 إفعل شيئاً...
حوار أجراه لمجلة كل الناس بتاريخ 24/3/2004، و هذا هو نص الحوار:
عندما تبدأ بنفسك و تكون إجابياً بحق .. لا تكتفي بالشكوي بل تبني طوبة أو تصحح خطأ بنفسك دون أنتظار .
هذه مجرد خطوة مهمة في رأي الداعية عمرو خالد , في سبيل تغيير واقع الأزمة و الضعف الذي نعيشه .. خطوة يمكن إذا تزايد أنصارها , أن تحل الكثير من المشاكل و تحقق المزيد من الطموحات بدلاً من مطالبة الآخرين بالتحرك و حدهم.
الأيجابية .. هي كلمة السر في نجاح مشروع " صناع الحياة " الذي يتبناه عمرو خالد .. و هو يقدم لنا هذه المرة الأمثلة علي نجاح المبادرات الفردية في البناء اليوم و علي مر التاريخ الإسلامي أيضاً , و التي تستند في أساسها علي جوهر الإسلام و نصوص صريحة في القرآن الكريم و السنة الشريفة .
* 10 قيود
- سألته : كيف نستطيع فك القيود التي تمنعنا من النهضة ؟
هناك عشرة قيود تكبلنا عن النهوض أولها و أخطارها هو السلبية .. لهذا سنقول : لا .. للسلبية , و نتحدث عن الإيجابية .
و هناك معنيان لأن نكون إيجابين . أولهما : حين تري الغلط .. تصححه . ثانيهما : حين يتبادر لذهنك شئ صحيح لم يتحقق , أذهب و حققه دون أن تستأذن أحداً .
نحن نريد التركيز علي النوع الثاني من الإيجابية , و ليس علي : حين تري الخطأ اذهب و اشتكي للمسئولين . و الفرق كبير : فالخطأ الذي بيد المسئولين إصلاحه , نحن لا نملك مفاتيحه . فأنت تشكو للمسئولين ثم تفاجأ أن شيئاً لم يتم أصلاحه , وتصاب بالإحباط لأنك كنت إيجابياً و لم تستطع إصلاح الخطأ , لذلك نريد التركيز علي الإيجابية التي نملك مفاتيحها بأيدينا . عندها سوف ننجح . فالبناء أكثر تأثيراً من جميع محاولات الهدم .
* مسئولية الجميع
- أعطنا أمثلة لكيفية أن نكون إيجابيين ؟
القمامة التي أمام منزلك , لا تذهب للشكوي إلي المسئولين من وجودها , إنما قم أنت بإزالتها . و الحفرة التي تتعثر فيها في الشارع الذي تسكن فيه , لا تجلس لتلعن المسئولين الذين لا يردمونها , و قم بردمها أنت . الصنبور الذي يحتاج لإصلاح و تتساقط منه المياه ليل نهار , تعلم كيف تصلحه أو أذهب إلي السباك ليقوم بإصلاحه .
أجمع أبناء الجيران و أعطهم درساً خصوصياً في المادة التي تجيد تدريسها , أو علمهم الكمبيوتر أو لغة تتقنها . ساهم في نظافة المسجد الذي تصلي فيه بدلاً من الشكوي من رائحه الهواء غير المحببة .
الإيجابي شجاع لا يخجل من الناس و هو يؤدي دوراً لخدمة المجتمع .
من المسئول عن أرتفاع نسبة الأمية في بلادنا إلي 60% نحن جميعاً مسئولون عن ذلك لأننا لا نقوم بواجبنا في محو أمية المحيطين بنا .
ستات البيوت لماذا لا يفكرون في عمل مشروعات صغيرة لتشغيل الأرامل ؟ لماذا لا يتفقن علي عمل جمعية خيرية لرعاية الأيتام ؟ الإيجابية هي الإضافة . والإضافة دم جديد يَضخ في عروق الأمة .
* لا تقل وأنا مالي !
- هل يمكن أن نقوم بتعريف الإنسان الإيجابي ؟
الإيجابي هو إنسان فعال يتحرك . كل لحظه يضيف إلي مجتمعه , سواء كان ذلك في العائلة , أو مروراً بالمدرسة و الجامعة , ثم تقديم الإقتراحات البناءة في مجال العمل التي تطور الأداء و الإنتاج .
الإيجابي هو الشخص الذي لا يعرف عبارة : وأنا مالي ! أو : لا أعرف . أو : ما أقدرش . أو : هو أنا اللي هغير الكون ؟!
الكون لا يتغير إلا بسواعد الناس رجالاً و نساءً .. لا تخجل وأنت تعمل , فالخجل نوع من الضعف . الإيجابية أن تبني في صمت دون أن توجه لوماً لأحد . فليس عندك الوقت لتوجيه اللوم , أنت مشغول بالعمل والبناء بكل طاقتك .
