حوارات عمرو خالد "
لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام
الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 26/7/2006
و لا يتغير الحال
كثيراً ..... إيذاء .. و مفاوضات .. و مساومات ..
والرسول و صحابته ..
و المسلمون الأوائل قابضون على دينهم كالقابضين على الجمر .. و يعلنها صلى الله
عليه وسلم صريحة مدوية (ما جئتكم لأخذ أموالكم .. ولا لأكون ملكاً .. أو رئيساً ) و
لكني رسول من رب العالمين ..
فإن قبلتم ما جئتكم
به .. فهو حظكم من الدنيا و الآخرة و إن أبيتم أصبر لحكم الله حتى يحكم الله بيني
وبينكم .
يقول
الداعية عمرو خالد في سرده لوقائع تلك الأحداث في حياة النبي (صلى الله عليه و سلم
) و المسلمين :
- الحق موجود , و
أدب الحوار موجود و التدريب موجود , و الإيمان الشديد و الإصرار و التحدي موجود في
حديث النبي ( صلى الله عليه و سلم )إلى زعماء قريش . لم تنفع الإغراءات معه فقالوا
له : يا محمد أأنت خير أم
أبيك ؟ أأنت خير أم عبد المطلب ؟... يريدون إجابة
توقع بينه وبين أبي طالب .. فإن كنت تزعم أن أباك و جدك خير منك فلم تركت آلهتهم ؟
و إن كنت تزعم أنك خير منهم فأخبرنا حتى نقول للناس .
فلم يرد النبي عليهم و
انصرف .
و يمضي النبي عنهم و هو
يقرأ سورة ( فصلت ) لقد نجح في التصدي لإيذاء قريش , و نجح في المفاوضات , و بقيت
المساومات , ساوموه أن يعبدوا إلهه يوماً و يعبد آلهتهم يوماً .
[ قل يا
أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ]
...و نلاحظ هنا أن النبي صار هو القوي و هم الضعفاء
الذين يسعون إليه بكل السبل , لكن الفكرة القوية تبقى و تنتصر و لا أحد يستطيع أن
يقهرها .
ثم عرضوا على النبي أن
يطرد الصحابة الفقراء , و يستبدلهم بهم , فيقيمون معه ويؤمنون به .. فتنزل الآية
الكريمة
[ و لولا
أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ]
, ثم تنزل الآية
الكريمة:[و
لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ]
يا ناس يا محدودي الدخل
يا فقراء افرحوا , إن هذا الدين فيه هذه الآية . و يرفض النبي (صلى الله عليه و سلم
) عرضهم المثير , فإما أن يدخلوا هذا الدين على ما هو عليه , أو فليذهبوا , فالحق
لا يحتاج الباطل ليدعمه .. هل كان عليه أن يطرد بلالاً و عماراً من صحبته ليستبدلهم
بسادة قريش و وجهائها ؟ .. هذا دين مساواة و حرية فليأتوا و يجلسوا معهم إن أرادوا
.
فلا تهميش في هذا الدين
للبسطاء.... فيلجأ سادة قريش لتعجيزه :
لن نؤمن بإلهك حتى يفجر
لنا صحراء الجزيرة العربية أنهاراً مثل أنهار الشام و العراق , أو يبعث إلينا أحد
أجدادنا الذين ماتوا مثل قصي بن كلاب , ليقول لنا إنك صادق , أو تأتي لنا بملك من
السماء ليخبرنا بأنك صادق .
فيرد النبي عليهم :
ما أنا بالذي
يسأل ربه ذلك ... لماذا رفض النبي مطالبهم التعجيزية , رغم أن عيسى عليه السلام
سبقه بطلب مائدة من السماء ؟ فأتى بها إليهم ليؤمنوا , و سبقه صالح عليه السلام
الذي طلب منه قومه ناقة فأتى بها إليهم ليؤمنوا ؟
لكن محمداً رفض مطالبهم
, لأن دين آخر الزمان لا ينتصر بالمعجزات الخارقة .المعجزات التي و قعت في هذا
الدين
كانت للتثبيت و ليس
لتغيير الأحداث .المؤمنون هم المعجزة الخارقة التي ستغير كل شئ , إصلاح الأرض
مسئولية من آمنوا . و تنزل الآيات في سورة الإسراء تؤكد كلام النبي :
[و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل و عنب
فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله و
الملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل
علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ]و
آية أخرى تقول :
[ و
قالوا لولا أنزل عليه أية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو
لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب... ]
كان النبي يرفض كل عروضهم لأنه لا يستطيع أن يتنازل عن الثوابت . ثم يقدم النبي
عرضاً وسط هذه المفاوضات : ( لو دعتني قريش لحزب الفضول لأجبت ) و هذا الحلف كانت
قريش قد أقامته لنصرة المظلومين.
نحن لا نرفض أن تكون
هناك منطقة عمل مشتركة بيننا و بين الغرب رغم خلافاتنا معهم , يكون فيها خير
لأبنائنا مع الاحتفاظ بحقنا , لابد أن نتعايش . و هكذا فشلت المفاوضات , فعادت قريش
إلى الإيذاء مرة أخرى و بصورة أشد , فكانت الهجرة الأولى في الإسلام إلى الحبشة .
