حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 13/9/2006
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج " ترفيهاً " ولا مجرد " تسرية " للرسول مما أصابه من
أذى قومه.. كانت تثبيتاً له .. ولدعوته .. أراد الله أن يقول للرسول أنت الرسول
الحق ..
ورسالتك هي
الرسالة الحقة. وأخذت الدعوة شكلاً آخر.
كثف الرسول
مجهوده .. هنا وهناك وشهد العام العاشر من البعثة لقاءات الرسول مع القبائل
والعشائر في موسم الحج. 26 محاولة لإقناع الناس بالرسالة وكان الرفض هو الحصاد
النهائى لكل هذه المحاولات .. ومع هذا فقد مضى الرسول في طريقه .. لم تهن عزيمته
ولم يضعف حتى في المحاولة الأخيرة.
مع الداعية عمرو خالد .. نقف على ما دار في هذه اللقاءات .
قوم مسيلمة
يقول عمرو خالد:
بعد رحلة الإسراء والمعراج كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى قناعته بعدم
جدوى إقناع أهل مكة بالدخول في الإسلام خاصة بعد تكرار محاولات قتله، واشتداد
إيذاء قريش للصحابة فبدأ صلى الله عليه وسلم يبحث عن مكان آخر يهاجر إليه بعد فشل
رحلة الطائف.
في موسم الحج في
العام العاشر للبعثة التقى النبي صلى الله عليه وسلم بعدد كبير من وفود القبائل في
26 محاولة لعقد اتفاق مع هذه القبائل بالدخول في الإسلام وبسط حمايتها له، فيقابل
بأشكال شتى من ردود الأفعال..
لكن النبي وضع
نصب عينيه شعار: لا لليأس. وبعد 26 محاولة فاشلة لم ييأس وأصر على النجاح، فنجح في
آخر محاولة في اللحظة الأخيرة. أول قبيلة التقاها في بني حنيفة " قوم مسيلمة
الكذاب" ، فردوا عليه بأقبح الردود، لدرجة أن الرواة لا يقولون لنا ما قالوه للنبي.
فذهب إلى قبيلة بني كلب واتجه إلى أحد بطونها " بنو عبد الله "، فقال لهم، إن الله
قد أحسن اسم أبيكم فآمنوا به، فلم يقبلوا منه. وينتقل صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة
بني عامر بن صعصعة، فيعرض عليهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن فيخرج عليهم واحد من
هذه القبيلة هو سيدهم واسمه بحيرة بن فراس فيقول مشيراً لشخص بجواره على النبي صلى
الله عليه وسلم لو أخذت هذا الفتى لأكلت به العرب.
ويتجه إلى النبي
صلى الله عليه وسلم قائلاً: أرأيت إن بايعناك وأخذناك إلى بلادنا، وحميناك حتى تؤدي
رسالتك وأظهرك الله أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فيقول النبي: الملك لله يضعه حيث يشاء
. ويرفض تأسيس رسالته على معادلات خاطئة. فقال بحيرة بن فراس: أفنهدف بطوننا للعرب
حتى إذا أظهرك الله تركتنا والله لا يكون هذا أبدا.
امرأة بألف رجل
ينتقل إلى بطن
آخر من بني عامر بن صعصعة كبيرهم بجرة بن قيس. وكان بجرة غير موجود حينها، فالتقى
النبي صلى الله عليه وسلم شباب هؤلاء القوم وعرض عليهم الإسلام فاتفقوا معه
وتعاهدوا، وخلال حديثه معهم دخل بجرة بن قيس فسأل عن النبي: من هذا؟ قالوا: هذا
محمد بن عبد الله القرشي. فقال: ما لكم وله؟
فقالوا: يزعم
أنه رسول الله ويريد منّا المنع والحماية حتى يبلغ رسالة ربه. فقال بجرة: فماذا
قلتم له؟ فقالوا: قلنا على الرحب والسعة. قال: والله ما رأيت أحداً يرجع من "منى"
بشر مما سترجعون به أن أخذتم هذا الرجل. أفتطرده قريش وتؤونه أنتم؟ ستحاربكم قريش
ثم نظر بجرة إلى النبي ووجّه إليه كلاماً قاسياً.
قال بجرة للنبي:
قم يا فتى فالحق بقومك والله لولا أنك في رحالنا لضربت عنقك. فقام النبي حزيناً
وركب ناقته، فضرب بجرة الناقة في خاصرتها فهاجت وانتفضت حتى وقع النبي صلى الله
عليه وسلم من فوقها. فضحك بجرة بن قيس. ولم يدافع عن النبي وسط خيام بني عامر بن
صعصعة غير امرأة اسمها ضباعة بنت عامر، وهى مسلمة تعيش في مكة لكنها من بنى عامر،
وكانت في زيارة لقومها حين أتوا للحج، صرخت المرأة وقالت حين سقط النبي من فوق
ناقته: يا بني عامر ولا عامر لكم أيحدث ذلك لرسول الله في رحلانا ولا يحميه أحد؟
فقام ثلاثة من
بني عامر تأثراً بكلامها يدفعون بجرة بن قيس كى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم
وحدثت مشادة بين أتباع بجرة وهؤلاء الثلاثة . فنظر النبي إليهم وقال: اللهم بارك
لهؤلاء وانتقم من هؤلاء.
