|
من هنا يبدأ الحوار
عند أول فراق .. هل أنت إنسان آخر
تعلن
شركة الخطوط الجوية الألمانية
(
لوفت هانزا ) عن قيام رحلتها
رقم 261 والمتجهة
إلى فرانكفورت
..

على حضرات السادة الركاب التوجه إلى
صالة السفر رقم 2
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة من صباح يوم الخميس
الموافق 19
من شهر أغسطس لعام 1999
..
حيث اعتاد الطقس في تلك الفترة من الصيف
على أن يقسو
بعض الشئ
على سكان مصر عامة
..
ومدينة الإسكندرية بصفة خاصة
..
بل وفى
هذا اليوم
على أسرتي بالذات
..
الحرارة مرتفعة
..
النسمات قليلة
..
والجو مشحون بالمشاعر ..
ـ
مسافر فين يا محمود إن شاء الله
؟!
ـ ألمانيا بإذن الله
ـ واضح من التأشيرة أنك مسافر
دراسة
ـ بالضبط حضرتك
ـ وناوي تدرس إيه هناك
؟!!
ـ إن شاء الله طب بشرى
ـ بالتوفيق يا بنى
..
احتفظ بكعب تصريح السفر ده لغاية باب
الخروج من المطار ..
ربنا معاك
..
تسلمت جواز سفري من ضابط الجوازات بالمطار وهو يدعو لي
بالتوفيق
..
كان آخر شخص
دعا لي قبل أن أخرج من أرض المحروسة
..
وما هي إلا لحظات
حتى وجدت نفسي
أربط حزام الأمان داخل الطائرة
استعداداً للإقلاع من تراب مصر
إلى المستقبل
المجهول
!!!وأحسست
برأسي تدور
..
فالأحداث تتلاحق
..
ولم أعرف طعم النوم في ال24 ساعة
الأخيرة قبل
سفري
..
ـ لو سمحتي حضرتك
...
ممكن أسبرين ؟
عندي
صداع رهيب
ـ أكيد طبعاً
...
دقايق وحيكون عندك
وأسندت رأسي على النافذة
..
وأغمضت عيني قليلاً
..علّني
أستريح بعض الشئ
من هذا
الصداع
الدامي
والذي لم يتوقف طوال الأيام الماضية
..
كيف استطعت أن أترك أهلي
وإخوتي وأرحل ؟!!!
كيف استطعت أن أودع تراب مصر
..وبحر
الإسكندرية
..
وذكريات عمر
مضى
..
هي حصيلة 23 عاماً
!!!!!
هل أنا فعلاً محمود ؟؟؟
!!!!!
ورجعت بذاكرتي لآخر 24 ساعة
..تلك
الساعات الرهيبة والتي تتابعت فيها الأحداث
بشكل درامي
..
واكتسحت جرافات السفر كل ما اعترض طريقها من مشاعر
..
وذكريات
..وتوسلات
..
من داخل نفسي أولاً
..
ومن نظرات الأب والأم والأخوات
!!
نعم
..
لقد اكتسحتها تماماً
..و
بلا رحمة
..
جعلتها والأرض سواء
!!!!!
تلاحقت الأحداث في ال24 ساعة الأخيرة قبل السفر
..
فقد حصلت على التأشيرة يوم
الأربعاء 18 أغسطس
وكان على أن أسافر
فجر الخميس
حيث هناك امتحان مصيري
ينتظرني يوم الجمعة 20
أغسطس
سيحدد مستقبلي وما إذا كنت سأقبل بالجامعة
..أم
أعود إلى مصر بخفي حنين
!!!
ـ
الو
...
أيوه يا ماما ربنا وفقني وأخذت التأشيرة
وبصوت يحمل فرحة المفاجأة
...
ـ بجد يابنى
..
الحمد لله
ـ أنا حروح دلوقتى أشترى شوية حاجات ناقصانى
ـ طب ما تتأخرش يا محمود
..
أنت يعنى خلاص حتسافر النهاردة الفجر
؟؟
ـ أيوه
..
كده طيارتي الفجر الساعة 3
واحتبس صوتها للحظات
...
ثم تداركت الموقف
...
ـ طب هات حاجاتك بسرعة وتعالى
...
ماتتأخرش
!!!
وأحسست بأول مرارة في حلقي بعد تلك المكالمة
..
ذهبت لأشترى متعلقاتي
..
وبدأت
رأسي تدور
فقد كان هذا يعنى أنني بعد أقل من 14 ساعة سوف أرحل
!!!
وهناك فارق كبير بين أن تتخيل الشئ
وبين أن تعيشه واقعاً ملموساً
!!!
ولهذا قال الله تبارك وتعالى في محكم آياته
..
(
كلا
لو تعلمون علم اليقين
.
لترون الجحيم . ثم لترونها عين اليقين
)
فشتان بين أن تعرف
..وبين
أن ترى وتعيش بنفسك
!!!
