مذكرات مغترب مصري بقلم محمود رشاد نجم



رمضان الغربة أم غربة رمضان 2

إن المحنة والموت سر الحياة

 وإن الرفاهية والحياة سر الموت

 هكذا كتبت في كراستي مع قدوم هذا الشهر الكريم في هذا الجو الغريب

 على طبيعتي وثقافتي وحياتي قبل الاغتراب ..

 وقد دارت حتى الآن عجلة حياتي ولازالت تدور بين معاني تلك الكلمات ..

 إنها مضادات الأشياء ..

 التي تدفع الإنسان إلى التفكير والتأمل والسعي والعمل ..

 وهي التي تدفع الأمم بعضها ببعض ..

 وهي ناموس حركة الحياة على ظهر الأرض ..

 فما خُلق آدم إلا وخُلق معة الشيطان ..

 قوتان متضادتان تدفع كل منهما إلى إبراز القوة الأخرى ..

 وكنت أحتار كثيراً عند قرائتي للتاريخ في هذا الكم البشع من الصراع

 والحروب والدمار .. وإن كانت الحكمة الظاهرة من هذا الهوس البشري

 هو إبراز نوايا البشر ومكنونات نفوسهم إلا أنه كان يحدثني دائما شعور

 آخر ورغبة أكيدة في اكتشاف سر آخر ..

 ورغم ما خلفته الحرب العالمية الثانية من دمار هائل في أرجاء أوروبا

 جميعها شرقاً وغرباً إلا أنها ولّدت داخل تلك النفوس رغبة عارمة وحب

 رهيب للحياة والعيش والتقدم ..

 وبات سر سعيهم الآن إلى التقدم والحياة والوحدة هو معاناتهم السابقة

 من الموت والدمار والتشتت ..

 ورغم اجتهاد العلماء بطول التاريخ الإنساني إلى السعي الدائم نحو اكتشاف

 جديد العقاقير والأمصال إلا أن معاناة البشر من هجوم الأمراض وشراستها

 كانت ولازالت هي المحرك الرئيسي للعمل الدئوب نحو اكتشاف المزيد ..

 ويبقى الضد محركاً ودافعاً للضد

 وبدون الضد يفقد ضده مصدر طاقته وقوته ورغبته في تحقيق ذاته ..

 فكان الفشل دافعاً للنجاح والإبداع ..

 وظلت القوة والهيمنة والغرور هما سبب الانهيار والسقوط ..

 وتبقى المحنة والموت سراً للحياة ..

 وتبقى الرفاهية والحياة سراً للموت ..

 وهكذا أصبحت حاجة الإنسان إلى الشيطان ضرورة ملحة

 وأساس لا غنى عنه لإبراز الطاقات والمواهب والإبداعات

 والأهم ..

 الانغماس في الذنب ..

 ليتورط الإنسان في الابتلاء ..

 ويقع في الآفات ..

 وهنا يأتي الإحساس بالاحتياج ..

 والشعور بالضعف ..

 والرغبة في القرب ..

 ولولا الشيطان ما كان الإنسان ..

 ولولا الذنوب لتكبر الإنسان وظن أن مصدر عزيمته هو ذاته نفسها ..

 ولولا الضعف لما عرف الإنسان خالقه ..

 وهكذا ..

 تبقى المحنة والموت سراً للحياة

  تبقى الرفاهية والحياة سراً للموت

 صورت لنا ثقافتنا العربية أننا ملوك كل شئ والآخرون مهمشون ..

 فنحن من شرفنا بمهبط الرسالة ..

 ونحن من نطقنا بلسان القرآن ..

 ونحن من يجب أن يعلم الآخرين عنّا كل شئ ..

 لأننا الأحق بالمعرفة والإيجاد في سباق إثبات الذات ..

 عبد الجبار حيدر

 إنه أخونا وصديقنا المسلم الذي دعانا على إفطار أول أيام شهر رمضان في

 مدينتي الجديدة مع بداية الفصل الدراسي الأول .. وكان الطعام من المطبخ

 الهندي الخالص ولكن الأهم هو هذا الداعي ..

 اخرج من حدود نفسك ..

 افتح عينيك وانظر ..

 تعلم ممن كنت تظن أنك معلمهم ..

 وصليت خلفه مأموماً وهو يقرأ القرآن بلسان أعجمي صادق ..

 كنت أشعر بصدق كل حرف يخرج من لسانه ..

 كانت المرة الأولى التي أستمع فيها للقرآن من لسان أعجمي ..

 وكانت المرة الأولى التي اخرج فيها من حدود نفسي وثقافتي لأبدأ

 رحلة التعلم ..

 وسالت دموعي دون أن يشعر بي أحد ..

 وأدركت مقدار جهلي وعبثيتي ..

 فكنت أظن أنني من الساعين للثقافة ومن المجتهدين في محرابها ..

 ففتحت عيني على من ينحتون بحق في صخور العلم ليستخرجوا

 خلاصة ما تحتويه من معادن ثمينة ..

 ولايزال المرء يتعلم ويتعلم

 فإن ظن أنه عَلِمَ فقد بدأ يجهل

 وهاهي الرفاهية والحياة تكون سبباً للموت ..

 الكنافة والقطايف والمحشي والأرز بالخلطة ..

 حياة رمضانية كاملة الأوصاف لايزيغ عنها في مصر إلا هالك ..

 وصدق ترتيل القرآن من لسان أعجمي يعلمك بحق صدقه معنى الهلاك الحقيقي

 الذي كنت أعيشه وأتحسس روائح رمضان العطرة مع قدومه ..

 وهاهو الإنسان ..

 يحتاج للشيطان ..

 ولا يستطيع العيش دون الذنوب ..

 ولن يدرك الحياة إلا بمعايشة المحنة والموت ..

 وتطل علينا حكمة الصيام مطلسمة ..

 فرغم كل ما حاولت تفسيره سابقاً لازلت أوقن أنني بعيد كل البعد

 عن الحقيقة والسر ..

 لأنها العبادة الوحيدة التي جعلها الله تعالى له وحده ..

 وهو وحده الذي يجزي بها ..

 فكم احتاجت نفسي للغربة ليدخل النور ويرسل الحياة إلى القلب ..

 وكم احتاجت نفسي لسماع القرآن من لسان عبد الجبار في أولى أيام

 رمضان لتتوق شوقاً إلى القراءة والتلاوة ..

 ولازلت أوقن ..

 أنه في المحنة والموت سر الحياة ..

 وفي الرفاهية والحياة سر الموت ..

 ويبقى للحديث بقية .. 

محمود رشاد نجم

طالب في كلية الطب - جامعة جوتنجن - ألمانيا

29 سنة