مقدمة الكتاب .. ج2 د.محمد عمارة



وأمام هذه التحديات الشرسة .. تجد الأمة نفسها ، ليس أمام تاريخ جديد .. ولا أمام تاريخ يعيد نفسه .. وإنما أمام " مفصل " متميز من مفاصل التاريخ الذي صنعته أمتنا في مواجهة التحديات....

وإن كان فقه الواقع هو الطريق لاكتشاف القوانين التي تحكم حركة هذا الواقع للسيطرة عليها ، وتوجيهها في الاتجاه الذي يقود إلى التقدم والنهوض ... فإن التحديات الشرسة التي تواجه أمتنا هذه الأيام قد أصبحت جزءاً من هذا الواقع الذي لابد من فقهه ، والوعي بقوانين التعامل معه .. وتلك هي المهمة التي تحاول النهوض بها الدراسات والخلاصات والعصارات الفكرية المكثفة التي تحملها – إلى القارئ – صفحات هذا الكتاب ...

 إنها ثمرة لسنوات من التفكر والتدبر والمعالجة لمشكلات وتحديات :

- التخلف الذاتي الموروث ، والأمراض الحضارية المنحدرة من عصور تراجعنا الحضاري .

- والهيمنة الغربية ، التي بلغت – في طورها الأمريكي – حد الجنون ، ودرجة الحلم بالمستحيل ، فجمعت بين احتلال الاستعمار القديم ، وهيمنة الاستعمار الجديد والسعي لمسخ ثوابت العقائد والقيم والأخلاق ..

- والغزو الفكري والاستلاب الحضاري ، الذي يريد للأمة التي أرادها الله ﴿ خير أمة أخرجت للناس مةأمة [ آل عمران : 110 ] – يريد لها هذا الاستلاب الحضاري أن تقنع وتقبع في مكان التبعية والتقليد والذوبان !.. 

                                                  *               *                 *

وإذا كان المشروع الفكري الذي توفرنا على بنائه – عبر ما يقرب من نصف قرن – قد قاربت عناوين كتبه وكتيباته المائة والسبعين كتاباً .. فإننا لا نبالغ إذا قلنا ، إن هذا الكتاب الذي نقدمه بين يديه ، إنما يقدم " الخلاصات – والعصارات " لهذا المشروع الفكري الكبير .

إنه " مفتاح الباحث المجتهد والطموح إلى الميادين العديدة والكبيرة لهذا المشروع الفكري .

وهو " الخلاصة " التي يمكن أن يقف عندها القارئ المقتصد .. فهو بلغة فيلسوفنا أبي الوليد بن رشد [ 520 – 595 هـ - 1126 – 1198 م ] : " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " .. إزاء مشروعنا الفكري الكبير ..

وفوق كل ذلك وقبله : هو مفتاح الوعي بالتحديات المعاصرة ، التي تواجه نهوض الأمة الإسلامية في هذا " المفصل " المتميز من مفاصل التاريخ ..

والله نسأل أن ينفع به ، وأن يجعل صفحاته كتائب وعي وفقه بالواقع الإسلامي المعاصر لتغيير هذا الواقع ، حتى تقلع المة نحو دورة جديدة من دورات التقدم والصعود والنهوض .. إنه – سبحانه وتعالى – خير مسئول وأكرم مجيب .

القاهرة في : جمادي الاولى سنة 1425 هـ

                   يوليو سنة 2004 م   

دكتور / محمد عمارة