كيف واجه الرسول .. اتهامه بالجنون؟



حوارات عمرو خالد " لكل الناس " 

حوار أجراه ا. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 21/6/2006

 في فجر الإسلام .. كانت عظمة النبي تتجلى ..في إحدى صورها، في قوة احتماله .. في صبره على الإيذاء .. في دأبه الشديد على الاستمرار في الدعوة .

كانت"الحرب" فوق الاحتمال لكنه صلى الله عليه وسلم أدارها بحكمته وسماحته وعفوه، ويقينه بأنه على الحق.

فضرب أروع الأمثال في القدوة .. والعبقرية.

الداعية عمرو خالد يواصل تقديم السيرة النبوية في " على خطى الحبيب "، لنرى في هذه الحلقة ماذا فعل النبي حين خذله لأهله ولم يبايعوه، وبايعه صبي اسمه علي بن أبي طالب. 

الجهر بالدعوة

يقول عمرو خالد :

-  فاجأ علي بن أبي طالب أهله بأن رفع يده وقال للنبي: أنا أتبعك على ما جئت به وأسير معك في هذا الطريق، فضحك القوم وسخروا من الصبي. إلا أن النبي نهض من مكانه ومد يده وقال لعلي:

ضع يدك في يدي .. فسكتوا. ثم نهض علي وشد على يد النبي، فضرب النبي بيده على يد علي. بعد ذلك صعد النبي جبل الصفا، أشهر أماكن مكة. وقال :" يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني عدي" وتجمع سكان مكة تحت الجبل فقال لهم : أرأيتم إن أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشاً يريد أن يغيروا عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا له: ما جربنا عليك كذباً قط.

فيقول إني رسول الله إليكم وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فأصغى القوم وهم يتابعون قوة نظرات النبي. لكن واحداً رد على النبي، هو عمه" أبو لهب " قال : تباً لك سائر اليوم... ألهذا جمعتنا؟ ولم يرد الرسول صلي الله عليه وسلم على عمه. وينزل النبي صلي الله عليه وسلم. من الجبل. وينزل عليه الوحي :

" تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب" فأبو لهب هو أغنى رجال العائلة، وهو يتصرف خوفاً على مصالحه. 

البداية بالتبشير

لماذا ذكر القرآن أبا لهب ولم يذكر أبا جهل؟

لأن أبا لهب أول من جرّأ المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم، قريش كانت على الحياد حتى هذه اللحظة، إلى أن قال أبو لهب قولته فجرّأ قريشاً على النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".

ويبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته بقوة. يقول لهم : "قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا. قولوا لا إله إلا الله تدخلون الجنة، قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم". كلماته صلى الله عليه وسلم. كانت كلها تبشيراً وليست تحذيراً.وخرجت قريش عن حيادها، تبدأ في إيذاء المسلمين. كان عدد المؤمنين مائتي شخص، بينما تعداد أهل قريش ما بين 25 ألفاً و30 ألف نسمة. وقد هز المائتا مسلم مجتمع قريش كله لأنهم مندمجون داخل المجتمع، ومتميزون خلقاً ونجاحاً عملياً. 

 الحرب النفسية

بدأت قريش في التشكيك بمحمد، ثم التشكيك في الرسالة. ثم بدأوا حرباً نفسية بالسخرية والاستهزاء والإيذاء النفسي للمسلمين، ثم لجأوا للإيذاء البدني، وبعد ذلك محاولة القتل.

في التشكيك قالوا عنه أنه ساحر ، وقالوا مجنوناً وقالوا كاهناً وقالوا شاعراً. ثم اتفقوا على  كلمة واحدة يواجهونه بها وهي أنه ساحر. و يجيئون بالوليد بن المغيرة، ويقول له: تعال لنتفق على كلمة نقولها لكل العرب.

فيسألهم : ماذا تقولون عنه؟

فيقولون : مجنون.

فيقول لهم: ما هو بساحر فنحن نعرف السحر وأساليب السحرة .

يقولون له: إنه شاعر

يقول لهم: ما هو بشاعر، وكلامه ليس شعرا.

قالوا له : إذا فماذا هو؟

قال: والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وأنه ليعلو ولا يعلى عليه.

فنظروا إليه وقالوا:

هل صدقت محمداً؟

قال: أبدا أيُرسل له وأُترك وأنا عظيم قريش؟

قولوا عليه ساحر، يفرق بين الرجل وزوجه وبين الرجل وأبيه وبين الرجل وابنه. 

 النبي يرفض الرد

وينزل القرآن للرد على الوليد بن المغيرة:

" ذرني ومن خلقت وحيداً. وجعلت له مالاً ممدواً. وبنين شهوداً. ومهدت له تمهيداً. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيداً. سأرهقه صعوداً. إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ......إلى نهاية الآية الكريمة... سأصليه سقر".

وحين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي ويدعو الناس، كان عمه أبو لهب يمشي  من ورائه ويقول للناس: لا تصدقوه فهو مجنون. إنه ابن أخي وأنا أعرف به.

ويقول الناس : دعوه فإن عمه أدرى به.

