حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام
الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 11/10/2006
انتهت المرحلة المكية في تاريخ الدعوة الإسلامية بما فيها من اضطهاد وتعذيب، وصبر،
وثبات .. لكن دروسها ظلت باقية حتى يومنا هذا وسوف تظل إلى ما شاء الله. وهى دروس
ذات أثر بالغ بما تحويه من الأساس الصحيح لأى دولة جديدة.
وجاءت المرحلة "المدنية" لتعطي الاستمرارية لهذه الدروس التي غابت عن مفاهيم كثير
من المسلمين وغير المسلمين. ظهر ما يسمى بالصراعات الحضارية والتشدد غير المطلوب.
أحداث غيرت وجه التاريخ وأعطت أروع الأمثال للقائد في أبهى صوره حين يكون واعياً
ومدركاً لكل المتغيرات من حوله .. وأعطت - أيضاً - أروع الأمثال لأناس اعتنقوا
مبادىء الدين الجديد وطبقوه في حياتهم وسلوكياتهم حتى مع أعدائهم، فصار لهم شأن ..
أى شأن.
مع الداعية عمرو خالد .. نعيش ونقرأ .. وفي المعايشة والقراءة دروس وعظات وعبر.
المبادىء الأحد عشر
استمرت المرحلة المكية 13 سنة، وبدايتها كانت نزول الوحي وبدأ الرسالة ونهايتها
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. والمرحلة اتسمت بالتحدي والإصرار على حمل الرسالة.
وبدأت الرسالة وعمر النبي 40 .. وفي السنوات الثلاث الأولى عمل النبي على تكوين جيل
متميز خلقاً وعملاً ، هذا الجيل هو الذي حمل أعباء نشر الرسالة في الأرض، وفي نهاية
السنوات الثلاث أصبح عدد المسلمين الأول ثلاثمائة .. ثم تم الإعلان والجهر
بالإسلام.
ومن سنة 3 إلى سنة 6 من البعثة بدأ الإيذاء الشديد للمسلمين من جانب المشركين. كما
أنشأ النبي جامعة للتدريب الفكري والسياسي في دار الأرقم بن أبي الأرقم، تخرجت فيها
نماذج متميزة سياسياً وأخلاقياً واجتماعياً وفكرياً.
في ذلك الوقت قدمت السماء هدية للنبي بإسلام عمر بن الخطاب وإسلام حمزة، فانتقل
الإسلام نقلة جديدة بهذين الرجلين، وقررت قريش اللجوء إلى المفاوضات من أجل إغراء
النبي صلى الله عليه وسلم بالمكاسب المادية بدلاً من الإيذاء. أو بمساومته، ففشلت
المفاوضات لأن النبي لم يستسلم للشهوات ولإغراءات الدنيا. ثم عرض النبي مبادرة لعمل
تعايش مشترك مع قريش من خلال حلف الفضول.
ومن سنة 6 إلى 9 بدأت قريش الحصار للنبي وأصحابه .. ومن سنة 9 إلى 11 , جاءت وفاة
أبو طالب والسيدة خديجة، فيبدأ النبي في البحث عن الحماية والنصرة خارج مكة. فيفشل
في الطائف وتفشل 26 محاولة مع القبائل. وفي سنة 11 يؤمن الأنصار، وسنة 12 يبايعون
النبي بيعة العقبة الكبرى للهجرة إلى أرضهم ليكون الحاكم المسئول عن المدينة،
ويتأسس للإسلام وطن في المدينة بوصول النبي إلى المدينة سنة 13 للبعثة.
تأكيد مكانة المرأة
الدروس المستفادة من المرحلة المكية هي:
1-
إيمان النبي صلى الله عليه وسلم برسالة عظيمة هي إصلاح الأرض ، وقد
آمن بها معه الصحابة فحمولوا الرسالة التي ملأت قلوبهم وعاشوا من أجلها. هل يمكن أن
تكون فكرة النهضة وإصلاح بلادنا الآن هي الهدف الذي يملأ قلوب وعقول الملايين من
المسلمين؟
2-
الصبر والثبات والإصرار والتضحية. الدم والعرق. الموت والخوف. قصة
دائمة لكل صاحب رسالة إصلاحية. وسمية وبلال خير دليل على ذلك. هل نحن مستعدون الآن
لمثل هذه التضحية لصنع النهضة في بلادنا؟
3-
التدريب وإعداد جيل فكرياً وسياسياً وأخلاقياً في دار الأرقم ..
