كيف تحقق المعادلة الصعبة؟



 فالخطبة تحقق لك معادلة صعبة ذات عنصرين هامين:

 

1-    فهي تسمح لك بوجود قدر من العلاقة مع خطيبك، وتمنحكما بعض التيسيرات التي لا تعطى في العلاقات العامة بين أي رجل وامرأة مما يتيح لكما فرصة أكبر للتعارف والود.

2-    وهي في نفس الوقت تضع ضوابط ومحاذير لتحفظ لك كرامتك ودينك حتى لا تكوني سلعة رخيصة، وحتى إذا فسخت الخطبة – لا قدر الله – لا تكوني قد خسرت أو وقع عليك ضرر ينال من كرامتك وسمعتك تندمين عليه.

 

 

وهنا يأتي السؤالان:

·        ما هي هذه التيسيرات؟

·        ما هي هذه الضوابط؟

 

 

أولاً : التيسيرات

( أشياء يسمح بها بين الخاطبين)

 

1-     تبادل النظر والرؤية الفاحصة

رغم أن الأصل في العلاقة العامة بين الجنسين هو " غض البصر" حيث يأمر الله المؤمنين والمؤمنات في سورة النور بغض البصر

"النظرة سهم من سهام إبليس"

 

إلا أننا نجد أن " الخطبة" استثناء من هذا:

·        عن  "المغيرة بن شعبة " أنه خطب امرأة فقال النبي " صلى الله عليه وسلم":

" انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكم " (يؤلف بينكم) رواه الترمذى.

 

·        وقال الحافظ بن حجر:

·        " قال الجمهور لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة.

 

وهذا عن رؤية الرجل للمرأة ونظره لها، ولكن ماذا عن رؤيتها هي له؟

 

هذا السؤال يجيب عليه الأستاذ " عبد الحليم أبو شقة" فيقول:

( الرسول " صلى الله عليه وسلم" ذكر الحكمة من الرؤية بقوله:

" أحرى أن يؤدم بينكم " وهذه الحكمة تتحقق إذا نظرت المرأة أيضاً واطمأن قلبها لشريك حياتها)

ويقول "أبو اسحاق الشيرازي":

( يجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه لأنه يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منهل)

وكذلك يقول الشيخ" سيد سابق":

( ليس هذا الحكم مقصوراً على الرجل بل هو ثابت للمرأة أيضا..)

 

وهكذا تكون الرؤية والنظرة الفاحصة المتبادلة هي أول التيسيرات الممنوحة في فترة الخطوبة من أجل المزيد من التعارف والألفة بين الطرفين.

 

ولكني في الحقيقة

لم أجد دليلاً استند إليه لتحديد عدد مرات الرؤية، ويبدو أن الشرع الحكيم قد ترك هذا الأمر للعرف والظروف، وكأن العبرة ليست " بالكم" ولكن " بالكيف"، وأن يضع كلّ من الطرفين في حسبانه أن الهدف من هذه الرؤية هو " التعارف والألفة"، فلا تقل فتؤدي للجفاء والغربة، ولا تزيد فتؤدي للإثارة والفتنة..

 

2-   التعرف على الشخصية

يقول الأستاذ " عبد الحليم أبو شقة":

( يحسن في زمننا هذا الذى تعددت فيه الاتجاهات الفكرية أن يتجاوز التعرف رؤية المظهر الجسماني إلى التعرف على الشخصية بصفة عامة، وذلك خلال لقاء يحضره بعض الأقارب ليراها وتراه عن قرب ويتعرفان على السمت العام لشخصية كل منهما لأن رسول الله " صلى الله عليه وسلم" يقول:

" فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"

فإذا كان الإطمئنان إلى السمت العام للشخصية مما يدعو كلاً من الرجل والمرأة للزواج فهل نمنعهما من التعرف إلى الشخصية ونكتفي بالنظر للهيئة الخارجية؟)

وهنا يأتي السؤال:

كيف أتعرف على شخصيته؟

وأقول:

البداية هي أن تتعرفي على شخصيتك أنت!!

وأقصد ان تجلسي مع نفسك جلسة طويلة وهادئة لتتعرفي على شروطك أنت، واحتياجاتك أنت ..

ثم تستشيري من هم أكبر منك سناً ممن تتوسمين فيهم الحكمة والخبرة، وممن هو قريبون منك ليساعدوك في هذه المهمة.

ولتجيبي على أربعة أسئلة:

1-    ما هي المميزات التي لا أستطيع التنازل عنها؟

2-    ما هي المميزات التي أستطيع التنازل عنها؟

3-    ما هي العيوب التي أستطيع تحملها؟

4-    ما هي العيوب التي لا أستطيع تحملها؟

 

ثم تأتي لقاءات التعارف بينك وبين خطيبك ثم المواقف والتعامل لتكشف لك هل هذا الاختيار مناسب أم لا ..