ذهبت إلى البيت
..
وفتح أبى لي الباب
وابتسم ابتسامة الأمل والتشجيع
..
كان قوياً شامخاً كعادته
..ولكنى
أحسست لأول مرة في حياتي أنة يتمزق من داخله
..
حاول جاهداً أن يخفى ذلك
ولكنى سمعت ذلك مع نبضات قلبه عندما
احتضنني
ليهنئني
بالتأشيرة
..
شعرت وكأن جبال تنهار بداخله
..
ـ الحمد لله يابنى
..
ربنا يوفقك في طريقك
...
ها نفسيتك إيه ؟!!!
كان سؤالا عجيباً
...
فقد شعر بحاسة الأب أنني بدأت أنهار من الداخل
..
فأراد
أن يشحذ
الهمة
ويعطيني الثقة
..
ـ
الحمد لله يا بابا
...
يمكن بس أكون قلقان شوية
!!
ـ لا
...
أنا ربيت راجل
...
وعايزك تفضل دايماً راجل
!!!
ورمقته بنظرة
..فوجدت
في عينيه نظرة التحدي
..
وكأنه يريد أن يرى حصاد سنين تربيته
لابنه الوحيد
في تلك اللحظة الحاسمة
..
فأردت ألا أخيب ظنه
ونظرت في عينيه نظرة
الثقة والأمل في الله
..
ـ إن شاء الله يا بابا مش حخيب ظنك
!!!
كانت أمي وأخوتي يجهزون لي كل شئ
..
شنطة سفري
..
وكل ما يتوقعون إنني ربما
سأحتاجه في الغربة
..
ملابس
..
أدوات
...
حتى الخيط وإبرة الخياطة
وذهبت للمطبخ لأجد أمي
..
ـ بتعملى إيه يا ماما ؟!!
ـ بص
..
أنا بعملك شوية قراقيش عشان تفطر
وتتعشى منهم
...
وأهو يبقوا معاك
لغاية ما تعرف الأكل هناك هيكون إزاي
!!
ـ يا ماما وبتتعبى نفسك ليه دلوقتى ؟!!
ـ يابنى طب خليني الحق أتعبلك قبل ما
تسافر
..
يا عالم هتلاقى مين هناك يعملك
حاجه
!!!!
واحتبس صوتها
..
وفاضت عيناها
..واستدارت
عنى حتى لا أرى دموعها
...
في تلك اللحظات فقط من حياتك
تشعر بمزيج عجيب من المشاعر
..
تشعر بأنك مركز
الأنانية
..ومستقر
الدونية
!!!
فكل هؤلاء الأحباء لا يريدون سوى سعادتك
ويؤثرون مصلحتك
على رغبتهم بأن تبقى معهم ليأنسوا
بك
!!!
نصبوا من أنفسهم جنوداً لك
يجهزون لك كل
شئ
..
ثم تشعر بحقيقة مشاعر الحب وأنت تنتزع من بينهم قطعة
قطعة
مع اقتراب
ميعاد سفرك ساعة بعد ساعة
!!!
ياإلهى
..
ألهذه الدرجة قيمتي عند هؤلاء البشر ...؟!!
ثم تشعر وكأنك قلب والدك
..ورئة
والدتك
..وعقل
إخواتك
...
فكيف لهذا الجسد أن يعيش بدونك ؟!!!!
طب ما تفكر تانى
...
إيه اللي حيحصل يعنى لو ماسافرتش ؟!!
أنا عندي
هنا كليتي
ودراستي وممكن أكمل
..
وممكن أحاو
.......
ـ يا محمود
...
تعالى كده شوف إحنا رتبنا الشنطة
إزاى
ـ إيه ده
!!!!
انتوا رتبتوا كل حاجة ؟!!!
ـ شوفت بقى
...إخواتك
رجاله إزاى
!!!
تتلاحق الأحداث
..
بحيث لا تجد وقتا للتفكير
..خلاص
..انتهى
وقت التفكير
!!!
وكانت المشكلة الأخرى في اثنين من الأخوات
..
ارتبطوا بى لدرجة الصداقة المتينة
..
كنا ولازلنا نتحدث في كل شئ
...
وأي شئ
..نتناقش
ونتحاور ونتعلم سوياً من بعضنا
البعض
..
فقد كنا ولازلنا سويا أوفى الأصدقاء
!!!هل
لي أن أفكر ثانية
..
أراجع نفسي علني أست.......
ـ محمود تعالى
...
خالو جه عشان يسلم عليك
!!!!
ياإلهى
...
لماذا تلاحقني الأحداث هكذا
!!!!
وتمر تلك الساعات بسرعة البرق
..
لم أتمنى المستحيل في حياتي إلا في تلك
الساعات
..
وهو أن تتمهل ساعة الزمن
...
تستريح قليلا
..علني
ألتقط انفاسى
..وأستريح
معها.
