حوار أجراه أ عصام
الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 27/12/2006
حادث الإفك الذى تعرض بسهامه لزوجة النبيّ .. كان أقسى موقف نفسي تعرض له رسول الله
" صلى الله عليه وسلم " فالشائعة سلاح نفسى رهيب، لم يسبق استعماله إلا في حدود
ضيقة، لكن كيف واجه النبيّ " صلى الله عليه وسلم" الحرب النفسية التى تعمدت إيذاءه
في أهل بيته؟
أول حرب نفسية ضد النبيّ
كيف عاش النبيّ هذه التجربة المريرة التى زلزلت روحه قبل أن يبرىء الله زوجته
الحبيبة عائشة؟
يقول الداعية عمرو خالد:
في العام الخامس للهجرة حدثت نقلة اجتماعية بعد النقلة العسكرية والسياسية لصالح
المسلمين في غزوة الخندق.
" اليوم نغزوهم ولا يغزوننا " كيف بنى النبيّ مجتمع المدينة؟
التزم النبيّ بالأسلوب الإلهي في بناء المجتمع والآداب الاجتماعية، والأسلوب الإلهي
في الآداب الاجتماعية ليس كلاماً نظرياً، لم تنزل آيات بما ينبغي فعله، لكن تنشأ
مشكلة التربية بالأحداث، التربية بالمواقف، ويترك الله المجتمع يفعل ما يراه
صحيحاً، البعض يخطئ والبعض يصيب، ثم تنزل الآيات لتبين الصواب من الخطأ .. ماذا
حدث؟
سر حقد بن مسلول
في المدينة يوجد منافقون " حوالي 700 منافق " ينخرون في عظام المجتمع، يقود هؤلاء
المنافقين، عبد الله بن أبيّ بن سلول. وكان المنافقون ينوون تنصيب عبد الله بن أبي
ملكاً على المدينة يوم وصول النبيّ إليها مهاجراً.
عند رؤية أهل المدينة للنبيّ، ألقوا بالتاج الذى كانوا يحملونه ويزينونه بالخرز،
واتجهوا إلى النبيّ .. لهذا يحمل عبد الله بن أبي بن سلول حقداً وغضباً من النبيّ،
فظل على الكفر.
خرج النبيّ من بيته وأثناء عبوره الطريق راكباً حماراً متجهاً لزيارة سعد بن عبادة
في بيته لأنه كان مريضاً، مر على أبي بن سلول وأصحابه، فوضع الأخير يده على أنفه
وقال محدثاً النبيّ: غبرت علينا، هلا عدت إلى بيتك ولا تغشانا في بيوتنا؟! فلم يعره
النبيّ اهتماماً.
وكلما أتى النبيّ إلى المسجد ليخطب الجمعة يقف عبد الله بن أبي سلول ويقول: أيها
الناس هذا رسول الله فوقروه وعظموه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس، ويقف النبيّ ليخطب
في الناس.
وعندما خرج جيش المسلمين في غزوة أحد، عاد عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، ولم
يخجل بعد غزوة أحد أن يفعل مع النبيّ ما كان يفعله قبل الغزوة في المسجد، فنهره
الناس وجذبوه من ثيابه ليجلس، فخرج أثناء صلاة الجمعة من المسجد، فقابله واحد من
الأنصار قال: ويلك تركت رسول الله " صلى الله عليه وسلم " اذهب فاستغفر له فيستغفر
لك ويغفر الله لك، قال: لا أريد استغفاره.
وحين انكسرت الأحزاب في الخندق، أدرك عبد الله بن أبي بن سلول أنه لم يعد ممكناً
استخدام السلاح في مواجهة النبيّ، وقرر اللجوء إلى الحرب الإعلامية، مستهدفاً
النبيّ نفسه.
وتحولت خطة عبد الله بن أبي بن سلول إلى مؤامرة لنشر الفاحشة في المجتمع، وقرر أن
يشيع أن المشاكل تمسك بتلابيب المجتمع، بل إنها في بيت محمد " صلى الله عليه وسلم "
...