إيذاء النساء و الشباب
ركزت قريش إيذاءها على
السيدات المؤمنات لأنهم اكتشفوا أن دور السيدات خطير جداً في نشر الرسالة . مثلاً
السبب في إسلام عمر كان فاطمة بن الخطاب و السبب في إسلام حمزة جاريته . والذي وقف
إلى جوار النبي منذ نزول جبريل امرأة هي السيدة خديجة . وسمية هي التي ثبتت و أغاظت
أبا جهل حتى قتلها . و قد ركزت قريش على النساء الضعيفات , مثل زميله و النهدية
التي ظل أبو جهل يضربها حتى فقدت بصرها ثم عاد إليها البصر مرة أخرى بعد ذلك . كما
تحمل الشباب صغير السن جزءاً من إيذاء قريش , مثل مصعب بن عمير الذي كان يمشي في
دروب مكة فيعرف الناس أنه مر و خلف وراءه عطره المميز , و كانت ثيابه كلها يشتريها
من الشام أو اليمن .
لكن هذا الشاب المرفه
حبسته أمه و آذته مدة ثلاث سنوات , كان لا يلتقي فيها بالنبي لكن إيمانه كان ثابتاً
و قوياً .
المدهش أنه ظل باراً
بإمه رغم إيذائها له ... كذلك آذت قريش طلحة بن عبيد الله و كان عمره 15 عاماً , و
كانت أمه تأتي بالعبيد ليقيدوه بالحبال ثم تمشي به في الأسواق و هي تضربه و تسبه
.
وحدث أن سأل رجل شاهد
ما يحدث لطلحة :من هذا ؟قال طلحة بن عبيد الله قال : و من هذه ؟ قال أمه ,قال : و
لم تفعل به هكذا ؟ قال : ترك دينها إلى دين آخر قال : و لم لا يرد عليها ؟ قال :
أمره دينه بذلك .
و عمران بن حصين كان
يجلس مع النبي و قد أخفى إسلامه عن أبيه , فإذا بطرقات على باب دار الأرقم , و إذا
بأبيه هو الطارق فأخفاه الصحابة عن عيون أبيه , الذي جاء لينطق بالشهادة أمام النبي
و لم يأت بحثاً عن ابنه , فقفز عمران بن حصين من خلف الصحابة باتجاه أبيه ليعانقه و
بكى , فبكى كل من بالدار .
فيا شباب هذا الزمان
لا تكونوا قساة على آبائكم , حذار من القسوة على الآباء و الأمهات ,لأن الله رحيم ,
ربما كانت دمعة أم تغضب الله أكثر من ذنوب سنة ,و ربما كان احمرار وجه أب نتيجة
غضبه من تصرف ابنه , أو لأنه حاول الاتصال بابنه عشر مرات و هو لا يرد على المحمول
, يوضع هذا الاحمرار في كفة السيئات للابن فيكون أسوأ من ذنوب سنة .
لا تقل أن أباك ينرفزك
, من أنت و من هو ؟
ذات مرة كت أمشي مع
صديق لي أستاذ بإحدى الجامعات البريطانية في شوارع لندن , و كان والد هذا الأستاذ
معنا , كنا وسط شارع شهير بارتياد العرب له (اكسفورد ستريت ) و فجأة لمح الأستاذ
رباط حذاء والده قد فك , فصاح بوالده : انتظر يا أبي , و انحنى أمام الناس جميعاً
ليربط حذاء أبيه , ففرت الدموع من عين أبيه و هو يدعو له .
صلّ مثلما تريد و كن
عاقاً لوالديك لن تنفعك صلاتك .
يقول الله تبارك و
تعالى في حديث قدسي : "ثلاثة
لا ينظر الله إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم
" . أولهم العاق
لوالديه .
زاد إيذاء قريش
للمسلمين , ووسط هذا الإيذاء يتسلل ثلاثة من كبار قريش : أبو سفيان و أبو جهل و
الأخنس بن شريق إلى بيت النبي دون أن يتفقوا – لينصتوا إلى آيات الله التي يتلوها
النبي خلال صلاته في قيام الليل .
و هذا يدل على أن
الموضوع مصالح شخصية و ليس إيماناً و كفراً . و عندما ينتهي النبي (صلى الله عليه و
سلم )من صلواته عند الفجر ينهض المتنصتون في الظلام فيصطدمون ببعضهم البعض ,
ليشهدهم الله على أنفسهم يوم القيامة , و يتكرر المشهد يومياً .
[ أفلا
يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ]
عمر بن الخطاب استمع إلى آية فسقط و حملوه إلى بيته شهراً يرقد في الفراش و هم لا
يعرفون علته , لقد استمع إلى آية تقول :
[ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ]
.. كان النبي عندما يصلي يسمعون منه أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء .
[
و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ]
من يقرأ القرآن سوف يفهمه . و صل الإيذاء درجة أن الصحابي لا يستطيع أن يصلب عوده
بعد ضربه , ولا يستطيع أن يزحف أو يحبو . و يذهب عمار بن ياسر إلى النبي في خجل
ليقول له إنه نطق كفراً أثناء تعذيبه الرهيب فيقول له النبي : فكيف تجد قلبك ؟ قال
: يا رسول الله مطمئن بالإيمان , قال : إن عادوا فعد .
ثم فكّر النبي في حل
الهجرة , و العربي متعلق بأرضه لا يغادرها أبداً دون عودة . و كانت أول مرة في
تاريخ العرب تهاجر مجموعة منهم إلى خارج بلادهم , فيعبرون البحر إلى قارة أخرى حيث
الحبشة . قال لهم النبي (صلى الله عليه و سلم ) لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنها أرض
صدق و أن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد , حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه .
* كيف عرف النبي أن ملك
الحبشة لا يُظلم عنده أحد ؟
من المؤكد انه درس
المنطقة و خبرها جيدا , درس السياسة و التاريخ و الجغرافيا , و كانت الحبشة مسيحية
الديانة .
يقول الله تبارك و
تعالى : "
و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده
إليك "
www.amrkhaled.net