والتدريب فكرة أساسية لأي جيل ينشد الإصلاح.
4-
التخطيط الذكي المرن المبادر . كان عليه الصلاة والسلام يبادر ويضع
قريشاً في رد الفعل. والوحي لم يخطط له شيئاً. الوحي يأتي بالمنهج القرآني،
والمعجزات كانت للتثبيت ورفع الروح المعنوية، لكنها لم تكن تغيير الأحداث. كانت
الأحداث تتغير بالتخطيط والصبر.
5-
النبي كان يتعايش مع غير المسلمين، والمسلمون كانوا مندمجين
بالمجتمع يتحركون معه. والنهضة لا تحدث إلا بالتعايش مع العالم بشرقه وغربه.
6-
ضبط النفس مهما كان الظلم. نحن لم نسمع عن صحابي حطم أصناماً أو قتل
أبا جهل أو أحرق دار الندوة. ضبط النفس يحافظ على المجتمع ولا يدمره . وهذا طريق
الأنبياء: عدم استخدام العنف لنشر العقيدة.
7-
مكانة المرأة في الإسلام، أحياناً يسبق دورها دور الرجل. فأسماء هي
المؤتمنة على مكان الغار. وخديجة هي أول المؤمنين برسالة زوجها. لهذا لن تكون هناك
نهضة مادام هناك ظلم يقع على المرأة.
8-
تجربة النبي لم تكن مثالية وخالية من الأخطاء .. هناك أخطاء وقعت.
إذ عرف المشركون مكان الغار، ووصل سراقة إلى النبي أثناء الهجرة. وفشل النبي في 26
محاولة لضم القبائل إلى صفوفه. لكن الفشل هو الذي يصنع النجاح في نهاية الأمر.
9-
الأمل لم ينقطع في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وإرادته. هناك
غاران ضيقان أضاء البشرية : غار حراء خرجت منه رسالة النور والهداية للبشرية، وغار
ثور الذي خرج منه منشأ وطن وبلد.
10-
التوكل على الله .. " ما ظنك باثنين الله ثالثهما" .. عادة الذين
يخططون لا يعرفون التوكل. ومع الأسف حالياً المسلم لا يتوكل لا يعرف كيف يخطط. لكن
النبي صلى الله عليه وسلم فعل الاثنين معاً: خطط وتوكل على الله. فالطاقة الروحية
هي صانعة النهضة. لذلك نحن نرفع شعار: التنمية بالإيمان. فلا تنمية بدون إيمان.
11-
الصدق والأمانة والوفاء لأصحاب الفضل والإتقان. ولا نهضة دون هذه
الأخلاقيات الأساسية.
12-
سر عناد قريش ورفضها للرسالة ليس عدم الاقتناع إنما كان لمصالح
شخصية. فحذار أن تضع مصلحتك الشخصية في كفة والحق في كفة ثانية، ثم تنحاز لمصلحتك
الشخصية ، ولك في سورة
" تبت يدا أبي لهب
وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب". درس وعبرة .. هذه هي دروس المرحلة المكية.
إلى يثرب الخير
نعود إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ومشوار الهجرة .. هو الآن على وشك الوصول إلى المدينة. والمرحلة
المدنية سوف تستمر عشر سنوات، من وصوله إلى المدينة المنورة حتى وفاته صلى الله
عليه وسلم .. خلال المرحلة المدنية قام النبي بتأسيس الوطن. وقد بقى في مكة مسلمون
لم يستطيعوا الهجرة أو حالت مصالحهم الشخصية دون ترك مكة. وهناك أناس من بني هاشم
يتعاطفون مع النبي رغم كونهم غير مسلمين مثل العباس عم النبي الذى حل محل أبي طالب.
وقد قامت أربع حروب خلال المرحلة المدنية بين النبي وقريش. فكيف كان موقف المسلمين
الموجودين بمكة خلال هذه الحروب.
