مصر في فكر الجامعة الإسلامية (1).



كانت لمصر مكانة متميزة في المشروع النهضوي لجمال الدين الأفغاني [ 1254-1314هـ 1838 -1897 م].. ففيها عاش أخصب سنوات جهاده الفكري .. وفيها صاغ كوكبة من الزعامات والقيادات .. وأصدر العديد من الصحف والمجلات .. ولأنه كان يُعد مصر " بوابة الحرمين الشريفين " فلقد أبصر أن تحررها هو الشرط الضروري لتحرر كل عالم الإسلام .. ووعى سر تركيز الاستعمار على اختطاف مصر , لتكريس الهيمنة الاستعمارية على سائر الشرق والإسلام ..

ولقد جاهد الأفغاني كثيراً وطويلاً ؛ لإنقاذ مصر من الاستبداد الداخلي الذي يشل طاقات الأمة عن النهوض الحضاري , ويعجزها عن مقاومة الزحف الاستعماري .. وعندما نجح الاستعمار في الضغط على الخديوي توفيق , فنفى جمال الدين من مصر سنة 1879م .. وتم تحديد إقامته بالهند حتى احتل الإنجليز مصر سنة 1882م .. أصبحت " القضية المصرية " هي أبرز القضايا في جدول أعمال الجهاد عند جمال الدين الأفغاني .. وأصبحت مقالات " العروة الوثقى " عن مصر هي محور المواجهة بين تيار الجامعة الإسلامية وبين الاستعمار الإنجليزي ..

  ولقد دعا الأفغاني جماهير  الشعب المصري إلى الثورة الشعبية على الاحتلال الإنجليزي , وضرب لهم مثل الثورة الأفغانية على الاحتلال الانجليزي – والتي كان جمال الدين أحد قادتها – فكتب إلى أهل مصر , بقول :" إن مقاومة الأهالي أشد بأضعاف مضاعفة من القوة العسكرية المجتمعة في أماكن مخصوصة تحت قيادة رؤساء معينين تنهزم بانهزامهم – وما جرى لحكومة انجلترا مع الأفغانيين أفضل شاهد على ما نقول .. لقد دخلت الحكومة الإنجليزية أرض الأفغان بستين ألف عسكري , واستولت على المدن , وكاد قدمها يرسخ في البلاد , فلما قام الأهالي من كل صقع , والتحمت المقاتل في جميع أنحاء أفغانستان , عجز الستون ألفاً عن الوقوف موقف الدفاع, واضطرت حكومات انجلترا, بعد تسلطها سنتين, وبعد صرف ثلاثين مليون جنيه استرليني, إلى ترك البلاد .

  وإن على المصريين أن يقتدوا بالأفغانيين لينقذوا بلادهم من أيدي أعدائهم الأجانب .. وليس من الفتنة أن ندعوهم إلى طلب الحقوق , والدفاع عن الدين والوطن , كما يظن بعض المتطفلين على موائد السياسة وإنما ننادي على صاحب البيت أن يدافع عن حريمه وماله وشرفه , وأن يخرج مخالب عدوه من أحشائه وهي سنة جرى عليها دعاة الحق من كل أمة ..

  وعلى المصريين عموماً , وعلى الفلاحين خصوصاً أن يجمعوا أمرهم على أن يمنعوا الحكومة " الإنجليزية " كل ما تطلب منهم , وأن يرفعوا أصواتهم بنداء واحد , قائلين : لا نطيع إلا حاكماً وطنياً .. فإن فعلوا هذا وجدوا لهم من الدول أنصاراً , بل ومن الجنس الإنجليزي نفسه " !

  هكذا تحدث الأفغاني عن " الثورة الشعبية " و " المقاومة الشعبية " للاستعمار , عندما تنهزم الجيوش النظامية أمام التفوق العسكري للاستعمار .. مؤكداً على أن هذه المقاومة الشعبية " هي سنة جرى عليها دعاة الحق من كل أمة " على مر التاريخ !