ربما أعدل عن قراري
..وأفكر
مليا قبل أن أرحل
!!! من
أنا ؟!!
هل أنا إنسان آخر ؟!!!
لم أعرف معنى الأنانية في حياتي
..فلماذا
تصبح الآن هي واقع
حياتي ؟!!!
هل أنا إنسان آخر ؟!!!
ـ يالا خلاص
...
مفيش وقت
..
الساعة بقت واحده
..
يادوب نلحق نروح المطار
!!
وأودع جنبات منزلنا الحبيب
...
وأركب السيارة في اتجاه مطار الإسكندرية
وعيني تودع
الطرقات في تلك
الساعة
المتأخرة من الليل
..وتمر
الدقائق
..وأنا
أتساءل
...
كيف أدركت نفسي تلك الصلابة والقسوة ؟
!!
هل أنا إنسان آخر ؟!!!
ونصل المطار
..وتأتى
اللحظات الحاسمة والأخيرة
..
ـ محمود
..
مش حوصيك
..
لو احتجت أي حاجة .. مالكش دعوة
..
بس أدينا تليفون
ـ أكيد يا بابا
ـ أوعى تفكر تشتغل هناك
....
دراستك وبس
...
سامعنى !!؟؟
ووسط هذا الخضم من التضحيات والمشاعر المتفجرة
..لا
تشعر إلا بأنك مزيج من
الأنانية والقسوة
..
فأنت الذي حكمت على أحبائك بالإعدام
..
وأنت الآن الذي تنفذ هذا
الحكم بلا شفقة أو رحمة
!!!
فهل أنت إنسان آخر ؟!!!
ثم تأتى اللحظة الحاسمة لكي تودعهم الوداع الأخير
..فلا
تعرف بمن تبدأ
..وبمن
تنتهي
..
تمشى الدورة لتحتضن الأم
ثم الأخت فالأخت
..وأخيراًَ
الأب
..
ثم تسمع بكاء الأم
..
فتعاود
ثانية لتحتضنها
..يا
إلهي
...
ما هذا ؟!!!
طظ في مييييييييية سفر
!!!وميييييييييييييية
غربة
!!!أنا
مش مسا
................
ـ يالا يا محمود
...
يالا
..كفاية
كده
..
كان صوت خالي والذي دفعني لأخذ العربة بحقائبي
..
وأخذت العربة ولم أنظر ورائي
..بل
اندفعت نحو صالة المطار
..
وشعرت بأن ورائي عمارة تنهار
..تماماً
كما تنهار
العمارات التي يقومون بتفجيرها
بالديناميت
..
فتسقط دفعة واحدة
..
جثة هامدة .. نعم
..انهارت
خلفي عمارة الأسرة مرة واحدة
..
ولكنى لم انظر خلفي .. نعم لم أنظر
..وحتى
الآن لا أعرف لماذا لم أنظر
!!!!!!!
أقسم بالله أنني لو كنت قد نظرت خلفي لعدت لهم ثانية
..
ولكن لماذا لم أنظر ؟!!!
هل أبدلني الله شخصاً آخر حتى أستطيع الرحيل
؟!!!!
ربما
..كنت
أشعر بأنني أدوس على قلوبهم بعربة حقائبي وأنا متجه
لصالة المطار
فهل كنت أنساناً أخر ؟؟؟!!!
فيا من تفكر في الغربة
..حذار
كل الحذر من أول لحظة فراق
!!!
فكر ألف مرة قبل
أن تتخذ قرار الغربة
!!!إن
مرارة تلك اللحظة لازالت عالقة في فمي حتى
الآن
..
وبعد
مرور أربعة سنوات على هذا المشهد
!!!
ولازلت أسأل نفسي
..هل
كنت أنسانا آخر ؟!!!
ولم أشعر إلا بيد المضيفة وهى توقظني من غفوتي
..
ـ الأسبرين يا فندم
...
حضرتك
نمت ولا إيه
؟!!!
ـ ها
...
لا أبداً
...
هو فاضل قد إيه لسه على الرحلة ؟!!!
ـ رحلة أية حضرتك
...
إحنا لسه في مطار الإسكندرية
...
الطيارة لسه ماتحركتش
..
الرحلة لسه طويلة
...
طويلة جداً
... !!!!!
ـ أمال أنا ليه حاسس أنى نمت كتير ؟!!!
وأدركت في تلك اللحظة إن الساعات التي هرولت بسرعة البرق
قبل السفر
قد تجمعت
أحزانها معا
ً..
وذلك لكي أتجرع مرارتها لحظة بلحظة
..
وبمنتهى البطء
..
فكنت أتذكر
كل دقيقة منها
..وتمر
على ذاكرتي
وكأنها أيام طويلة
..
وأدركت تلك الحقيقة
..نعم
..
لقد
كنت إنساناً آخر
!!!
محمود رشاد نجم
طالب في كلية الطب ـ جامعة جوتنجن ـ المانيا
|