ويأتي رجل اسمه النضر بن الحارث ويقول لهم : أرسلوني إلي بلاد فارس لأتعلم قصصاً كالتي يرويها محمد. فيرسلوه إلى فارس في بعثة لمدة سنة، ويعود. وكلما روى النبي صلي الله عليه وسلم قصة، يقول لهم لا تسمعوا لمحمد واسمعوا لي، أنا أحكي أفضل منه. ويقول لهم: إن محمداً يروي أساطير الأولين وأنا أحكيها أفضل منه.

     واتهموا الرسول بأنه عميل لدولة أجنبية، كيف؟

    " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزورا وقالوا

     أساطيرالأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا".

     قالوا كل ذلك والنبي لا يرد. إنه يعمل ليل نهار. وفي الليل يقف بين يدي الله يصلي قيام الليل، وفي النهار

      دعوة  إلى الله  ويأخذ بأيدي الناس للإصلاح.

     وتقول له السيدة خديجة : هون عليك يا رسول أفلا تنام؟

    فيرد عليها قائلاً: مضى زمن النوم يا خديجة. ويشفق الله على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له:

   هون عليك يا محمد. " فلعلك باخع نفسك على آثارهم . إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا". وبرغم كل

   هذا الاضطهاد يزداد عدد المسلمين، فيصل إلي مائتي مسلم ومسلمة، لأن الحق أقوى من التشكيك والدعايات

   الكاذبة. فلو أن كل أهل الأرض أثاروا الغبار في الجو، هل يلوثون السماء؟

   سوف يعود الغبار المتناثر ليغطيهم هم ولن يلوثوا السماء وتبقى السماء ضاحكة تتلألأ. 

التشويش علي الرسالة بخرفات فارس

استمرت قريش في الحرب النفسية ضد الرسول بالتشكيك في كلامه، وقالوا: إن محمداً أتى بهذا الكلام من رجل في اليمامة اسمه " الرحمن" وإنا لا نؤمن بالرحمن أبداً. واعتمدت قريش على النضر بن الحارث ليشوش على محمد، وكلما قرأ محمد القرآن، قام النضر ليحكي خرافاته التي أتى بها من فارس، فيشوش على تركيز من يستمعون إلى النبي. ويفشل التشويش. وتبدأ قريش في السخرية والاستهزاء لهز النبي من الداخل.

واتفقت قريش أن النبي كلما مر في طريق يفرون أمامه ويقولون : هذا مجنون.

" وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون". وكانت القبائل حين تتجه وفودها إلى مكة للحج توصي وفودها: احذروا غلام قريش، لايفتنكم بجنونه. 

حكاية حمالة الحطب

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر وسط الوفود الآتية للحج، فيشيرون إليهم بأصابعهم: هذا هو المجنون .. كذلك كانت " أم جميل" زوجة أبي لهب تلقي بالشوك والقمامة أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم كلما رأته آتياً إلى بيته أو خارجاً منه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القمامة أمام باب بيته ويقول:

" يا معشر قريش أي جوار هذا؟" وهو يعلم أن أم جميل هي التي ألقتها. ولم يفكر في إهانة زوجة عمه أو عمه أبداً. وتستمر أم جميل في إشعال نار الفتنة في قريش ضد النبي  صلى الله عليه وسلم. وينزل القرآن الكريم ليقول: " وامرأته حمّالة الحطب في جيدها حبل من مسد". فتغضب لنزول هذه الآية عنها، فتخرج إلى وسط مكة وهي تصيح: " أين محمد؟ فقيل لها : هناك عند الكعبة مع صاحبه أبو بكر عند الكعبة وهي تمسك بحجارة في يديها وتصيح: أين محمد؟ فيقولون لها: هناك عند الكعبة مع أبي بكر. فتذهب لتقف أمام أبي بكر وتسأله: أين صاحبك؟ وهنا تحدث معجزة عدم رؤيتها للنبي الجالس إلى جوار أبي بكر. عمى الله بصرها حتي لا تُلقي بالحجر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يرد أبو بكر عليها. فتقول له بلغني أنه هجاني والله لو رأيته لأضربن بهذا الحجر وجهه. ثم تقول إن كان هو شاعراً فإني شاعرة وتخرج إلى قريش لتهجو النبي صلى الله عليه وسلم:

" مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا".. وتُعجب الأبيات الكفار، فيرددونها في مجالسهم ويرددها الأطفال في الشوارع. وتتفق قريش على تغير اسم محمد إلى مذمم. فيوجع الصحابة أن يسمعوا المشركين يقولون جاء مذمم: ذهب مذمم. فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم. دعوهم إنما يشتمون مذمماً وأنا محمد. 

ما عرفناك إلا حليما

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة يطوف حول البيت الحرام وكلما طاف أطلقوا النكات عليه ويضحكون سخرية منه ويتمايلون على بعضهم، وكان النبي يتجاهل ضحكاتهم كلما مر عليهم، وفي إحدى مرات الطواف توقف النبي فجأة واتجه إليهم وقال : أتعرفون يا معشر قريش إن لم تنتهوا لقد جئتكم بالذبح. فسكتوا خوفاً وقالوا: إمض بسلام يا أبا القاسم فما عرفناك إلا حليماً. وينزل قول الله تبارك وتعالي:

" إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين أمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون". ويتألم النبي صلى الله عليه وسلم فينزل القرآن ليقول له:

" قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون"، " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك ..."

وتقول آية كريمة أخرى: " ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم". ويستمر النبي في إصراره على رسالته.

 

www.amrkhaled.net