أول فتنة
وكان النبيّ في ذلك الحين قد خرج في غزوة اسمها غزوة بنى المصطلق لمواجهة قبائل
تجمعت لغزو المدينة، فذهب النبيّ لتأديبهم، وقد خرج المنافقون مع النبيّ في تلك
الغزوة، بهدف البحث عن نقطة ضعف يضربون منها المسلمين.
وعند عودة الجيش من الغزوة، أوقف النبيّ الجيش ليستريح في مكان .. في أثناء ذلك جاء
غلام يخدم عمر بن الخطاب وغلام آخر لرجل من الأنصار للحصول على الماء من بئر
فتشاجرا أمام البئر .. قال الغلام الأول:
يا للمهاجرين وقال الثاني: يا للأنصار، فقام الناس من ضعاف الإيمان واشتبكوا مع
بعضهم البعض، فقام النبيّ " صلى الله عليه وسلم " يقول لهم: أو بدعوى الجاهلية وأنا
بين ظهوركم؟ دعوها فإنها منتنة!
واحمر وجه النبيّ وامتلأ عرق في رقبته بالدماء . وكان الناس يعرفون أن ذلك إن حدث
فإن معناه أن النبيّ غضب غضباً شديداً.
يقولون: فما رأينا النبيّ غضب لشيء كخلاف بين المهاجرين والأنصار، لا للطائفية ولا
للعنصرية. " دعوها فإنها منتنة" هذا كلام رسول الله.
اصبر يا عمر
ويأخذ عبد الله بن أبي بن سلول هذا الموقف الذى حدث ويكبره، كان هذا الرجل من
الخزرج، فكان يمشي بين الأوس والخزرج ويقول لهم: أرأيتهم ماذا فعلتم؟ أواتيتموهم
إلى بلادنا، فأخذوا من بلادنا، واليوم يعاودننا والله ما أرى مثل محمد ومن معه من
المهاجرين إلا كالمثل القائل: سمن كلبك ليأكلك .. والله لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل" يقصد بالأعز نفسه ".. فتصل الكلمة إلى رسول الله " صلى
الله عليه وسلم " فيغضب غضباً شديداً، وكان عنده عمر بن الخطاب فقال عمر: يا رسول
الله دعني أقطع رقبة هذا المنافق، فقال: لا يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل
أصحابه، اصبر يا عمر.
كيف نواجه الفتنة
أمر النبيّ الجيش بالارتحال فوراً، فيجيء سعد بن عبادة إلى النبيّ ويقول: يا رسول
الله أليس هذا وقت راحة؟
قال: ألم تسمع ما قاله صاحبكم؟ ومشى النبيّ بهم طوال النهار، يقول حتى أعيينا،
فقلنا سيستريح عند الليل، فمشى بهم الليل كله، فقلنا سيستريح عند الفجر، فصلى بنا
الفجر ومشى بعد الفجر، فقلنا سيستريح عند الضحى، فمشى بنا الضحى حتى أذتنا الشمس
ووجد فينا التعب الشديد، فقال: انزلوا فناموا، فوالله ما إن لمسنا الأرض حتى نمنا
جميعاً.
شغلهم النبيّ بالمسير عن الفتنة، شغلهم بالحق عن الباطل، ويتحرك الجيش فيفاجأ
النبيّ أن عبد الله بن أبي بن سلول قد أحدث فتنة أكبر بكثير من الفتنة الأولى.
ستتهم السيدة عائشة في حادثة الإفك؛ والإفك كلمة معناها أكبر من الكذب، فهي أعلى
درجات الاتهام بالكذب والبهتان، ستتهم السيدة عائشة بالزنا.
رواية عائشة
كيف عالج الإسلام اتهام الناس دون أن يكون هناك أى دليل؟
-
كان النبيّ " صلى الله عليه وسلم" عندما يخرج في غزوة يقترع بين زوجاته لاختيار
واحدة منهن تخرج معه إلى غزوة. وتم اختيار السيدة عائشة للخروج مع النبيّ في غزوة
بنى المصطلق.
