حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع
الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 20/12/2006
المسلمون في
مأزق ..
عشرة آلاف مشرك
في مواجهة 1500 مسلم يهود الداخل يتآمرون مع يهود الخارج والمنافقون يبثون روح
الانهزام في المسلمين .. ووسط هذا كله تبرز البطولات غير العادية من نساء المسلمين
ورجالهم.
وتتجلى أروع
صور " الشورى ".. في كيفية المواجهة ..
وتلعب " الخدعة
" دورها ..
إلى أن يأتى نصر
الله من حيث لا يحتسب المسلمون.
بالخدعة .. والرياح .. وأشياء أخرى
كيف انهزم المشركون في غزوة الخندق
بين الواقع
الأليم الذى عاشه المسلمون وبين مكائد الأعداء و" خدعة " الأصدقاء .. دارت أحداث
غزوة الخندق ..
بطولة صفية
الداعية عمرو
خالد يقول:
بدأ يهود بني
قريظة يستكشفون الوضع في معسكر المسلمين، فيقوم أحدهم باستطلاع الحصن الذي تقيم به
النساء والأطفال ويحرسه حسان بن ثابت، وتلمح عمة النبي السيدة صفية والدة الزبير بن
العوام – ما يفعله اليهود، فتطلب من حسان قتله لأنه جاء ليستكشف وسوف يعود إلى
اليهود ليأتوا بجيش، فيقول لها حسان: ما أنا بذلك الرجل ولو كنت ذلك لكنت مع رسول
الله هناك في الخندق " فحسان شاعر النبي لا يعرف فنون القتال"، فأخذت السيدة صفية
قطعة من الحديد وهوت بها على رأس اليهودي من الخلف فسقط ميتاً، ثم قالت: يا حسان خذ
سلاحه قال لها: ما أنا بذاك الرجل، قالت: يا حسان خذ اقطع رأسه وارمه أمام حصون
اليهود ليعلموا أن هناك حراسة أمام حصن النساء، قال والله ما أنا بذاك الرجل، قالت:
تباً لك ، واتجهت صوب جثة اليهودي واجتزت رأسه.
تقول السيدة
صفية: فأدار حسان وجهه ثم أخذت الرأس وألقته أمام حصون اليهود، فأدرك بنو قريظة أن
هناك حراسة على حصن نساء المسلمين.
وعندما شرع
النبي " صلى الله عليه وسلم " في تقسيم الغنائم ضرب لصفية سهماً وقال: بما فعلته.
مقايضة مرفوضة
كان على النبي
أن يفكر في خطة بديلة، فذهب إلى قبيلة غطفان " ثانى قوة بعد قريش " وعرض عليهم عدم
المشاركة في قتاله مقابل منحهم ثلث ثمار المدينة، فقالوا: بل نصف ثمار المدينة،
فقال لا بل الثلث، فوافقوا، إذاً أسأل أصحابي. فقال قائد غطفان: ألست أنت قائدهم؟
قال: نعم، ولكن
المدينة ملكهم فلابد أن أسأل أهل المدينة. وعاد النبي وأتى بسعد بن معاذ وسعد بن
عبادة وقال لهما: أنا عرضت هذا العرض على غطفان، فسألاه: أأمضيت الأمر فنسكت؟
قال: ما كان لي
أن أتفق حتى أعود إليكم.
فقال سعد بن
معاذ: يا رسول الله أهذا أمر أمرك به الله فنسكت؟ أم أمر تحبه فنفعله من أجلك؟ أم
أمر تصنعه إلينا عندما خفت علينا؟ قال: بل أمر أصنعه إليكم ووالله ما أردت إلا أن
أفتت العرب، فقد رمتكم بقوس واحد.
فقال: يا رسول
الله لقد كنا نحن وهؤلاء أهل كفر نعبد الأصنام ولا نعرف الله، وما كانوا يطمعون في
ثمرة من ثمار المدينة إلا بالثمن، أيوم أن يعزنا الله بالإسلام يأخذونها بلا ثمن؟
والله ليس لهم عندنا إلا السيف .. فقال له النبي متبسماً: أنتم وما تريدون.
وأبلغ النبي
قبيلة غطفان بأن أهل المدينة لم يقبلوا ما عرضه عليهم من صلح. ونحن الآن ظلمنا
الغرب كثيراً من القرن التاسع عشر من عصر الاستعمار حين أخذ خيرات بلادنا في صورة
مواد خام وأعادها إلينا مصنعة، هم ازدادوا ثراءً ونحن ازددنا بطالة وفقراً.
شجاعة عليّ
مضى 23 يوماً
على حصار المدينة، وبدأ النبي يرسل قوات من التي تقف على الخندق لتحميه، لحماية
النساء والأطفال، فبدأ الخندق ينكشف، وشجع هذا قريشاً على الاجتراء، فأرسلت رجلاً
لعبور الخندق اسمه عمرو بن ود، وهو مقاتل شرس لم يغلب في مباراة من قبل.