وأذكرك أن إجابات الأسئلة تختلف من فتاة لأخرى، فابحثي عن إجاباتك الخاصة .. ولا تنسي الاستخارة والاستشارة ..

 

وإليك بعض العناوين التي من الممكن أن يدور حولها النقاش بينك وبينه في لقاءات التعارف:

-         كيف تقضي وقتك؟

-         ما هي هواياتك؟

-         ما هي أهدافك؟

-         التخطيط للدنيا والتخطيط للآخرة؟

-         رأيك في بعض الأحداث والقضايا؟

-         رأيك في بعض المسائل الفقهية: البنوك – النقاب ...؟

-         من هم أصدقاؤك؟

-         أين المسجد من حياتك؟

-         رأيك في بعض الشخصيات: ( عمرو خالد – حسين يعقوب – القرضاوى (مثلاً)؟

-         ما هي الكتب التي تقرؤها؟

-         علاقتك بأهلك وأمك وأبيك؟

-         هل متأثر بأخلاق الريف أم الحضر؟

 

ثم يأتي بعد ذلك ملاحظتك لأخلاقه:

البخل والكرم – التوازن في الانفعالات – الطيبة والخبث – سلامة الصدر أو الغل والحقد – التعامل مع الوالدين

التعامل مع الناس – احترامه لأهله – سعة الأفق – الطموح

ولا تنسي .....

لا تجعلي ضغوط الأهل من حولك هي دافعك نحو الزواج، أو بريق الدبلة في إصبعك، أو لهفتك من أجل التحرر من بيت الأهل إلى عشك الخاص، أو الإعجاب المبدئي الذي يحدث بينكما أو الوعود والكلام المعسول الذي يقوله لك في البداية أو المظهر الملائكي الذي يحاول أن يبدو به ......

لا تجعلي هذا كله يشوش على تفكيرك أو يعميك عن حقائق واضحة .. فكل هذه الضغوط المضللة ستزول بعد الزواج ولن يبق إلا أنت وهو كل منكما على حقيقته دون تزييف أو تزيين....

لا أقول لك ابحثي عن الكمال – فالكمال لله وحده – فلابد أن تتنازلي عن أشياء وتتقبلي أخرى .. ولكن – أرجوك- لا تعميك الضغوط عن أساسيات تتعارض مع شخصك تعارضاً يدمر حياتك الزوجية ..

وكذلك لا تحلمي  بتغير بعض الأخلاقيات أو الطباع بعد الزواج فهذا أمر بيد الله أولاً، ثم بيد الإنسان مع نفسه ثانياً لأن أحداً لا يستطيع أن يغير أحداً، حتى الأنبياء بعضهم لم يستطع هداية ابنه أو زوجته أو عمه..

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

 

وألخص كلامى في خمس نقاط:

·        تأملي الخطوط العريضة في شخصية خطيبك وانظري هل تلائمك أم لا ..

·   المشاعر والعواطف مهمة ولكنها تأتي في المرتبة الثانية بعد التكافؤ بين الشخصيتين، فلا تجعلي مشاعرك تعميك عن حقيقة التكافؤ بينكما.

·        لا تستسلمي لضغوط الرغبة في الزواج أو إلحاح المحيطين بك، فالزواج مشروع حياة وليس نزهة ..

·        استشيري أهل الحكمة و الخبرة من حولك ..

·        استعيني بالله .. واستخيري دائماً ..

 

3-   الزينة

الزينة ( الظاهرة ) مباحة لكل المسلمات في كل الظروف سواء المتزوجات أو غير المتزوجات المتعرضات للخطاب .. ما عدا في حالة حداد الزوجة على زوجها ..

لذلك يقول تعالى عن إباحة الزينة:

" لا يبدين زينتهنّ ( إلا ما ظهر ) منها"

وهناك آراء فقهية متعددة حول تفسير ( الزينة الظاهرة) المباحة المذكورة في قوله تعالى: " إلا ما ظهر منها. فهناك من رأى أن المقصود بالزينة الظاهرة هو الوجه والكفين وهناك من رأى أنها تشمل الكحل في العين، والخضاب ( الحناء) في الكفين والقدمين، والغمرة ( الزعفران الأصفر) في الوجه بالإضافة للخاتم والحلي..

 

مع ملاحظة أن هذه الأمثلة من الزينة التي أقرها الرسول هي مجرد أمثلة يقاس عليها مع تغيير الزمان والمكان والعرف، فقد يتغير العرف ليستبدل لوناً مكان لون أو نوعاً بدلاً من نوع.

هذا أمر يطول الحديث فيه ولكنني أردت الإشارة فقط إلى بعض النماذج من السنة التي توضح أن:

نموذج المرأة الرثة " المبهدلة" مرفوض دينياً وأن ظهور المرأة بقدر من الزينة الظاهرة الجائزة أمر فطري ومطلوب سواء للمرأة المتزوجة أو للمرأة التي تتعرض للخطاب.

