حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد
لمجلة كل الناس بتاريخ 03/8/2006
ماذا لو انتصر
المسلمون في أحد؟
السؤال صعب .
والإجابة أصعب فما كان الله أبداً ليخزي الذين ناصروه وأعلو شأن دينه .. لكنه أراد
أن يعلمهم من أمور القتال ما لم يكن يعرفونه..
وكان الدرس
قاسياً. غير أنه أثبت أن للقتال فنوناً .. وللمعارك قوانين .. وقيادة لا يجب
مخالفتها .. وكانت " أحد" شهادة للتاريخ تؤكد عظمة الرسول القائد .. وقوة ثباته
ويقينه وتؤكد - في الوقت نفسه - استبسال من قويت عقيدته من المسلمين
الذين دافعوا عن رسولهم وهم يعلمون أنهم يدافعون عن دين لا يقبل الشك، ولا يؤازر
إلا الأقوياء.
جبل أحد .. جبل
من جبال الجنة يقول النبي " صلى الله عليه وسلم": " أحد جبل يحبنا ونحبه " يحمل هذا
الجبل على كاهله دماء صحابة النبي، كان النبي يقف على أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان
فاهتز الجبل لأنه لم يتحمل عظمة من يقفون فوقه، فنزل النبي من فوق الجبل ووضع يده
عليه وقال: أثبت أحد فإن فوقك نبياً وصِدّيقاً وشهيدين، فسكن الجبل، وكان سكونه
دليلاً على أنه لم يكن زلزالاً.
-
هذا الجبل يقع في شمال المدينة، والواقف فوقه يستطيع رؤية مآذن المسجد النبوي، هذا
الجبل كان أرض المعركة، وعلى مرمى البصر منه تقع ساحة الشهداء، التي دفن فيها شهداء
أحد من الصحابة، ويحيط بها سور أبيض. عندما ظهر جيش قريش الآتي للثأر من جيش
المسلمين الذي انتصر في بدر، خرج النبي بجيشه لملاقاة جيش العدو في أرض المعركة،
فلا يوجد مدخل للمدينة إلا من هذا المكان، فالمدينة محاطة بالجبال حماية طبيعية من
الله، في منطقة اسمها الحارة لا يستطيع جيش ولا مدرعات ولا خيول عبورها لأنها منطقة
صخرية مدببة، وكان المدخل الوحيد لقريش هو ذلك المدخل الذي خرج فيه النبي بجيشه.-
خطة النبي العسكرية العظيمة هي أن يواجه قريشاً وجهاً
لوجه ولا يسمح لجيشها بالالتفاف حول جيشه لحصاره. عدد القوات المسلمة سبعمائة رجل
.. وعدد قوات قريش ثلاثة آلاف. فلو استطاع جيش قريش الالتفاف حول جيش المسلمين
ومحاصرته لانهزم جيش المسلمين، أمّا لو تمت المواجهة وجهاً لوجه فجيش المسلمين مسلح
بالإيمان وهو قادرعلى الانتصار بهذا الإيمان على جيش الكفر.
ولتحقيق ذلك اختار النبي أضيق ممر " 560 متراً " بحيث
تكون كتف أول جندي مسلم ملاصقة لجبل أحد، وكتف آخر جندي في الصف الأول ملاصقة لجبل
الرماة المواجهة لأحد، وجعل النبي هذا الإصطفاف يقفل الطريق أمام قريش من الميمنة
أمّا الميسرة فحماها بخمسين من الصحابة أوقفهم على جبل الرماة يقودهم عبد الله بن
جبير.
كان مع قريش ثلاثمائة فرس ، يستطيع رماة المسلمين
إبادتهم لو فكروا في الالتفاف من وراء جبل الرماة لعمل كماشة على جيش المسلمين.
بهذا أغلق النبي ميمنته وميسرته، جاء أبو سفيان وقد قسم جيشه إلى ميمنة وميسرة
وقلب، ميسرته يقودها عكرمة بن أبي جهل وتضم سبعمائة رجل، أما ميمنته فيقودها خالد
بن الوليد ومعه ثلاثمائة فارس، وفي القلب يقف أبو سفيان ومعه ألفان من الجنود.
كانت خطته أن تقوم الميمنة والميسرة بعمل التفاف حول
جيش المسلمين بينما القلب يقوم بالهجوم، وفوجىء أبو سفيان بإغلاق الميمنة وتصدى
الرماة في الميسرة في جيش النبي وكلما حاول خالد بن الوليد الالتفاف بفرسانه
الثلاثمائة من خلف جبل الرماة فوجىء بيقظة رماة جيش المسلمين فوق الجبل، فيتراجع عن
التحرك، وظل خالد بن الوليد لا يبرح مكانه وتم إفشال الخطة، وبهذا فرض النبي خطته
على أبي سفيان. أما عكرمة فلم يكن أمامه سوى أن يقطع مسافة 23 كم من خلف جبل أحد
ولم يكن ذلك ممكناً. بهذا تعطل عمل عكرمة بقوات الميمنة وتعطل عمل خالد مع فرسان
الميسرة، وأرغم النبي أبا سفيان على مواجهته بنفسه لتبدأ المعركة.
