في
مواجهة النموذج التحديثي الغربي ، الذي وفد إلى بلادنا في القرن التاسع عشر وقفت
مدرسة الإحياء والتجديد الديني تدافع عن مرجعية الإسلام في مشروعنا النهضوي ، فكتب
جمال الدين الأفغاني تقول " إن الدين هو قوام الأمم ، وبه فلاحها ، وفيه سر سعادتها
، وعليه مدارها .. وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان .. وإنا معشر المسلمين ، إذا لم
يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا ، فلا خير لنا فيه ، ولا يمكن التخلص
من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق ، وإن ما نراه اليوم من حالة ظاهرة
حسنة " من حيث الرقي والأخذ بأسباب التمدن " هو عين التقهقر والانحطاط ؛ لأننا في
تمدنا هذا مقلدون للأمم الأوربية ، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب
والاستكانة لهم والرضا بسلطانهم علينا ، وبذلك تتحول صبغة الإسلام ، التي من شأنها
رفع راية السلطة والغلبة إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي ..
لقد
بدأ الخلل والهبوط – في حال الأمة – من طرح أصول الدين ، ونبذها ظهرياً .. والعلاج
إنما يكون برجوع الأمة إلى قواعد دينها ، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته ..
ولا سبيل لليأس والقنوط ، فإن الدين متأصل في النفوس ، والقلوب مطمئنة إليه ، وفي
زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري
نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت .. فإذا قاموا ، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب
أعينهم ، فلا يعجزهم أن يبلغوا منتهى الكمال الإنساني . ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة
سوى هذه ، فقد ركب بها شططاً ، ولن يزيدها إلا نحساً ، ولن يكسبها إلا تعساً " .
وفي
ذات المعنى – معنى أن الإسلام هو الحل ، وهو السبيل الوحيد للإصلاح يقول الإمام
محمد عبده : " إن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يتغذى من
عناصر الأرض ، ويتنفس بهوائها ، وإلا ماتت البذرة ، بدون عيب على طبقة الأرض
وجودتها ، ولا على البذرة وصحتها ، وإنما العيب على الباذر ، ولقد أشربت أنفس الأمة
الانقياد إلى الدين ، حتى صار طبعاً فيها ، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين
فقد بذر بذراً غير صالح للتربة التي أودعها فيها ، فلا ينبت ويضيع تعبه ، ويخفق
سعيه ، وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية – من عهد
محمد علي إلى اليوم – فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فساداً – وإن قيل أن لهم
شيئاً من المعلومات – فما لم تكن معارفهم العامة وآدابهم مبنية على أصول دينهم فلا
أثر لها في نفوسهم .
إن
سبيل الدين ، لمريد الإصلاح في المسلمين ، سبيل لا مندوحة عنها ، فإن إتيانهم من
طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين ، يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من
مواده شئ ، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحداً ، وإذا كان الدين كافلاً بتهذيب
الأخلاق ، وصلاح الأعمال ، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من
الثقة فيه بما ليس لهم من غيره ، وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من
إحداث ما لا إلمام به فلِمَ العدول عنه إلى غيره " ؟!
تلك هي
نصوص الأفغاني ومحمد عبده الداعية إلى الحل الإسلامي ، وطريق النهوض بالإسلام
وتجديد دين الإسلام لتتجدد به – لا بغيره – دنيا المسلمين .