 

 

 

أ‌-    المرأة المتزوجة:

·   هذا هو " سلمان" يزور ( أبا الدرداء) رضي الله عنهما فيرى زوجته أم الدرداء مبتذلة ( أى تاركة الثياب الجميلة وترتدي ثياب العمل المنزلي) فيقول لها: ما شأنك؟ فتقول: أخوك ليس له حاجة في الدنيا (رواه البخاري).

·        عن عائشة زوج النبي " صلى الله عليه وسلم" قالت:

دخلت على (خولة بنت الحكم) وكانت عند " عثمان بن مظعون" فرأى بذاذة هيئتها فقال لي: يا عائشة ما أبذ ( سوء منظر وهندام ) هيئة خولة

·        ويعلق الاستاذ عبد الحليم أبو شقة على هذه الأحاديث قائلاً:

 

هناك من صور الزينة للمرأة ما له طابع الثبات مثل الكحل، وهذا يعني أنها إذا تزينت بهذه الزينة لزوجها ثم دخل عليها رجال غير المحارم أو خرجت في قضاء مصلحة لها أن يرى الرجال أثار هذه الزينة، لذلك يسر لها الله تعالى قائلاً: " ولا يبدين زينتهن ( إلا ما ظهر منها )"

 

ب‌-    الفتاة المخطوبة أو التي تتعرض للخطاب:

إذا كانت المتزوجات يتزين لأزواجهن، فإن غير المتزوجات يتزين للخطاب.

يقول تعالى:" فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"

وجاء في تفسير ( الجلالين ): " فيما فعلن في أنفسهن" أي التزين والتعرض للخطاب.

عن سبيعة رضى الله عنها تحكي عن إحدى الصحابيات التي انتهت فترة عدتها بانتهاء فترة الوضع والنفاس، فتقول: ( فلما تعلت من نفاسها ( أي انتهت فترة نفاسها ) تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل فقال لها:

مالي أراك تجملت للخطاب ) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى:

( فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت واختضبت وتزينت) رواه أحمد

ويجب أن نفرق بين التجمل للخطاب والتبرج للعابثين فالخطاب الجادون – رغم حبهم للجمال – إلا أنهم يبحثون عن الفتاة المحتشمة العفيفة لتكون شريكة حياتهم لذلك فإن الفتاة عندما تتجمل للخطاب فإنها لا تخرج عن الآداب الإسلامية في الزينة الظاهرة التي تحدثنا عنها في السطور السابقة ...

والتي تجعلها في مظهر حسن جميل يسر أعين الخطاب وليس في مظهر رث قبيح منفر.

 

ويمكن أن أوجز كلامي في الفقرة التالية:

نموذج المرأة الرثة مرفوض شرعاً، وتختلف درجة الزينة المطلوبة منها من حال لحال فهي مع زوجها تتزين الزينة ( الكاملة ) وفي فترة التعرض للخطاب تتزين بالقدر الذى ( يسمح به العرف والآداب الإسلامية )

بحيث لا يكون شكلها رثاً منفراً فترتدي الثياب الأنيقة المتناسقة  والإيشارب الشيك وربما بعض الكحل. ولا تتصوري أن الخطاب مضطرون أن يقبلوا بها مع سوء مظهرها لمجرد أنها ذات دين، فما الذي يضطر الخاطب أن يتزوج " ذات دين " سيئة المظهر طالما أن هناك " ذات دين" أخرى حسنة المظهر!!

ابنتي...

قليل من الزينة – في حدود الشرع – مطلوب فترة الخطوبة ..

 

4-   وضع بذور الحب

 أكرر كثيراً أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم أو تستمر بدون حب، وأن الحب بين الزوجين يشبه الشجرة الطيبة التي يتم وضع بذورها في فترة الخطبة ..

ولا يكون ذلك باللمسة الحرام أو الخلوة الحرام، وإنما يكون بالكلمة الحلوة بالمعروف والابتسامة الحلوة بالمعروف أو الهدية الطيبة بالمعروف. يقول رسول الله " صلى الله عليه وسلم" " تهادوا تحابوا "

يقول الأستاذ " عبد الحليم أبو شقة":

إن الدين يبارك الحب، والدين ما جاء ليكبت المشاعر وإنما جاء ليهذبها ويوجهها وجهة الخير وليسعد بها الانسان وليسعد من حوله، لا ليشقى بها الإنسان ويشقى من حوله ..

وهكذا نكون قد تحدثنا عن التيسيرات في فترة الخطوبة وهي:

 

النظرة/ التعرف على سمات الشخصية/ الزينة الشرعية/ وضع بذور الحب ...

ولكن ..  ما هي الضوابط؟

 

د. فيروز عمر

مستشار اجتماعي ورئيسة جمعية قلب كبير