وأسلم الثلاثة
الذين دافعوا عن النبي وماتوا شهداء، ومات بجرة بن قيس شر ميتة ودفن في بئر من
الآبار هو وتابعاه. فتحققت دعوة النبي. وفشلت المحاولة الرابعة.
أكاذيب أبى لهب
وطوال هذه
المحاولات كان أبو لهب يمشي وراء النبي ويلاحقه ويقول لمن يقابلهم النبي: لا تصدقوه
أنا عمه وأدرى به. هذا مجنون. فيقولون: عمه أدرى به. كان كفار قريش يستخدمون موسم
الحج في الدعاية للأصنام وتقوية زعامتهم الدينية والكسب المادي في التجارة خلال
موسم الحج يجعله نقطة قوة له والدعوة للإسلام من خلاله.
في المحاولة
الخامسة قابل النبي صلى الله عليه وسلم بنى شيبان ممثلين في ثلاثة من كبار قادتهم
هم مغروق بن عامر وهانىء بن قبيسة والمثنى بن حارثة.
ويعيش بنو شيبان
في منطقة تقع بين بلاد العرب وبلاد الفرس. وبينهم وبين الفرس معاهدات، وكانت الفرس
في ذلك الوقت دولة عظمى. كان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم خلال اللقاء
باعتباره نسّابة العرب، وحين دخلا على بني شيبان يبدأ أبو بكر الحديث فيقول لهم:
كم عددكم؟ قالوا: يزيد على الألف مقاتل. فقال: كيف المنع فيكم ؟ قالوا علينا الجد
والبذل وعلى الله الفوز والنصر. فقال: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ قالوا إن أشد
ما نكون غضباً حين نلقى عدونا، وإننا نفضل الجياد على الأولاد. ونفضل السلاح على
اللقاح فنظر مغروق إلى النبي وقال: لعلك أخا قريش فرد أبو بكر : نعم أو بلغك أنه
رسول الله. ثم اتجه صوب النبي: فماذا تريد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أن
تأووني وتحموني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد تكالبت على أمر الله وإن الله
غني حميد. فقال مغروق: إلا تدعو يا أخا قريش؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" قل تعالوا
أتلو ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم
من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا
النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. فقال مغروق: إلام تدعو
أيضاً؟ فأكمل النبي الآيات:" ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن حتى يبلغ
أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو
كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون". "الأنعام".
أشرق وجه مغروق
وقال: وإلام تدعو أيضا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون".
يدعوهم إلى الأخلاق التي تتسق مع فطرة كل إنسان متحضر.
الخوف من الفرس
يسكت مغروق:
فقام هانىء بن قبيسة وقال: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ولكن لأن نترك ديننا ونتبعك
في جلسة واحدة ليس لها أول ولا آخر إنه لوهن في الرأي وإن الذلة في العجلة ولكن
ننظر و تننظر ونفكر وتفكر ونعود إليك فرفع المثنى بن حارثة يده وقال: يا أخا العرب
يا أخا قريش إني أرى ما تدعو إليه تكرهه الملوك وإني أرى أن الفرس إن سمعت بهذا
الكلام ستحاربه، وإننا نقع بين بلاد العرب وبلاد الفرس، فأما ما كان من بلاد العرب
فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول. وأما ما كان من جانب الفرس فذنب صاحبه غير مغفور
وعذره غير مقبول. فنستطيع أن نحميك من جانب العرب ولكن لا طاقة لنا بالفرس.
فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق ولكن لا بقوم بهذا الأمر إلا من
حاطه من جميع جوانبه. " ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة" أفتؤمنون ببعض
الكتاب. وبعد أن هم النبي بالمغادرة عاد إليهم مرة أخرى وقال لهم. أرأيتم إن أظهرني
الله وملكني أرض الفرس أتسبحون الله وتقدسونه؟ فنطقوا جميعاً في صوت واحد: اللهم لك
هذا. فمضى النبي وهو يقرأ الآية الكريمة :" ياآيها النبي إنا أرسلناك شاهداً
ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً".
دموع المثنى
أما عن المثنى
بن حارثة.. فبعد موت النبي أسلم، وبلغ أبو بكر الصديق خليفة رسول الله أن رجلاً
اسمه المثنى بن حارثة يقود جيشاً من بني شيبان لفتح بلاد الفرس. وكان أبو بكر
الصديق ينوي إرسال خالد بن الوليد بجيش لفتح بلاد الفرس، فقال من هذا الذي تأتينا
أخباره ولا نعرف نسبه؟ أرسلوه إلي.
فجاء المثنى بن
حارثة ووقف أمام أبو بكر الذي قال له: لو رآك رسول الله لفرح بك. فقال المثنى: أولا
تذكرني يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا . قال: أوتذكر لقاء النبي صلى الله عليه وسلم
مع بني شيبان يوم قلت له: وأما ما كان من جانب الفرس فذنب صاحبه غير مغفور. كنت
خائفاً يومها يا أبا بكر. أما اليوم بعد أن أسلمت فزال الخوف، ففرح به وقال له أبو
بكر مرة أخرى: والله لو رآك رسول الله لفرح بك. فبكى المثنى بن حارثة وقال: فاتتني
الصحبة يا أبا بكر والله لا أدري كيف ألقاه يوم القيامة. وقرأ المثنى بن حارثة
الآية الكريمة أمام أبي بكر
" لا يستوى منكم
من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " وبكى
المثنى. وهكذا فشلت أيضا المقابلة الخامسة.
www.amrkhaled.net