبير ابن أختها فتذكر عروة ما كان من حسان فى حق خالته فكاد يقاتله، فقالت عائشة: دعه يا بني، هذا الرجل كان يدافع عن رسول الله. ألم تسمع ما قاله فيه؟ قال: فإن أبي وأخي وعمي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء.

وقد أنفق أبو بكر الصديق على مسطح بن أثاثه وقال بعد نزول سورة النور: بلى أحب أن يعفو الله عني ويغفر لي. وعفا عن مسطح.