سيف النبي
عين النبي مصعب بن عمير قائداً لقوات المسلمين يوم
غزوة أحد، أما قائد العمليات في أرض المعركة فكان حمزة بن عبد المطلب يساعده علي بن
أبي طالب والزبير بن العوام. قال النبي للرماة: إن رأيتمونا ننتصر ونأخذ الغنائم
فلا تنصرونا " أي لا تتبعونا "، وإن رأيتمونا ننهزم وتأكل الطير من رؤوسنا فلا
تنصرونا " ابقوا في أماكنكم أيّا كانت نتائج المعركة".
وينزل النبي إلى أرض المعركة – كان عمره 57 عاماً –
فيرفع سيفه ويقول:
من يأخذ سيفي هذا؟
فيهتف الصحابة في صوت واحد: أنا يا رسول الله، فيقول
النبي: من يأخذه بحقه؟ فيسألون: وما حقه يا رسول الله؟ فيقول النبي: يفلق به هام
الكفار. فيشعر الصحابة بالتردد والخوف، لكن واحداً منهم يخرج واسمه أبو دجانة
فيقول: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فيسلمه النبي سيفه، ويربط أبو دجانة
على رأسه عصابة حمراء، كدليل على أنه سيحارب حتى الموت. ووقف وسط الجيش وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في أكيلي
أضرب بسيف الله والرسول
يقول الزبير بن العوام: فأتبعه أثناء المعركة، فوجدته
والله يضرب به الكفار ضرباً شديداً حتى اقترب من فارس ملثم فأراد أن يضربه فكشف
الفارس عن وجهه فإذا به امرأة من قريش، فرفض أن يضربها بسيف النبي، لأن النبي
لم يضرب امرأة أبداً بسيفه، ويقف حمزة في أرض المعركة ويضع ريشة في صدره، يُعْلم
بها نفسه لجنود قريش ويمشي أمامهم دليلاً على عدم خوفه وسخريته منهم، أنا حمزة بن
عبد المطلب أسد الإسلام، فيقول النبي تعليقاً على تيه حمزة بنفسه : إن هذه المشية
يكرهها الله عز وجل إلا في هذا الموضع.
الاختراق
ويتحرك جيش المسلمين بقيادة النبي " صلى الله عليه
وسلم" فيقتحم حمزة بن عبد المطلب جيش الكفار مخترقاً إيّاه حتى يصل إلى عمقه ثم
يعود، ثم يقلد علي بن أبي طالب عمه حمزة فيخترق جيش الكفار ويكرر ذلك الزبير بن
العوام بمنتهى الشجاعة والفدائية ويحاول حمزة الإيقاع بحامل راية الكفار
وينجح في ذلك ويقتله، فتسقط راية الكفر، فيرفعها رجل آخر من بني عبد الدار
الذين اختارهم أبو سفيان لحمل راية قريش فيخترق حمزة بن عبد المطلب الصفوف مرة أخرى
ويقتله، ثم يقتل الثالث الذي أعاد حمل الراية، ثم يقتل الرابع، ثم يقول علي لحمزة،
يا عم دعني أنا أيضاً أُسقط رايتهم. فيقتل علي بن أبي طالب الخامس من حملة راية
الكفر، ثم يقتل السادس والسابع والثامن كل أفراد بني عبد الدار يتم قتلهم، فيدخل
الزبير بن العوام ويقول: أقسمت عليكم أن تدعوني أنا أيضاً فيقتل التاسع من حملة
راية الكفر.
خطأ الرماة
ويحقق المسلمون انتصاراً حاسماً في الساعة الأولى من
المعركة، فتبدأ قريش انسحابها وفرارها من أرض المعركة، ويستولي جيش المسلمين على
الغنائم الملقاة في أرض المعركة، وتراود الرماة الرغبة في مشاركة الجيش الإسلامي
غنائمه باعتبار أن المعركة انتهت وذلك في مخالفة صريحة لأوامر النبي
" صلى الله عليه وسلم " لهم، فينهرهم عبد الله بن
جبير عن عصيان أوامر النبي، لكنهم يصرون، فيقول لهم: أما أنا فلا أتحرك ولا أعصي
أوامر رسول الله، ويبقى معه عشرة من الرماة، وينسحب 40 رامياً من فوق الجبل طمعاً
في الغنائم، فتسببوا في انكسار جيش النبي وجرحه " صلى الله عليه وسلم " واستشهاد
حمزة ولم يتحقق النصر الذي كان قاب قوسين او أدنى من جيش المسلمين، بسبب 40 رامياً
عصوا أوامر الرسول. يقول الله تعالى:" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "
ويقول: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ".