طبعاً كانوا مع
النبي، لكن النبي لم يستخدمهم في صراعه مع مكة، ولم يقم أحدهم بأي عمل عسكري أو
بأية قلاقل في مكة.كأن النبي يحترم قيم المجتمع الذي يعيش فيه الناس، وهم مواطنون
بمكة، فلا يليق أن يستخدمهم في حربه مع مكة انطلاقاً من حق المواطنة الذي يحترمه.
والمسلمون بمكة لابد، أن يلتزموا بالقيم السائدة في مجتمعهم الذي نشأوا فيه. من هنا
أقول للمسلمين الذين يعيشون في الغرب: عليكم باحترام قيم المجتمع الذي تعيشون فيه،
فلا ينبغي أن تخربوا هذا المجتمع من أجل مشاكل تتعلق ببلادكم وأوطانكم الأصلية. لا
يليق بالمسلم أن يقوم بتزوير "فيزة" أو يدعي أنه يعاني من البطالة لكي يحصل على
إعانة من الحكومة الغربية في البلد الذي يعيش فيه تحت دعوى أنهم أعداء ويستحقون
ذلك. هذا ما دعى إليه وعمل به الرسول صلى الله عليه وسلم منذ 1400 عام.
ويوم غزوة بدر أمرت
قريش المسلمين الوجودين بمكة وللكفار من بني هاشم أن يخرجوا في غزوة بدر، فخرجوا،
فقال النبي للمسلمين في جيشه: من لقى منكم العباس في المعركة فلا يقتله، إنما خرج
مكرهاً. كذلك كان اليهود من مواطني المدينة موضع احترام ولهم نفس حقوق المسلمين
مثلما عليهم واجبات. وقد حاربهم النبي بعد ذلك لأنهم لم يلتزوا بقيم المواطنة في
مجتمعهم. فلم يكن ذلك اضطهاداً أو كراهية ليهود ولم يكن انتقاماً.
المسجد أولا
وصل النبي صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة واتجه إلى بلدة قباء، التي تبعد عن المسجد النبوي عشرة
كيلومترات وهناك مكث بعض الوقت لأن أهل قباء استقبلوه استقبالاً جيداً يليق
بمكانته، وحتى يستعد أهل المدينة للقائه. فأقام أربعة أيام في قباء، حيث استراح من
رحلة استمرت 14يوماً. وشرع في بناء أول مسجد في الإسلام،وهو مسجد قباء بناه بنفسه
وبساعديه مع أبي بكر وعلى أهل قباء، ومن وفاء النبي لهذا المكان، كان يأتي كل أسبوع
لكي يصلي ركعتين في قباء. كان يأتي ماشياً من المسجد النبوي ويقول: "من توضأ في
بيته ثم أتى قباء فصلى ركعتين كُتب له أجر عمرة".
وتنزل آية في هذا
المسجد تقول: "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن
يتطهروا".
كان مع النبي في
قباء أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب الذي لحق بالنبي مهرولاً على قدميه مسافة
الخمسمائة كيلو متر من مكة إلى المدينة بعد أن رد الودائع، وكان يريد أن يطمئن على
النبي. وحين رأى النبي في قباء منظر تورم قدمى علي بن أبي طالب رقّ له. كذلك أتى
الزبير بن العوام من المدينة إلى قبال لاستقبال النبي، رغم أنه طالب ألا يأتي أحد
من المدينة لاستقباله، لكن الزبير لم يحتمل الانتظار، فاشترى ثياباً بيضاء جميلة
للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى يدخل المدينة في أبهى منظر. وفرح النبي بقدومه
وارتدى هو وأبو بكر الثياب الجديدة.
كان أهل المدينة
يترقبون وصول النبي صلى الله عليه وسلم منذ خمسة أيام في "الحرَّى" ثم انتظروه صلى
الله عليه وسلم أربعة أيام أخرى بعد أن علموا أنه وصل قباء. ودخل النبي المدينة عند
غروب الشمس. فلمحه أحد اليهود من فوق نخلته، فصاح بأعلى صوته: يا معاشر العرب.. هذا
جدكم الذي تنتظرون جاء المدينة.
فما أن أنهى
عباراته حتى ارتجت المدينة. يقول أنس بن مالك – كان عمره 10 سنوات أنذاك – أسمع
صوت التكبير يأتي من كل مكان: الله أكبر. أسمع صوت التهليل: لا إله إلا الله. فتحت
أبواب البيوت وخرج منها الرجال والنساء والأطفال. اختلطت الدموع بالضحكات: جاء رسول
الله، ذلك أعظم يوم في تاريخ المدينة.
