في
القرن التاسع الميلادي – قرن الزحف الاستعماري الغربي على عالم الإسلام – كان
الاستبداد الداخلي عوناً لهذا الاستعمار .. لا لخيانة النظم المستبدة
لاستقلال أوطانها , وإنما لأن استبدادها يشل طاقات الأمة عن مقاومة الاستعمار ..
فكانت الأوطان تسقط في يد الاستعمار بمجرد هزيمة الجيوش الوطنية أمام التفوق
العسكري الاستعماري .. ولذلك , شهد تاريخنا تصاعد واستمرار المقاومة الشعبية
وانتصارها في البلاد التي كانت قبضة " الدولة " فيها هشة – لضعف استبداد " الدولة "
فيها – كما حدث بمصر في مواجهة الحملة الفرنسية .. وفي أفغانستان في مواجهة الغزوة
الإنجليزية .. بينما تمت الهزيمة في البلاد التي كانت قبضة " الدولة " فيها قوية
مستبدة , بعد هزيمة الجيوش الوطنية في المواجهة مع الغزاة – كما حدث بمصر في ظل حكم
خلفاء محمد علي باشا [ 1184 – 1265هـ 1770 – 1849 ] و "الدولة " القوية – المستبدة
– على النمط القومي الأوربي ..
من هنا
.. ولأن الشورى والديمقراطية هي " العافية " التي تفجر طاقات الأمة , في مواجهة
التحديات الخارجية والداخلية على السواء ، كان لهذه الشورى والديمقراطية والنظام
الدستوري والنيابي مكان بارز وملحوظ في فكر مدرسة الجامعة الإسلامية , التي قادها
جمال الدين الأفغاني [ 1254 – 1314 هـ 1838 – 1897م ] .. وعن هذا المقصد من مقاصد
الإحياء والتجديد .. كتب الأفغاني فقال :
" إن من الخير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاء له من أن يكونوا أعداء يترقبون له
الفرص ! .. وإن إراداة الشعب غير المكروه , وغير المسلوبة حريته , قولاً وعملاً هي
قانون ذلك الشعب المتبع , والقانون الذي يجب على كل حاكم أن يكون خادماً له ,
أميناً على تنفيذه .. وعلى الحاكم أن يقسم لأمته على صون الدستور , وأن تتوجه الأمة
على هذا الأساس , فإن حنث بقسمه , خان الدستور , فإما أن يبقى رأسه بلا تاج , أو
تاجه بلا رأس !..
وخير
صفات الحاكم : ( القوة .. العدل ) , فلا خير بالضعيف العادل , كما أنه لا خير في
القوي الظالم .. وإن مصر لا تحيا , ولا يحيا الشرق بدولة وإمارته إلا إذا
أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً عادلاً , يحكمه بأهلها على غير طريق التفرد بالقوة
والسلطان ، لأن بالقوة المطلقة الاستبداد , ولا عدل إلا مع القوة المقيدة ..
وحكم
مصر بأهلها إنما أعني به : الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح .. والقوة
النيابية لأي أمة كانت , لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت من نفس الأمة
, وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوى أجنبية محركة لها , فاعلموا أن
حياة تلك القوى النيابية الموهومة الموقوفة على إرادة من أحدثها .. " .
هكذا
كان مكان الشورى .. وكانت مكانة الديمقراطية في فكر تيار الجامعة الإسلامية –
بالقرن التاسع عشر الميلادي .. لقد رأوا فيها شرط تحقق " العافية " و " المنعة "
التي تفجر طاقات الأمة في معركة النهوض الحضاري الإسلامي .. وفي معارك حماية هذا
النهوض من الاستعمار الذي يتربص بهذا النهوض ..
إن
الاستبداد الداخلي , والاستعمار الأجنبي , هما وجهان لعملة واحدة .. ولهذا رأينا
ونرى كيف أن الاستعمار إما صانع للاستبداد في بلادنا , أو حارس لهذا الاستبداد ..
فكلاهما عدو لشورى الأمة ولسيادة الديمقراطية الحقيقية في مجتمعاتها .