|
من هنا يبدأ الحوار
المتخصص
- صدقني لن يُرجع الحزن ما مضى.
أفقت عندها من التفكير وقلت في مرارة لنادل
القهوة:
- هذا هو الغالب، ولكنني في الحقيقة قد يئست من
كثرة ما صدمتني الحياة للحصول على عمل.
شرد النادل بتفكيره لحظة، ثم قال:

- آه من فرصة العمل، ولكن مادمت قد وصلت إلى هذه
الحال فليس أمامك سوى ... (المتخصص)!
نظرت إلى الركن الغربي من القهوة حيث أشار؛ لأجد
رجلاً وقورًا قد بَيَّض الشيب فوديه، ينظر بكبرياء وحِدة إلى الحضور، ولم أرَ بأسًا
من الكلام مع الغرباء، وبعد أن تم التعارف وطرح المشكلة، تكلم معي في لطف ومودة،
وتأكدت أنه من الظلم حقًا أن نتجنب الناس لأشكالهم، وأخذ الرجل في الحديث مؤكدًا
أنه لا شيء يستحق البكاء عليه؛ حتى قال:
- ولتعلم أن مصيبتك هينة؛ فمنذ ثلاثين عامًا كانت
أزمة البطالة كما هي الآن، ففكرت بالعمل في المقاولات، فاستأجرت شقة صغيرة جدًا بها
هاتف، وكافحت سنوات طويلة حقًا، حتى كبرت الشقة، وكثرت الهواتف، وأصبح لدّي موظفون،
وأصبحت أُدعى (المتخصص)، باختصار كان بانتظاري مستقبل باهر حتى ...... وقعت في ...
(الشبكة) ...
أنهى عندها كوب عصيره، فطلب أخرى، وأطرق صامتًا،
ليتركني أتحرق شوقًا حتى جاء النادل بالعصير، فقال:
- مجرد رجل أعمال لمع اسمه في أشهر قليلة، اختار
مكتبي من ضمن الكثيرين لبناء مدينة سكنية فاخرة، وبالطبع كانت سعادتي لا توصف لأنها
فرصتان إلى العالمية، الأولى هي التشهير بسمعة المكتب، والثانية هي الأرباح الطائلة
بعد أن استثمرت كل أموالي في هذا المشروع، وبالفعل بدأت كبرى الشركات في إمداده
بكل مواد ومعدات البناء اللازمة، دون أن يدفع شيئًا وذلك بضمان مجموعة شركاته،
وسمعة مكتبي ...
أنهى عندها كوبه الثاني، فطلب ثالثة، وبالطبع أطرق
مفكرًا ولم يتكلم حتى حرك لسانه عصير النادل، ثم قال:
- وكما يحدث في الأحلام، وبدون أية مقدمات، سافر
الرجل لإنهاء أعماله ... واختفى أثره من الوجود!!، لتكشف لنا التحريات أن اسمه كان
مزيفًا، وأن مجموعة الشركات كانت وهمية، وأن أوصافه تنطبق على زعيم شبكة نصب دولية،
والشيء الوحيد الحقيقي هو أنني خسرت كل أموالي ... وسمعتي ...
بلغتُ قمة التأثر مع آخر الكلمات، حتى أنني لم
ألُمه حينما استأذن وانصرف، وجلست بعدها واجمًا ومؤكدًا لنفسي أنه الآن يبكي دون أن
يراه أحد، وأنني أخطأت حينما نكأت جرحه بشدة، وأخطأت أيضًا حينما تركته ينصرف وهو
في هذه الحال.... أفقت عندها على صوت النادل يقول لي شيئًا، فنظرت إليه غير فاهم،
فكرر ما قاله في ابتسامة عريضة:
- الحساب عشرة جنيهات !!!
استبد بي الغضب، ثم قمت ........... ودفعت، والضيق
مسيطر على كل مشاعري، ولكن ما أن ابتعدت عن المكان، حتى انقلبتُ إلى عاصفة من الضحك
المتواصل، فقد أحسست أنني (سمكة) وقعت في (شبكة) (متخصص)، وكل هذا دار في خلدي
لأنني لمحت أن اسم هذا المكان هو .... قهوة (الصيّاد)
.....
بقلم :
أحمد فوزي سالم
ليسانس
كلية دار العلوم
26 سنة
مصري
|