* الدليل في سورة النحل
- ما الفرق بين الإنسان الإيجابي و الإنسان السلبي ؟
هو الفرق بين الصفر و الواحد الصحيح , و الفرق بين الليل و النهار . و الفرق بين الجماد و الكائن الحي . كالفرق بين الوجود و العدم . السلبي هو العدم . و هناك آيه في القرآن تتحدث عن الفرق بين الإيجابي والسلبي . قال تبارك و تعالي في سورة النحل – آية 76 : " وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر علي شئ وهو كل علي مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو علي صراط مستقيم " . و " الكل " بفتح الكاف عبء علي المجتمع وأهله . مثل السلبي عند الله أنه أبكم , و مثل الغافل أنه أعمي .
" قال رب لم حشرتني أعمي و قد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسي " . هل تستوي دول " كلة " و دول تصنع الحضارة ؟ هل يستوي المسلمون الأن بالمسلمين الذين بنوا الحضارة للعالم ؟
نحن لن نرضي أن نكون من الأمم " الكلة " لكننا سنكون ممن يأمرو بالعدل حتي لا نلقي الله يوم القيامة بَكماً.
* الصفا والمروة نموذج للإيجابية
لدينا سورة أخري من القرآن نقرأها كل يوم جمعه لنكون إيجابيين .. و هي سورة الكهف : " إن الذين آمنوا و عملوا الصالجات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً " .
ويقول سبحانه وتعالي عن سيدنا موسي والخضر – عليهما السلام - : " فانطلقا حتي إذا ركبا في السفينه خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً " .
"فانطلقا حتي إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً ".
" فانطلقا حتي إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجد فيها جداراً " .
ثم يتحدث عن ذي القرنين فيقول :" حتي إذا بلغ مغرب الشمس " . و " حتي إذا بلغ مطلع الشمس " , و " حتي إذا بلغ بين السدين " . السورة فيها أربع قصص كلها حركة . السورة أتت بكل مستويات الدعوة و كل مستويات الإيجابية :
في البداية تجد شباباً يدعون الملك " أهل الكهف "، ثم واحداً يدعو صاحبه " أصحاب الجنتين " , ثم معلم يدعو تلميذه " الخضر و موسي " , ثم قائد يعلم رعيته .
كل مستويات الإيجابيه موجوده في السورة , و لهذا نقرأها كل يوم جمعه . يوم الأجازة لننطلق في بداية الأسبوع الجديد بإيجابية جديدة .
أضف إلي ذلك أن العبادات في الإسلام , كلها تدعوك أن تكون إيجابياً : كالسعي بين الصفا و المروة , الذي نقلد فيه السيدة هاجر , التي كان يمكن أن تجلس إلي جوار إسماعيل لتبكي . فالأرض من حولها صحراء قاحله .
لكنها سعت . و الله سبحانه و تعالي أطلق علي حركتها بين الصفا و المروة كلمة " السعي " فهي قد سعت مرات . و تعبت في سعيها .
سلمان الفارسي مثلاً . عرف المسلمون أن عشرة آلاف كافر سوف يغيرون علي المدينة , فيذهب سلمان إلي رسول الله صلي الله عليه و سلم و يقول له : يا رسول الله عندي فكرة .أقترح حفر خندق حول المدينة . ونفذ المسلمون فكرة سلمان الفارسي الذي أنقذهم بها . و صار كل مسلم يتباهي بأن سلمان منه .
قال المهاجرون : سلمان منا .
وقال الأنصار : سلمان منا .
وقال النبي صلي الله عليه وسلم : لا منكم ولا منهم . سلمان منا أهل البيت .
كل ذلك بسبب موقف إيجابي وقفه سلمان .
* الإيجابي لا ييأس
مثل آخر : الحباب بن المنذر .. أثناء غزوة بدر , أوقف النبي صلي الله عليه و سلم الجيش .. المسلمون ثلاثمائة و الكفار ألفاً .. و قد أمر النبي صلي الله عليه وسلم جيش المسلمين بأن يقف مواجهاً لجيش االكفار , و جعل آبار المياه أمام جيش المسلمين . فجاء الحباب بن المنذر و هو جندي صغير عمره 19 سنة . وقال للنبي صلي الله عليه و سلم : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله , أم هي الحرب و الرأي و المكيده ؟
فقال النبي صلي الله عليه و سلم : بل هي الحرب و الرأي و المكيدة . قال : يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل .
قال : فما تري يا حباب ؟ قال : انزل منزلاً فنكون أمام الآبار , و نغور الآبار و نبقي بئراً نشرب منه و لا يشربون . فنمنع عنهم المياه و نكون أقوي علي الماء منهم . ونكون أقوي في الحرب منهم . فقال النبي صلي الله عليه و سلم : أشرت الرأي .
