* متى سنعود بقلم أ/ مني إسماعيل



من هنا يبدأ الحوار

( متى سنعود )

عندما غادرت سوريا إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل دراسة زوجي كانت المفاهيم ما زالت مختلفة لدي و لم أكن قد وعيت بعد إلى أنني أغادر وطناً.

 لم أكن قد أدركت بعد أن قمة الترف و الدلال هو أن أستيقظ صباحاً على صوت آذان الفجر يخرج من مآذن بلادي .

 لم تكن للشوارع التي تربيت فيها معنى لدي   .. كنت معتادة عليها فقط .

 لم أكن أدرك أن نصائح أمي و أبي و ثرثرتي مع إخوتي و خصماتنا المنزلية  الصغيرة و جلساتي مع أقاربي و أصدقائي  ستكتب تاريخي و ستصبح غالية و عذبة و جميلة على قلبي إلى هذه الدرجة كلمة وطن لم تكن قد أخذت أبعادها عندي إلى أن غادرت هذا الوطن و أصبحت في قائمة المغتربين , و أدركت تماماً المرارة التي تخلفها كلمة الغربة في القلوب , فأنا  مهما عشت هنا سأبقى غريبة و ستبقى هذه البلاد لا تشبهني في شئ .

 أدركت.. كم أعشق أن أعود و أن أسير في شوارع بلادي المتواضعة و كم أفضّلها على شوارع أمريكا الضخمة التي قد تنبض بالحضارة و لكنها لا تنبض بالتاريخ و الحياة .

 أدركت أنني أستغني عن هذه البلاد و هي تنشر باراتها و نسائها العاريات في كل مكان و استبدله بحياء بلادي و جلسات نسائه المليئة بالعفة و الحنان .

أستغني عن الأموال التي ستهطل علينا هنا من كل مكان ( كما يعتقد الناس ) بعيشة راضية هنية بين أهلي و الناس الذين أحبهم و يحبوني .

و أذوب حزناًَ على عرب مسلمين خرجوا من أوطانهم بحثاًَ عن علم أو عمل ثم نسوا تلك الأوطان. أمضوا حياتهم و شبابهم يفيدون غيرهم  و ربوا أولادهم الذين أصبحوا يلدغون العربية و يتقنون اللغات الأخرى و لا يعرفون عن بلادهم إلا ذكريات آبائهم .

 سلام عليك يا بلادي .. مظلومة أنت و نحن من ظلمناك . هجرك كل من أتته الفرصة .. تركناك جميعاً قدمنا ادّعائاتنا بالحاجة و العمل و الظروف و لم نعد .

عمّرنا أرض غيرك و لم نفكر بمن سيعمّرك أنت . و كان كل همّنا على ماذا سنحصل منك لا ماذا سنقدم لك .

 عاهدنا الله زوجي و أنا أن نعود . أن ننهي سنين الدراسة و نعود لنقدم هذا العلم هدية متواضعة لبلادنا أمام أجمل أيام حياتنا التي عشناها في أحضانها .

                                                                    

                         بقلم :  مني إسماعيل 

                        الولايات المتحدة الأمريكية

                        شيكاغو