نزل عمرو بفرسه
في الخندق، وقال: من يبارزني. فسكت الجميع.
فقال: من يبارز
أجبنتم؟
ولم يرد عليه
أحد
فقال عليّ بن
أبى طالب: أنا له يا نبي الله.
فقال النبي:
اجلس يا عليّ إنه عمرو بن ود.
قال: إن كان
عمراً فأنا عليّ.
فقال له النبي:
خذ سيفي يا عليّ.
ودعا له: اللهم
أعنه، اللهم أعنه، معروف أن أبا عبيدة بن الحارث ابن عم النبي استشهد في بدر، وحمزة
عم النبي استشهد في أحد، وعليّ عمره 26 عاماً.
قال النبي:
اللهم إنك أخذت أبا عبيدة في بدر وأخذت حمزة في أحد وهذا عليّ يا رب لا تدعني فرداً
وأنت خير الوارثين.
يقولون: فدخل
عليّ فقال له: عمرو بن ود من أنت؟
فقال عليّ بن
أبي طالب.
قال: ابن أبي
طالب يا بني كان أبوك.
صديقاً لي فلا
أحب أن أقتلك، فانصرف يا بني. فقال عليّ: ولكنى أحب أن أقتلك، وإني أخيرك بين ثلاث:
أن تشهد الآن أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أو تعود الآن إلى مكة، أو
أقطع عنقك.
فغضب عمرو بن ود
وعقر فرسه ولطخ وجهه بدم الفرس وضرب عليّاً ضربة شديدة بالسيف تلقاها عليّ بالدرع
وعلا الغبار والنبي يدعو: اللهم أعن عليّاً، وفجأة ساد الصمت، ومن وسط الغبار خرج
عليّ يقول الله أكبر، فكبر النبي " صلى الله عليه وسلم " وجاء عليّ وفي يده رأس
عمرو بن ود فقال له النبي: ألقه عليهم ليخافوا، فرماه عليّ بن أبي طالب، عندئذ أصاب
سهم طائش ذراع سعد بن معاذ سيد الأوس وينزف جرحه، ويستدعي النبي رفيدة أول طبيبة في
الإسلام لتداوي جرح سعد بن معاذ، ويحمل سعد وجرحه ينزف دماً، فيقول: اللهم إن كان
بيننا وبين قريش معارك أخرى فلا تمتني حتى أشهدها، فما من قوم أحب أن أقاتلهم من
قوم آذوا رسول الله، وإن كانت هذه آخر معركة فخذنى شهيداً ولا تمتني حتى تشفي صدري
من بنى قريظة. يقولون: فكأن الجرح قد ربط فلم تسقط قطرة واحدة من دمه.
خدعة " أشجع "
ويجيء للنبي رجل
اسمه نعيم بن مسعود، من قبيلة " أشجع " إحدى القبائل التى تحاصر الخندق، فيقول له:
يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله بماذا تأمرني؟
فقال له النبي
فرحاً يا نعيم إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة،
فقال للنبي: سأقول فيك .. قال: قل ما شئت.
ويذهب نعيم إلى
بني قريظة فيقول لهم: يا بني قريظة تعرفون حبي لكم، وتعرفون بغضي لمحمد، قالوا: نعم
.. أنت عندنا لست بمتهم. قال: يا بني قريظة قريش ليست من أهل هذه الأرض، وأنتم من
أهلها. نساؤكم وأولادكم وحصونكم. أفرأيتم إن عادت قريش وملت الحصار ولم تقاتل
محمداً وجدت أنها فرصة إن سنحت دون خسائر قبلتها. وإن لم تسنح تركتم وذهبت.
سيتركونكم لمحمد، وسيقتلكم شر قتلة، قالوا: فماذا ترى؟ قال: أرى أن تحمسوا قريشاً
على القتال وتضمنوا أنهم سيقاتلون معكم، تأخذون 50 رجلاً من أشرافهم يبقون عندكم،
فإن قبلوا ذلك فإنهم يريدون القتال، وإن لم يقبلوا، فقد يتركونكم، قالوا: أشرت
بالرأي السديد.
ثم ذهب نعيم إلى
أبى سفيان وقال: بلغني أن محمداً اتفق مع بنى قريظة وقد ندموا أنهم اتفقوا معكم،
وقالوا لمحمد: أرأيت إن أتيناك بخمسين رجلاً من أشراف قريش أتعف عنا؟
قال نعم أعفو
عنكم، لهذا سيطلبون منكم 50 رجلاً. في اليوم التالي اتصل أبو سفيان بكعب بن أسعد
زعيم بني قريظة وقال له: متى نهاجم؟ فقال: أرسل إلينا أولاً 50 رجلاً لنضمن جديتكم
في القتال. فقال أبو سفيان في نفسه: صدق نعيم.
فقال أبو سفيان:
والله لا نعطيكم رجلاً واحداً. فقال كعب بن أسعد لنفسه صدق نعيم بن مسعود. فافترق
الاثنان وكان هذا أول النصر. رجل واحد تسبب في النصر لجيش المسلمين والأمة كلها هو
نعيم بن مسعود.