و أصبح الحباب بن المنذر الذي نحكي عنه بعد وفاته بـ 1400 سنة ,لمجرد موقف إيجابي واحد أخذه . و لن تجد له في السيرة إلا هذا الموقف . فأسأل نفسك : بم سوف تذكر بعد أن تموت ؟
كانت السيدة هاجر رمزاً للإيجابية . الإيجابي لا يشعر بالملل أو اليأس . الله سبحانه جعل في الكون مراكز , وجعل أشياء أخري تدور حول هذا المراكز . هذه المراكز هي أشياء قوية تتأثر بها باقي المخلوقات فتدور حولها . من الذرة إلي المجرة . فالذرة عبارة عن نواة أو بروتون حولها إلكترونات تدور . كذلك في المجرة شمس تدور ولها الكواكب . وأرض يدور حول قمر . وعلي الأرض أناس إيجابيون يدور حولهم أناس آخرون . يتأثرون بهم ويقلدونهم . نحن نريد من المسلم أن يكون مركزاً للبشر . نريده في كل لحظه من حياته إيجابياً . فلتكن شمساً للأخرين وسط الظلمة تجمع حولك الناس .
*قاهر الأفيال
- أعطنا نماذج إيجابية من الصحابة الذين ساهموا في مجد الإسلام و انتصاراته ؟
في يوم معركة القادسية , أتي الفرس معهم بأفيال لمواجهه المسلمين . فأحست خيل المسلين بالفزع من الأفيال وراحت تفر من المعركة . فبدأ المسلمون يتراجعون و الفرس يتقدمون . ماذا يفعل المسلمون إزاء هذه المفاجأه ؟
لو في عصرنا الحالي , سيضعون أيديهم علي خدودهم و ينتظرون تصرف الكبار في المشكلة أو تصرف المسئولين .
لكن جندياً من جنود المسلمين , لم يحفظ التاريخ أسمه , نحت فيلاً من الطين في الليل , و أخذ حصانه إليه ليتعود علي منظره , حتي ألف الحصان منظر الفيل , و في اليوم التالي دخل الحصان المعركة وأقتحم الأفيال , فكسر ساق الفيل الذي في المقدمه , فقال له زملاؤه : سوف تموت . فقال لهم : ماذا لو مَت ليحيا المسلمون ؟ و لم يمت , و إنما استمر في قتل الأفيال وقلده زملاؤه . و أنتصر المسلمون في القادسية .
*السلبي الجبان
مثل آخر .. واحد من الصحابة أسمه تميم الداري دعا له النبي صلي الله عليه وسلم قائلاً : " اللهم أسعده في الدنيا والأخرة " .
فقد لاحظ تميم أن مسجد الرسول يكون معتماً عند صلاة الفجر . فذهب وأتي بمصابيح وضعها في المسجد . فلما وأتي مصابيح وضعها فى المسجد . فلما خرج النبى صلى الله عليه وسلم من بيته لصلاة الفجر وجد المسجد مضيئاً . فقال : من فعل هذا ؟ فقالوا : لا ندري يا رسول الله . فقال النبي صلي الله عليه و سلم : من فعل هذا ؟ فقال : أنا يا رسول الله . فقال : يا تميم أسأل الله أن يسعدك في الدنيا و الآخرة . اللهم أسعده في الدنيا و الآخرة .
هذه الدعوة الجميله سببها أنه كان إيجابياً أدخل البسمه علي شفاه المسلمين.
من منا يفعل الأن ذلك . من منا يضئ المسجد الذي يصلي فيه أو يمده بالسجاد أو مبردات الماء , أو ينظفه ؟ بصراحة : الإيجابي شجاع والسلبي جبان ! فكوا القيود لننهض . يقول النبي صلي الله عليه و سلم : من أدخل السرور علي أهل بيت من المسلمين لم يكن له جزاء دون الجنة .
* محو أمية الكمبيوتر
- هذا عن الرجال فماذا عن إيجابية النساء ؟
سأعرض إيجابية زوجات النبي و زوجات الصحابه كم علمن من الرجال ؟
.. السيدة عائشه علمت 232 رجلاً و 67سيدة .
.. أم سلمة علمت 78 رجلاً و 23 سيدة .
.. السيدة حفصة ( لم تكن تقرأ و تكتب ) علمت 17 رجلاً و 3 سيدات .
.. أسماء بنت أبي بكر علمت 19 رجلاً و سيدتين .
.. رملة بنت أبي سفيان علمت 18 رجلاً و 3 سيدات .
- هل تعطنا نموذجاً معاصراً من صناع الحياة ؟
مهندس بترول مصري قرر المساهمه بإيجابية في محو أمية الكمبيوتر لدي الشباب من أبناء وطنه . فأنشأ مركز تدريب علي الكبيوتر للشباب , و بدأ مشروعه منذ عام بمشاركة عشرة من أصدقائه , و نجحوا في تعليم مائتي شاب خلال عام واحد مجاناً ودون أن يتكلف هؤلاء الشباب مليماً في دراسته , أجادوا الكمبيوتر وأصبح عدد كبير منهم معلمين في المركز لغيرهم من الشاب لوجه الله .
مهندس البترول المصري أحمد سامي حين علم احد رجال الأعمال الكويتين بمشروعه , أتصل به , وقرر تكليفه بالأشراف علي مشروع أكبر لتعليم الكمبيوتر في الوطن العربي و البلدان الإسلامية , يقوم رجل الأعمال الكويتي بتأسيسه والإنفاق عليه .
هذه لمحه إيجابية من حياتنا المعاصرة . | |
|