مقدمة لسلسلة مقالات للدكتور محمد عمارة من كتابه (الإسلام والتحديات المعاصرة)
الجزء الثاني
إذن، فمخالفة الفعل
للقول.. وتناقض الممارسات مع الأفكار، هو نوع صريح من الخيانة للمقولات والأفكار.
فهذه الخيانة تتصاعد مخاطرها وتتزايد أوزارها عندما تكون خيانة للوحي الإلهي ونبأ
السماء العظيم وصحيح السنة النبوية الشريفة التي جاءت بيانا لهدى القرآن الكريم..
ولهذه الحقيقة، كان
إلحاح القرآن الكريم على أن تتسق أقوال المؤمن مع ما يأتي به من أفعال وعلى أن يضع
المؤمن الأقوال والمبادئ والأفكار في الممارسة والتطبيق (يا أيها الذين أمنوا لما
تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) – الصف: 2،3..
وعلى سورة القرآن
الكريم وآياته يقترن الإيمان – الذي هو تصديق قلبي – بالعمل – الذي هو ممارسة تجسد
هذا الإيمان في الواقع والتطبيق..
ولأن السنة النبوية
هي البيان النبوي للبلاغ القرآني، كانت المساحة الأكبر من هذه السنة هي "السنة
العملية" التي مثلت التطبيق النبوي للإسلام في ميادين العبادات والمعاملات
والأخلاق.. بل إن هذه "السنة العملية"، التي مارسها رسول الله – صلى الله عليه وسلم
- وصحابته – رضوان الله عليهم – والتابعون وتابعوا التي بعين – وأجيال الأمة من
بعدهم على مر التاريخ – هذه "السنة العملية" هي التي حازت – وحدها – مرتبة
"التواتر"، وأعلى درجات الصدق والموثوقية بين المأثورات والمرويات.. ومن هنا كان
تقديم الإمام مالك (93-179هـ، 71-795م) – رضي الله عنه – ""عمل أهل المدينة" – الذي
هو "سنة عملية" – على مأثورات ومرويات الأقوال والأفكار..
وإذا كانت القدوة
الأولى والأسوة الأعظم والنموذج الأمثل للمسلم هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
فإن سيرة هذا الرسول الكريم قد كانت هي التجسيد الحي والعملي لكل عقائد الإسلام
ومبادئه وأركانه وقيمة وواجباته وسننه ومستحباته.. كان صلى الله عليه وسلم، كما جاء
في الحديث الشريف "خلقه القرآن" – رواه مسلم – وفيه وبه تحولت الأفكار إلي أعمال..
والنظريات إلى تطبيقات.. والقيم إلى طبائع وسجايا وممارسات..
فإذا أردنا شرف
الاقتداء بسيد البشر، وإعادة النموذج الاجتماعي الذي أقامه هو وصحابته في صدر
الإسلام.. وإذا أردنا السعادة بصحبته يوم نلقى الله. فعلينا أن نحول المواعظ إلى
سلوك.. والفكر إلى أعمال.. والنظريات إلى ممارسات، لنكون على طريق الذين قال الله
لهم: "لقد كان لكم في رسول الله أسوه حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر
الله كثيرا" – الأحزاب: 21.. وحتى لا نكون ممن قال الله فيهم: (يا أيها الذين آمنوا
لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)..
وإذا كان الإسلام
هو الطاعة.. وإذا كانت الطاعة هي ثمرة من ثمرات المحبة.. فإن الاقتداء برسول الله –
صلى الله عليه وسلم - في تجسيد الإيمان والفكر بميدان العمل والتطبيق، هو السبيل
إلى الدخول في ظلال من يحبهم الله – سبحانه وتعالى – (قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) – آل عمران: 31..
لقد كتب كاتب غربي
– غير مسلم – بل ناقد للقرآن الإسلام – هو "كارليل" (1795 – 1881م) كتابة عن المائة
الذين رآهم أعظم عظماء الإنسانية، ووضع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أول هؤلاء
العظماء، لا لشيء إلا لأنه وجد محمدا – صلى الله علية وسلم – المتفرد بين هؤلاء
العظماء بتطبيق وتنفيذ وتجسيد الدعوة التي جاء بها في أرض الواقع والممارسات. ولقد
وقف الآخرون – وفيهم أنبياء ومرسلون – عند حدود "الدعوة" فلم يقيموا مدينة ولم
يصنعوا حضارة، ولم ينشئوا الدولة التي تحرس الأبناء وتنمية.. أما رسول الله – صلى
الله علية وسلم – فلقد تفرد بتحويل العقائد والأفكار إلى خلق وعمل وتطبيق وحياة..
وبذلك رسم للمعتذيين به طريق النهوض والتقدم والارتقاء: تحويل "الفكر الصحيح" إلى
"عمل صريح".