إن سألتم عن إلهي (الرقيب) بقلم د/ نعمت عوض الله



الرقيب

-          ممكن يا دكتوره بعد إذنك نقسط بس المبلغ ؟

-          على قد إيه يا حسن دول ثلاثة آلاف جنيه ؟

-          ممكن كل شهر 100 جنيه ؟؟ أنا مش عارف راحوا فين ؟؟

-          ماهو مفيش حاجة اسمها مش عارف .... ضاعوا ؟ اتسرقوا ؟ راجع دفاترك وبلغني

-          حاضر يا دكتوره ... الله المستعان

جلست على مكتبي الصغير في صالة استقبال المرضى ... ووضعت دفتر حساباتي أمامي .. ظللت أراجع كل البنود ... وأحاول أن أعصر مخي لأتذكر كل قرش تم إنفاقه في الأسبوع السابق ... ثم بدأت أتخيل حركتي بالنقود ..كم قبضت ؟ ومتى ؟ وأين وضعتهم ؟ ثم كيف أخذتهم ؟؟ وإلى من سلمتهم ؟؟ وهكذا

رأسي ينفجر ... أنا أعرف أن طلبي بتقسيط المبلغ على 30 شهر ضرب من الجنون ..... ولكن يعلم الله أن هذه الجنيهات المائة ستقسم ظهري .... فالوارد إلى بيتنا صادر في مصروفه ... ولا يتبقى منه شيئ وأحيانا في المواسم لا يفي بكل المطلوب ... ويرزقنا المولى من هنا وهناك . فما العمل يارب ؟

روّعنى صوت جرس النداء ... هو أنا ناقص؟... سأغيره إن شاء الله حتى لا أقفز من الخضة كلما أرادت الدكتورة ناهد شيئاً

-          خد الظرف ده وصّله للدكتور مجدي ... فيه ثلاثة آلاف جنيه ... وهات منه الإيصال ... اوعى يضيعوا منك زى التانيين

-          ليه كده بس يادكتوره ... دي أول مرة

-          ربنا يستر وتبقى آخر مرة ... أنا نفسي أفهم راحوا فين؟

-          إن شاء الله حعرف ...

-          روح دلوقتي ... هو سعيد بره

-          لأ لسه ما جاش

-          أول ما ييجي تنزل تروح عيادة د. مجدي ... إحنا 10 في الشهر ...مش عاوزاه يكلمني يطلبهم

-          إن شاء الله يا فندم ...حاضر

ما إن جلست على مكتبي حتى تذكرت شيئاً هاماً جداً ... قلّبت في درجي الصغير فوجدت إيصالاً من د. مجدي بالمبلغ .... لقد سبق أن دفعت المبلغ منتصف الشهر الفائت ... ويبدو أن د. ناهد لا تتذكر .. يارب عفوك ... ثلاثة ألاف جنيه جائتني من السماء ..... أستطيع أن أخبرها أنى عثرت عليهم بين الأوراق ... أو أنى قد خبأتهم في حقيبتي وتذكرت الآن أين وضعتهم ... ولا خصومات ولا تقسيط

وأين أذهب من رب العباد ..... ؟؟؟ ماذا سأقول له سبحانه حين أقف بين يديه

ولكنه كريم .... ولا يرضى بالظلم ... أنا لم أسرق المبلغ ولم أهمل في حياتي تسجيل أي حركة مالية تتم عن طريقي ... فهل حلال أن يجوع العيال ... ؟؟ وسأسدد المبلغ إن شاء الله ولكن على مهل .... كلما استطعت .... هى أصلا لم تقبل بفكرة ال100 جنيه قسط شهري ... ربما تخصم 200 أو 300 ... وماذا سيتبقى للأولاد وأمهم ؟؟؟ ومواصلاتي ؟؟