ويقول أنس بن مالك:
دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الإثنين فأضاء منها كل شىء، ومات النبي
بالمدينة يوم الإثنين فأظلم منها كل شىء. وصار في المدينة عدة مواقع من الجنة: جبل
أحد من الجنة والبقيع من الجنة وروضة النبي من الجنة. وللمدينة الحق أن تتيه على
الأرض، فليس على الأرض مكان من الجنة غير المدينة.
هرول الناس صوب ركب
النبي صلى الله عليه وسلم من كل مكان في المدينة، لكن أغلبهم لا يعرفون من في هؤلاء
النبي، فالركب كان يضم أبا بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب والزبير بن العوام. وقد
اتجه بعض الناس وأمسكوا بخطام ناقة أبي بكر الصديق. فخلع أبو بكر عباءته ليظلل على
النبي حتى يعرف الناس من هو النبي بين هؤلاء. فاتجه الجميع صوب ناقة النبي.
الأغاني..لماذا؟
وقد قابلوا النبي
من منطقة اسمها "ثنية الوداع". بدأ الشعر يخرج تلقائياً من أفواه الناس يغنونه
ابتهاجاً بوصول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"طلع البدر
علينا من ثنية الوداع
وجب الشكر
علينا ما دعى لله داع
أيها
المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت
المدينة مرحباً يا خير داع"
استقبل أهل المدينة
النبي بأغنية وليس بالقرآن. ولم يستنكر النبي ذلك. كان النبي يقدر قيمة الثقافة
والفنون طالما أنها تخدم المجتمع. كان جميع من في المدينة يشدون خطام ناقة النبي
وهم يهتفون: انزل عندي يا رسول الله. لكن النبي قال لهم: "دعوها فإنها مأمورة" أي
اتركوا الناقة تحط رحالها في المكان الذي أمرت أن تتوقف عنده.
وتسير الناقة
والناس إلى جوارها إلى أن تتوقف في مكان قبالة المسجد النبوى. فظل النبي عليها،
فقامت وتحركت ثم التفتت وعادت إلى مكانها فبركت، فنزل النبي وقال: هنا المقام. وكان
في مكان المسجد النبوي ديار قبيلة بني النجار " أخوال والد النبي صلى الله عليه
وسلم". كأن الله أراد أن يعرفنا قيمة صلة الرحم بهذا الاختيار الذي كان النبي يوده
في داخله، لكنه لم يفصح عنه.
ينزل النبي صلى
الله عليه وسلم من فوق الناقة، وتتهيأ الناس لسماع أول خطاب لرسول الله. قال صلى
الله عليه وسلم: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا
بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"، ماذا أراد النبي بهذا الكلام؟ كانت
المدينة قبل وصول النبي قد خرجت لتوها من حرب قاسية بين الأوس والخزرج. وكانت
الكراهية شديدة بين القبيلتين. وكان هناك يهود. واستقبلت مسلمين فقراء أتوا من مكة
وليس لهم مأوى.
لهذا يطالبهم النبي
بإنهاء موجة الحرب والكراهية، وبإطعام المهاجرين، وأن يصل الأوس والخزرج الأرحام
لتتحقق الوحدة بينهم، وطالبهم بالصلاة ليلاً لتتفجر في داخلهم الطاقة الروحية.
ووعدهم بالجنة إن هم فعلوا ذلك.
مشكلة المستشرقين
مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحسبونه رجلاً روحانياً يخاطب القلوب. وآخرون
يعدونه حاكماً سياسياً خطيراً، وفئة ثالثة يقولون إنه مصلح اجتماعي. وهو كذلك. لأنه
صاحب رسالة إصلاحية شاملة.
لكنه في بداية
كلمته دعا إلى نشر السلام. وتحية الإسلام: السلام. وختام الصلاة: السلام. بداية
الرسالة حضن من جبريل رمز السلام للرسول. قالت له السيدة خديجة ذات يوم: "إنك لتطعم
الطعام وتصل الأرحام"، وهو ما ورد في خطابه.
www.amrkhaled.net