كانت
الجدة .. الأم الكبيرة
.. جالسة
إلى سريرها في ثياب الحداد القديمة .. والنظيفة دوماً وأبداً .. تقلّب كوب
الشاي في
هدوء .. وتنظر إلى حفيدها في وجد
..
"أريد
أن أبثك شيئاً يا جدة .." قال الطفل وزرّ عيونه
..
ابتسمت الجدة .. وردّت
..
"قل
يا حبيبي .."
اعتدل الصغير في جلسته .. وصمت برهة يضبط أفكاره في رأسه
..
"بالأمس
كنت عند خالتي .. ورأيت لك صورة قديمة وأنت شابة .. كانت
رائعة
!!"
اتسعتْ ابتسامة الجدة أكثر .. وانظلقت تسأل في طفولة
..
"والله
؟! .. آه يا بني .. إنها صورتي وأنا أم صغيرة .. أردت أن
يتذكرني
أولادي بعد وفاتي
... "
قاطعها الصغير
..
"ربنا
يعطيك الصحة يا جدة
.."
"...
كان لي
يومها قريبة فتاة مصدورة .. اسمها عائشة .. زارت الطبيب
هنا في
القاهرة .. فشخّصها مصابة بالدرن .. بالدرن من الدرجة الثالثة .. ونصحها
بالسفر
إلى الريف حيث الهواء النظيف والشمس الصاحية
.."
كانت عيون الصغير تزداد اتساعاً .. يلعق ما تحلّب من ريقه .. ويرسم
للكلام
صوراً في عقله
..
" ..
طبعاً طلب
منا أن نعزلها .. أن تأكل بطبق خاص
بأدوات
خاصة .. "
"وبعد
؟؟"
"كانت
حبيبتي .. ولم أشأ أن أكسر خاطرها .. كنت آكل وإياها من صحن
واحد ..
أقبلها .. وأحتضنها .. لا أخشى الموت .. وأين الموت منا وقد كنا صغارا
؟!"
تابع الطفل بعيونه
..
"ماتت
عائشة .. وطار صوابي .. قتلني
الوهم
والهم .. فكيف إذا مت ولي صغار لا يقوم عليهم مثلي ؟!
..
ذهبتُ إلى الطبيب .. فحصني .. وقال لي أن لا شيء ! .. وأني بصحة
وعافية ..
ووصف لي بعض المقويات
..
وارتدتُ الصيدلية .. وسألت الصيدلي
(يا دكتور
.. هذا الدواء لقريبة لي .. هل هي مريضة بحق ؟؟) .. ضحك الصيدلي .. وقال
(إنما هي
بعض الفيتامينات والمقويات)
..
ولم أصدّق .. وأحرقتني شكوكي
..
ذهبت إلى المصوّر .. والتقط لي صورة .. ونسختها أربع نسخ .. نسخة لكل
طفل -وقد
كانوا أربعة يومها- .. فإذا متُ عرفوا كيف كانت صورة أمهم التي تحبهم
.."
ضحك الصغير من طيبة الجدة .. ومن قلبها .. قلب الأم وإملاءاته
..
عبد
الرؤوف عبد المجيد النجولي
طالب في
كلية الطب
19 سنة