سألني
سائل ، فقال – تُرى من هو أول قائل " إن الإسلام هو الحل " ؟
فقلت
له : إذا أردت البعد التاريخي لهذه القضية ، فإن الوحي الإلهي والبلاغ القرآني ، هو
الذي جاء ليقول للناس : إن الإسلام هو السبيل .. والصراط المستقيم .. وطرق السعادة
للفرد والأمة .. ومنهاج العمران للنفس وللواقع ، في هذه الدنيا وفي يوم الدين ..
فكل آيات البلاغ القرآني ، وجميع أحاديث البيان النبوي لهذا البلاغ القرآني ، تعلن
أن الإسلام وهَدْيه ونموذجه الحضاري هو السبيل والطريق والنموذج – أي الحل – وليست
حلول ونماذج الشرك والوثنية ، ولا التحريفات التي انتهت إليها شرائع ذلك التاريخ
...
وفي
المجتمعات الإسلامية ، منذ عصر البعثة وحتى الاحتكاك الحضاري بين المسلمين والغرب -
قبل قرنين من الزمان – لم تكن هناك حاجة ، عند المذاهب والدعوات الإصلاحية
والتجديدية لرفع شعار " الإسلام هو الحل " لأن المرجعية الوحيدة لكل أصحاب المذاهب
والدعوات ، يقفون جميعاً على الأرض المشتركة لثوابتها – في العقيدة .. والشريعة ..
ومنظومة القيم – ويختلفون في الاجتهاد للفروع والمتغيرات .. فلم يجد مذهب من
المذاهب ولا فرقة من الفرق ولا دعوة من الدعوات ولا دولة من الدول نفسه في حاجة إلى
تمييز منهجه ، و " الحل " الذي يقدمه بصفة " الإسلامي " وذلك فضلاً عن أن يرفع شعار
: " الإسلام هو الحل " .
فلما
جاءت المرجعية الحضارية الغربية – وهي وضعية علمانية ، لا تعتمد الدين في مكوناتها
الحضارية – إلى بلادنا ، في ركاب الغزوة الاستعمارية الأوربية الحديثة ؛ أخذت هذه "
المرجعية اللادينية " تزاحم وتنافس " مرجعيتنا الإسلامية " في عقول النخبة ، وفي
مشاريع التجديد والتحديث ، فاحتاج أصحاب التوجه الإسلامي ، المنطلقون من المرجعية
الإسلامية إلى تمييز مذاهبهم في الإصلاح ودعواتهم في التجديد بوصف " الإسلامي "
معلنين أن " الإسلام هو الحل " وليس " النموذج الغربي الوافد " .. ولأن رفاعة
الطهطاوي [ 1216 – 1290 هـ 1801 – 1873 م ] كان أول عين للشرق الإسلامي على الغرب
العلماني ، فلعله كان أول من أعلن أن الحل هو الإسلام ، وليس النموذج الوضعي الغربي
اللاديني .. فلقد ميز الطهطاوي في الفكر الغربي بين علوم تمدن الواقع المادي ، التي
سماها " علوم التمدن المدني " ،والتي هي " مشترك إنساني عام " فدعا إلى التتلمذ
فيها على " التقدم الغربي " .. بينما رفض الفلسفة الوضعية اللادينية الغربية : لأن
" لأهل باريس – كما قال – في الفلسفة حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية ..
وأكثر أهل هذه المدينة إنما له من دين النصرانية هذا الاسم فقط ، حيث لا يتبع دينه
، ولا غيرة له عليه ، بل هو من الفرق المحسٌنة والمقبحة بالعقل وحده . أو فرقة من
الإباحيين الذين يقولون : إن كل عمل يأذن فيه العقل الصواب ، بينما المرجعية والحل
الإسلامي يزاوج بين العقل والشرع " وليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه
إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه " ومنذ ذلك التاريخ تعددت المرجعيات وتعددت "
الحلول " وبدأ تمييز الحل الإيماني بكلمة الإسلام .