تقول السيدة عائشة " رضي الله عنها": "
نزل الجيش ليستريح فذهبت لأقضى حاجتي، فبعدت عن الجيش ثم عدت وقد أذن بالرحيل،
فالتمست عقدي فلم أجده، ولم يكن ملكي، إنما ملك أخت لي كانت قد أعارته لي، فنزلت من
الهودج أجري إلى المكان الذى كنت فيه ألتمس العقد، فوجدته، فعدت فإذا بالجيش قد
ارتحل، وكانت النساء خفافاً لم يغشاهن اللحم، فلم يشعر الذين حملوا الهودج أنني لست
بداخله، فأخذوا الهودج وانطلق الجيش، فعدت إلى الصحراء ليس معى أحد، فجلست في
مكاني، وقلت لنفسي سيفتقدونني فيعودون إليّ، فجلست فغلبتني عيناي فنمت، وسبحان
الغالب على أمره، فجاء صفوان بن المعطل – صحابي مهاجر شهد بدراً يمشي في مؤخرة
الجيش لتأمينه – تقول : فرآني فعرفني فأعطاني ظهره ونادى بأعلى صوته : إنا لله وإنا
إليه راجعون، ليوقظني فاستيقظت فأناخ الجمل، فركبت، فوالله ما تكلم معي كلمة، وما
تكلمت معه كلمة، وسار بى في الصحراء حتى وصلنا إلى الجيش، فرآنا عبد الله بن أبي بن
سلول" وبدأ يتكلم، وانتشر الكلام في الجيش من خلال اتباع عبد الله بن أبي بن سلول
السبعمائة المنافقين، حتى إذا وصل الجيش إلى المدينة فكان الخبر في كل المدينة.
تقول السيدة عائشة: واستمر الأمر
شهراً، وكان من فضل الله عليّ أن أصابتني حمى شديدة فبقيت أغلب الشهر لا أدرى غير
أن الرسول يدخل عليّ مهموماً، يقول لى: كيف حالك يا عائشة؟ ولا يزيد على ذلك، ولا
أجد منه الترحاب والود وأجده مهموماً.
تقول: حتى برأت من الحمى، فخرجت مع أم
مسطح " أحد الذين تكلموا عنها " وكان فقيراً ينفق عليه أبو بكر الصديق وكان أيضاً
ابن خالتها " ومن بين الذين تكلموا عنها أيضا حسان بن ثابت شاعر النبيّ ".
دموع أبي بكر
خرجت السيدة عائشة إلى الحمامات مع أم
مسطح، وأثناء عودتهما تعثرت أم مسطح فقالت:تعس مسطح.
فقالت لها عائشة: والله ما يليق بك أن
تقولي ذلك في رجل شهد بدراً، فقالت: يا بنيتي أولا تدرين ما قال فيك؟ قالت: ما قال؟
فقالت: إنك ارتكبت الزنا مع صفوان بن المعطل.
قالت عائشة: أو قيل ذلك؟
تقول عائشة: فانطلقت إلى البيت، فدخلت
على النبيّ فوجدته ساكتاً مهموماً.
فقالت له: أتأذن لي أن أعود إلى بيت
أبي لتمرضني أمي؟ فقال النبيّ: لا عليك اذهبي..
فتذهب السيدة عائشة إلى أمها وسألتها:
يا أمى ماذا يقول الناس؟
فقالت لها: يا بنيتي هوني عليك والله
ما من امرأة حسناء محبوبة إلى زوجها ولها ضرائر إلا أكثروا عليها، وأكثر عليها
الناس، قالت: أو قال الناس فيّ؟ فقالت: نعم .. قالت: أو علم أبي؟ قالت:نعم،
قال: أوعلم رسول الله؟ قالت: نعم، تقول
: فجريت إلى أبي وكان فوق سطح البيت يقرأ القرآن، ويسمعنا، فنظرت في وجهه فإذا
الدموع تجري في وجه أبي بكر، فقلت له: ماذا تقول يا أبي؟
فبكى أبو بكر وقال: والله يا بنيتي كنا
في الجاهلية وما قيل على آل أبي بكر كلمة كهذه، وقد أكرمنا الله اليوم بالإسلام،
أيقولون فينا هذا؟
www.amrkhaled.net