النصر بالريح
بعد 24 يوماً من
الحصار، النبي على جبل سلعة يدعو دعاءً شديداً لله: يارب استر عوراتنا، آمن
روعاتنا، اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم ثم انصرنا
عليهم، ويدعو النبي ويبتهل في الدعاء، في موقع مسجد الفتح، فإذا بليلة شاتية ممطرة
شديدة البرودة تجتاح المكان بعد دعاء النبي " صلى الله عليه وسلم " على جبل سلعة
الريح تقتلع الخيام وتفك الأوتاد، تحمل متاع الكفار، وترميها، تحمل الحصى وتضرب به
وجوه قريش، ويبدأ النصر بريح وينزل قول الله تعالى:" يآيها الذين آمنوا اذكروا نعمة
الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما
تعملون بصيرا".
كان المسلمون
يستحقون النصر، فنصرهم الله:" وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
وفي هذه الليلة
الشاتية كان الصحابة يرتجفون من البرد، فيصيح فيهم الرسول قائلا: من يذهب ويأتيني
بخبر القوم؟ فلا يردون، ويكرر سؤاله ويضيف وأضمن له العودة وهو رفيقي في الجنة؟ فلا
يرد أحد.
فقال النبي: قم
يا حذيفة بن اليمان.
يقول حذيفة:
والله ما قمت إلا حياءً من رسول الله وطاعة له.
فقال له النبي:
اذهب فأتني بخبر القوم ولا تحدث فيهم أمراً. يقول: فخرجت وأنا أرتعد من البرد، فما
إن وصلت إلى الخندق كأني أمشي في حمام، يقول فانطلقت فعبرت فإذا القوم في هلع شديد
وإذا أبو سفيان يبحث عن نار ليدفئ يديه، ثم قال أبو سفيان: يا قادة قريش اجتمعوا
أريدكم .. فاجتمع القادة، فدخلت بينهم في الظلام، يقول أبو سفيان، إني سأكلمكم
كلاماً عظيماً، فلينظر كل منكم من بجواره فإنى لا أضمن جواسيس محمد، يقول: فأسرعت
وابتدرت الذى بجواري فقلت من الرجل؟ فقال: عمرو بن العاص، من الرجل؟
فقال: معاوية
بن أبى سفيان. يقولون إن عمرو بن العاص حين عرف ذلك بعد إسلامه ظل يضحك منها سنة.
فيقول فنظرت إلى
أبي سفيان فإذا هو أمامي فشددت السهم، ثم تذكرت وصية النبي: لا تحدث فيهم أمراً،
فرددت السهم. فإذا بأبي سفيان يقول: أيها الناس لا مقام لكم، قد اجتمع عليكم غدر
اليهود مع الريح والبرد والجوع وإن الحصار لا ينتهي إني مرتحل فارتحلوا.
فقلت: صدق رسول
الله، الحمد لله أني لم أحدث فيهم أمراً، يقول: فعدت إلى النبي، فما إن عدت حتى عاد
إليّ البرد، فإذا بالنبي يصلي في المسجد، فجلست بجواره أرتعد، ففتح عباءته واحتواني
فيها وهو يصلي.
يقول: فعاد إليّ
الدفء، فركع وسجد ويده تحتضني حتى إذا سلم، قلت له، فضحك وقال: بشرك الله بالخير.
ووقف للصحابة
يقول: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. ثم
قال النبي: اليوم نغزوهم ولا يغزوننا، ثم يقول للصحابة: عودوا إلى دياركم.
يقولون: والله
ما استطعنا أن نعود إلى بيوتنا كنا ننام في الطريق يسمع لنا غطيط. فنزل جبريل وقال
للنبي: يا محمد أوضعتم السلاح والملائكة لم تضع السلاح بعد، قال له وما ذاك؟ قال:
غدر بنى قريظة، إن الله لا يحب الخائنين.
فقال النبي
للصحابة:
لم تنته المعركة
.. عودوا، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة.
ويحاصر النبي وجيشه بنى قريظة خمسة عشر يوماً. عرضوا تسليم سلاحهم على أن يخرجوا،
فم يوافق النبي.
قالوا: سنقبل
حكم سعد بن معاذ. وجاء سعد ليقول: آن ألا تأخذ سعداً في الله لومة لائم، قال:
أتقبلون حكمي؟ قالوا: نعم، قال ما أراكم إلا أنكم خنتم خيانة لنا جميعاً، أرى أن
يقتل الرجال وتسبى النساء وتؤخذ الأموال.
فقال النبي:
حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات وينزف جرح سعد بن معاذ مرة أخرى، فيأخذه
النبي في حضنه ووجه النبي ولحيته مضمخة بدماء سعد، وحين مات يقول النبي: مات سعد
واهتز لموته عرش الرحمن.
ww.amrkhaled.net