صداقتنا أخوة رغم أنف التباعد



 حديث الصداقة حديث ذو شجون.. أبعاده لا نهاية لها وبحره أعمق من قاع المحيط..

 قالت العرب فيما مضى أن الصديق هو من يصدق ، أي من لا ينافق بل يريك عيوبك ويظهرها لك ويعينك على نفسك كما يعينك على غيرك..فالصديق هو من صدق.. والمدّاح هو من نافق...

 صديقي من يقاسمني همومي##### ويرمي بالعداوة من رماني

 ويحفظني إذا ما غبت عنه ####### وأشكوه لنائبه الزمان..

 لكن هذا التعريف هو تعريفٌ قائم على الميول والمحبة ، وعلى الإخلاص والمروءة والنخوة في أفضل حالاته.. وهي عناصر رغم نبلها وعلو شأنها لا تجمع شروط الصداقة في الإسلام ..

 الإسلام يا إخوتي أمر عظيم.. طريق وحيد... درب لا ثاني له.. يسير به المسافرُ .. يغد السير حثيثاً ينتظر يوما محتوما لا بد آت..

 درب يراه كل الناس ، من يمشى فيه ومن يبتعد عنه.. بل حتى من يسير عكسه أو من يحاول إغلاقه..

 طريق لا ينظر الإنسان حوله إلا ويراه..... والعود إليه سهل لا يحتاج لأكثر من لحظة.. طريق تتصل به مصاعد وطرق سريعة لكل من أحب اتخاذه.. حتى من ابتعد عنه فصار في أقصى نقطة منه يستطيع أن يضع نفسه على أحد الممرات المفتوحة ليعود إليه متى يشاء..

 نسير عليه... وكل من يسلكه هو أخ لنا... يزداد اقتراباً والتصاقا ومحبة بقدر ما يعيننا على مصاعب الطريق ويبقينا فيه ويبقى.. ويبتعد عنا ويفارقنا إذا تخاذل وتباطأ أوإذا بدأ ينحرف عنه ليبتعد ، فتبتعد صداقته عنا مهما كانت قلوبنا متعلقة متحابّة..

 هذه صداقتنا.. تفوق صداقة أشد الأصدقاء اقترابا لأنها ترتبط بحبل الله المتين... لا تتمسك بعواطف إنسانية وميول قلبية وتفاهمات شخصية فحسب..

 صداقة المسلم لأخيه شيء عجيب...إن أتينا بأشد المسلمين تباعدا وتناقضاً في أمورهم الشخصية، وبأشد الأصدقاء قربا دون إسلام ، فما هي إلا تجربة واحدة ومحنة واحدة حتى نكتشف أن المسلمين المتباعدين أشد اقترابا بعضهم من بعض من أقرب الأصدقاء التصاقاً دون دين...

 الإسلام يا إخوتي هو طريقي.. أغد السير فيه وحدي... لا أرى أمامي سوى هدف رسمه لي خير الورى.. لا أبالي أن أمشيَه وحدي مهما كان موحشاً لأن النور فيه هو نور الله الذي لا يستوحش معه أحد.... ومن مشى فيه فهو أخي صديقي.. وما أحلى أن أرى بجانبي أخاً حبيباً يمسك بيدي في هذا الطريق فتسري في قلبي عزيمة الأخ المسلم وتحيي نفسي روحُه التي تسعى معي لنور الله...

 هذه صداقتنا...

 وأنا الذي أدمنت الأصدقاء منذ طفولتي... وكم حزنت وتحسرت على أصدقاء أحبة فارقتهم... بعضهم كان على مقاعد المدرسة وبعضهم في الحي وبعضهم في المهنة وآخرون في المحنة.. لكنني وجدت منذ زمن بعيد أن صديقهم الصدوق الذي أعود إليه ملهوفاً لأطبع قبلتي على جبينه ولو بعد عشرين عاماً ويرقص قلبي لرؤيته هو الذي مشى معي على الطريق فما حاد وما تخاذل...

 أما الإنسان فهو أكثر من نقطة...هو أمر غريب... أعطاه الله شيئا لم يعطه أي مخلوق ولا حتى للملائكة..

 أعطاه الكرامة مع الجنة.. الكرامة في الدنيا والجنة في الآخرة..

 الإنسان هو الدنيا.. كل إنسان بنفسه دنيا بأسرها,, ولأجل كل إنسان وحده خلق الله الدنيا وما فيها والآخرة ومصيرها..

 ويوم القيامة يقف كل إنسان وحده أمام الله.. وكأنه مخلوق لا ثاني له..
ليس الإنسان حبة رمل ولا ذرة من تراب ولا نقطة في بحر.. الإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده ، كل إنسان على حدة ، وحتى لحظة غرغرة الروح، هو الدنيا بأسرها.. يبنيها إن آمن ويهدمها إن كفر... له خلق الله جنة عرضها السماوات والأرض أو جحيما وقودها الناس والحجارة...

 ونبقى نملأ دفاترنا... سجلات سنراها تفتح على مدالبصر يوم لاينفع أب ولا ولد...

ويا ويلي من كتابي... ويا خيبتي إن لم يرحمنيَ الله فيمحو بفضله ما يعلم مني ويستبدله بكرمه وفضله حسنات أنا الفقير لها بل لكل ذرة منها...

 ونبقى نملأ دفاترنا. فيا سعد من عمل لملئها بما يرضي الخالق.. ويا خيبة من كان غير ذلك.......

 د. وضاح محمد فؤاد جابر

استشاري أمراض الكلى بفرنسا

البلد سوريا

44 عاماً