وماذا سيتبقى لي عند رب العباد ؟؟؟ ماذا سيكتب رقيب وعتيد عني ؟؟؟؟ نصيبي في الدنيا جائني بقدره واختياره سبحانه وتعالى ولكن نصيبي في الاخرة أشارك في صنعه بالتقوى والطاعة ... فهل أكون غبي لأفقد كلاهما ؟؟؟

وكيف أقف أصلي بين يديه وقد خنته وهو يراني ؟؟؟؟ كيف أدعوه وأطلب منه الستر والصحة لي ولأهلي وأنا ماباليت بالحرام .... وكأنه ليس علي رقيب

سأدخل للدكتورة ناهد وأعطيها المبلغ ..... والإيصال .... وأنام قرير العين ... والأرزاق على الله ... قد توافق أن تمهلني فترة للسداد وربما في هذه الفترة أتذكر أين ذهب المبلغ فمن غير المعقول أن يقع من حقيبتي مثلاً أو أن ينشله نشال ..

يا الله !!!! فياض !!! عامل التنظيف ..... لقد لمحته يعبث في مكتبي بطريقة مريبة ولكني لم أهتم فقد وجدت أدراجي مغلقة بالمفتاح كما تركتها ... فتصورت أنه ربما كان يجرب فتحها !!!! ولكن هذا حدث فعلاً قبل أن يضيع المبلغ ... وقفت أمام أدراجي أنظر إليها فلم ألمح أي كسر .... أو محاولات للفك مثلا بمفك أو ماشابه .. خشبها نظيف لا جرح ولا خدش ....

-          د. ناهد

-          إيه يا حسن ... سعيد لسه ما جاش؟

-          لسه ... بس إحنا دفعنا المبلغ الشهر اللي فات ... وآدي الإيصال

-          إيه ده ؟؟؟ بجد ؟؟؟ أنا كنت ناسية خالص ... امتى ده حصل؟؟

-          فاكره حضرتك لما كنت مسافرة المؤتمر ... قلت لي ادفع للد. مجدي ثلاثة ألاف جنيه بتوع الجهاز ..

-          صحيح !!! فعلاً !!! طيب ما يمكن هم دول الفلوس الضايعة منك

-          للأسف لأ يا دكتوره ..... كان بودي والله ......

وغلبتني ابتسامة ضعيفة ... خشيت أن تفضح تفكيري الإجرامي

-          بس أنا وربنا يسامحني ... بشك في فياض

وقصصت عليها الواقعة ...

-          ده لو حقيقي أنا أبهدله ... بس إزاي ؟؟

-          ده اللي أنا مش عارفه

كنت أقف امام مكتب الطبيبة الكبير وشانون أدراجها يبدو في أحد الأركان ولا تسألني كيف لمعت الفكرة .. واستاذنت منها بسرعة وخرجت إلى مكتبي .. ونمت على الأرض أنظر إلى ظهر الأدراج ..... وفجأة تذكرت أغنيه قديمة : سرقوا الصندوق يا محمد ... لكن مفتاحه معايا !!!!

لقد تم خلع ظهر الدرج وتركيبه ...!!!! وأنا مطمئن لمجرد أنه مقفول بالمفتاح

دخلت إليها مرة أخرى وأخبرتها بنظريتي وأنا سعيد بإلهام الله وكأني استعدت المبلغ

استجوبه زوجها فيم بعد .. وكأن رجلاً شديداً لا تعرف الابتسامة لوجهه طريقاً .. واعترف فياض ... وأعاد جزءاً كبيراً من المبلغ ... وسامحني زوجها فيم تبقى ... بل وكافئني ب 300 جنيه

-          هات بيهم حاجة حلوة لأولادك ... أنت جوهرة وتستاهل كل خير

رغم أنه قال هذه الكلمات بوجه صارم وملامح بلا ابتسام ولكني رأيت حناناً وإعجاباً في عينيه ...

د. نعمت عوض الله

كاتب ومستشار اجتماعي وتربوي

50 سنة