خالد بن الوليد كذلك ظن أن المعركة انتهت لانسحاب
مقاتلي قريش، فيأخذ الفرسان الذين تحت قيادته وينسحب، وأثناء انسحابه ينظر إلى جبل
الرماة فيجد أن 40 رامياً مسلماً ينسحبون من فوق الجبل، فيدرك أن هذه فرصته فيسارع
إلى الصعود إلى جبل الرماة ويقتل الصحابة العشرة الذين بقوا فوقه ومنهم عبد الله بن
جبير. ويقف على جبل الرماة وينادي بأعلى صوته: أعل هبل، فترتفع الروح
المعنوية للمشركين، بينما انكسرت الروح المعنوية للمسلمين، فيما كان خالد بن الوليد
يهاجم المسلمين من ظهورهم، ثم يأتي عبد الله بن قمئة الذي كان شديد الكراهية
للمسلمين، وليس في ذهنه شيء سوى محاولة قتل النبي
" صلى الله عليه وسلم " فيهاجم مصعب بن عمير – الشاب
الذي أدخل الإسلام المدينة – وقد ظن أنه الرسول لأنه يحمل راية المسلمين، فيقطع يده
اليمنى ويرى مصعب الراية تسقط، فيسارع لالتقاطها بيده اليسرى لتظل مرفوعة، فيأتي
ابن قمئة مرة أخرى ويقتله، ويصيح بأعلى صوته: قتلت محمداً، فينهار المسلمون ويلقون
السلاح وهم يبكون رسول الله، ويهرولون إلى المدينة، ويبقى النبي في أرض المعركة
ومعه 20 صحابياً منهم امرأة واحدة هي أم عمارة نسيبة بنت كعب، وتحيط بالنبي مجموعات
من الكفار، لكن 20 صحابياً عملوا طوقاً حول النبي يدافعون عنه ورفع النبي صوته
ينادي الصحابة ليعرفوا أنه حي لم يقتل فيقول: إلي يا عباد الله إلى رسول الله.
فداؤك يا رسول الله
وبدأ جيش قريش يطوق النبي والعشرون صحابياً الذين
يستميتون دفاعاً عنه، ويأتي أبو دجانة الذي سبق أن حمل سيف النبي فيأخذ النبي في
أحضانه ليحميه من السهام، فتصيب السهام ظهر أبي دجانة يقولون: كان ظهره كالقنفد من
السهام، وينادي النبي سعد بن أبي وقاص أن يرمي الكفار بسهامه ويقول له: : إرم سعد
فداك أبي وأمي "، وهي المرة الأولى التي يقول فيها النبي ذلك لأحد، كان سعد بن أبي
وقاص أمهر الرماة، وهو قائد معركة القادسية بعد ذلك التي انتصر فيها على الفرس،
ويرمي سعد الكفار بسهامه فيبدأون في التراجع، معه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة
المبشرين بالجنة، الذي كان يطالب النبي أن يخفض رأسه حتى لا تصيبه السهام فيقول:
نحرى دون نحرك يا رسول الله.
ويلمح طلحة سهماً متجهاً إلى النبي فيرفع يده يتلقاه
بكفه، فيخترق السهم كف طلحة ويخرج من الناحية الأخرى وتشل يده. ويقف النبي ليقول في
الموقف الصعب: والله ما أنصفنا أصحابنا، ومن أمثلة الذين دافعوا عن النبي في ذلك
اليوم يزيد بن السكن ومعه عشرة من الأنصار فيقفون حول النبي الذي أجهده القتال فأخذ
يقول: من يدفعهم عني وله الجنة؟ فيأتي هؤلاء العشرة الذين يقودهم يزيد بن السكن
يقولون له: ندفع عنك يا رسول الله ولنا الجنة؟ فيقول: نعم.
فيدخل الأول ويقتل، ويدخلون واحداً وراء الآخر
يقاتلون بين يدي النبي ويقتلون حتى جاء آخرهم يزيد بن السكن وعمره - 23
عاماً – فيدافع عن النبي كأنه الصخرة حتى سقط شهيداً، فتمرغ وجه في التراب، فصرخ
النبى: لا .. لا .. ارفعوا وجه يزيد، وقام النبي ووضعه بين يديه وظل يمسح التراب عن
وجهه.
ويرفع النبي وجهه إلى السماء ويقول:
" اللهم إني أشهدك أني راض عن يزيد بن السكن "
www.amrkhaled.net