|
حوار أجراه أ/عصام غازي مع أ/ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 18 أبريل 2005 جاء الداعية عمرو خالد إلي مصر، في زيارته الثانية بعد غياب طويل، حيث قام بتسجيل حلقتين من برنامجه "صناع الحياة " من القاهرة وكانت فرحة الشباب المصري بلقائه بعد سنوات الغياب طاغية، تخللها العناق الحار والدموع. اختار عمرو خالد أن يطرح استقصاءه حول موضوع " البطالة بين الشباب في الوطن العربي"، من مصر.. وهو الاستقصاء الذي يُعول عليه كثيراً لتوصيل رأي الشباب إلي الجهات المحلية والدولية لحل مشكلة البطالة قبل أن يصل عدد العاطلين عن العمل عام 2014 إلي 80 مليون إنسان علي امتداد الوطن العربي. عمرو خالد خص مجلة " كل الناس " بحق نشر أسئلة الاستقصاء إلي جانب الإنترنت، إضافة إلي الحوار المهم الذي أجاب فيه عن أسئلة حساسة حول مشروعه " صناع الحياة " لنهضة الأمة، وهل هو شبيه بحركة الإخوان المسلمين؟ وهل يفكر في إعلان تحويل المشروع إلي حزب سياسي؟ استيعاب طاقة الشباب... أهم سألته حدثني عن مشاعرك وأنت تقوم بتصوير برنامجك من القاهرة، وسط أهلك وأصدقائك ووسط الناس الذين يحبونك؟ هناك زخم من المشاعر، أولها الفرحة الشديدة،وثانيها أن هذا هو الأمر الطبيعي. أن أقوم بتصوير "صناع الحياة" وتصوير أفكار تخدم بلدنا من داخل بلدي. الشيء الثالث ، إنني لم أحس يوما إني بعيد عن الشباب. فأنا أحس بنبضهم وهم يحسون بهذا الود وهذا الحب المتبادل. افتقاد المشروع القومي الشباب كان يفتقد طوال السنوات الماضية مشروعا قوميا للنهضة، تلتف حوله الأمة، ويحقق من خلاله ذاته.. أنت طرحت "صناع الحياة" كمشروع للنهضة هل سيظل مجرد مشروع ، أم أنه سيتطور إلي شيء أكبر؟ ماذا تقصد؟ مشروع" صناع الحياة".. أكبر من الأحزاب ويشمل كل الشباب العربي هل ستتحول جماعة "صناع الحياة إلي حزب سياسي واجتماعي؟ دعني أوضح عدة نقاط. أول شيء أن مشروع "صناع الحياة" ولد من أجل استيعاب طاقات الشباب. ولو اعتبرنا أن طاقة الشباب 100 وحدة، وسألنا فيما تصرف هذه المائة وحدة؟ أعتقد أنه أي استيعاب للأنشطة في بلدنا لعشر وحدات من المائة..وبالتالي فإن طاقة الشباب تذهب هباء أو تصرف في أشكال مضرة ببلادنا، كالعنف أو المخدرات أو الإرهاب أو الجرائم، أو الجلوس علي المقاهي بلا هدف أو فائدة.. وبالتالي كان لابد لأحد أن يرفع راية، ويقول للشباب : هيا نوجه هذه الطاقات إلي شيء يفيد المجتمع. مقاومة الإحباط وكنت أبحث في اختيار المشروعات عما يفيد بلدنا، ويفيد مجتمعاتنا، بحيث لا يكون ذلك في عكس الاتجاه..وهذا كان شعار بداية " صناع الحياة".. استبدال حالة الإحباط لدي الشباب بحالة أمل وتفاؤل، وتحويل طاقة الإيمان إلي طاقة حركة. أي طاقة استاتيكية تتحول إلي طاقة ديناميكية، تفيد المجتمع. وقد انتقلت المشروعات من كونها مشروعات خيرية لجمع الملابس والدعوة لمنع التدخين، إلي مشروعات نهضوية( المرحلة الثالثة من صناع الحياة)، وهي مشروعات ندعو ونجد لها استجابة من وسائل الإعلام، فتتحدث عنها الصحة والتلفزيون. فزراعة أسطح المنازل اهتم بها المحافظون في العالم العربي، وتبنوها،ونحن أول من أطلق الفكرة بشكل جماهيري، لأن منظمة الفاو أول من أطلقها بشكل نظري. لدينا أكثر من 12 جامعة تشرف علي زراعة أسطح المنازل. وهناك إنتاج من المحاصيل بدأ يطرح. أقمنا منتديات صحية، وبدأت المنتديات تطرح قضية التوعية بالأمراض غير الفيروسية كالسمنة وأمراض السكر والضغط وأمراض القلب والشرايين.. هذا هو التحول من مشروعات خيرية إلي مشروعات تنموية نهضوية. مواجهة البطالة.. مشروع قومي أنت بدأت بما يمكن أن يسمى جمعية أهلية وهذا وعاء صغير.. ولكن ما في داخل الوعاء نما وكبر وضاق الوعاء عليه؟ أنا مدرك لما تقول لكني أريد أن أوضح أن هناك جمعيات لصناع الحياة موجودة في كل مكان في العالم. مصر وحدها بها ما يزيد علي 26 جمعية لصناع الحياة، كلها جمعيات رسمية. وهذا شرف لنا. نحن لا نفكر علي الإطلاق في تحويل "صناع الحياة " إلي حزب، نحن لدينا قضية تركز علي كل ما يتعلق بتحسين وضع الشباب في هذه المنطقة من العالم. وسأبذل كل طاقتي وأطرق كل الأبواب من أجل تحسين وضع الشباب في الوطن العربي. جمعيات أهلية سنعمل .سنطرق باب الحكومات ونساعد في تغير وضع الشباب في الوطن العربي، وقضية البطالة هي القضية رقم (1).. وأنا وصناع الحياة لدينا هدف: أن "صناع الحياة " ستأخذ المبادرة لتحويل قضية البطالة إلي مشروع قومي، وهي قضية مطروحة والإعلام كله يتحدث عنها. صحيح أن الحكومات جميعا قلقة بسببها، ولكنها حتى الآن لم تتحول إلي مشروع قومي، تدفع إليه كل إمكانيات بلدنا. لابد من حل مشكلة ال 16 مليون عاطل، حيث تقول الإحصاءات ومؤتمر دافوس أن العدد سيصل إلي 80 مليون عاطل سنة 2013 . نتعاون مع الحكومات منذ أكثر من نصف قرن كان هناك مشروع نهضوي دعا إليه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين التي لم تحظي بشرعية وجودها حتى اليوم. ما وجه الشبه بين الإخوان المسلمين و" صناع الحياة "؟ " صناع الحياة " كيان قوي يؤدي الدور المطلوب منه، ولا يحتاج أبدا أن يتحول إلي حزب، بل سيصغر إذا تحول إلي حزب. وليس لدي أي تفكير في إنشاء حزب سياسي. الدور الذي نؤديه الآن أكبر من أي حزب. فهو دور اجتماعي للمجتمع العربي كله، وهذا الدور ليس منغلقا علي مجموعة معينة تتمثل في أعضاء الحزب، نحن أكبر ونؤدي دورا أكبر. الجمعيات الأهلية تقوم بدورها ، والآن الحكومات تشارك، لأن هناك صفحة جديدة من التاريخ تقلب. والحكومات مستعدة أن تتعاون مع الشعوب.. وهذا ما يعطي صناع الحياة قوتهم. نحن في إطار مائة سنة جديدة، بدأنا حركتنا، فالأرض يتغير جلدها وتتغير طبيعتها كل مائة سنة. وتتغير أيديولوجياتها وأفكارها وقيمها التي تحكم البشر، فتأتي أحداث يصنعها أفراد أو مؤسسات أو دول، لتغير صفحة التاريخ علي غير ما يتخيل الجميع. ونحن الآن نعاصر صفحة تقلب، وقطارا بدأ يتحرك. لذلك فإن الحكومات من الحكمة والرؤية السديدة، والكل يرى أنه لابد من التوحد مع الشعوب. و" صناع الحياة " مدت يدها قبل أن تبدأ هذه الأحداث. ولذلك لا تتعجب وأنت ترى شرطة دبي تضع يدها في يد " صناع الحياة "، لنعمل معا في مشروع حماة المستقبل والتوعية ضد المخدرات. لماذا تضع الأمم المتحدة يدها في يد عمرو خالد و "صناع الحياة "؟ لماذا منظمة الصحة العالمية وقعت اتفاقية معنا منذ أسابيع؟ هذا حدث..لأن هذه الجهات الدولية اكتشفت أنها إذا لم تتوحد مع الشعوب في مشروعات مشتركة، فإن العالم سيخسر. وبالتالي فإن " صناع الحياة " ليست في مركز يدعوها للتحول إلي حزب سياسي. إصلاح الشباب أنت تقول: نحن لا نسعى إلي تشكيل حزب سياسي. ولا نتطلع إلي حكم. ما هو الدور الذي تريد أن تلعبه علي الساحة؟ نحن نؤدي دور لإصلاح الشباب في الوطن العربي، ونكافح البطالة، ونعمل علي الاستفادة من طاقات الشباب، ومستعد للتعاون مع كل الجهات في الوطن العربي – المخلصة – لإصلاح وضع الشباب في هذه المنطقة من العالم. أنت تقول هذا الكلام رغم أن المناخ السائد الآن يدعو إلي الديمقراطية. فلا يعيب أي إنسان أن يشكل حزبا سياسيا ولا يعيب أي شخصية عامة أن تكون لها طموحاتها السياسية؟ الهدف الذي أسعي إليه هو القضاء علي الإحباط في نفوس الشباب الناتج عن غياب الحرية وغياب المشروع الكبير الذي يستوعب طاقات وطموحات الشباب. وأنا جندت نفسي و "صناع الحياة " لخدمة هذا الوطن. وهذا بدأ يؤتي نتائجه. الشباب الذي كان مهتما بالاستهتار وعدم المبالاة يقوم الآن بزرع أسطح المنازل وعمل المنتديات الصحية والمشروعات الصغيرة، ويقوم بحملات ضد التدخين، والنجاح الكبير أن تجد شبابا ليس لهم علاقة " بصناع الحياة " يقولون أنهم يسعون إلي عمل مشروعات صغيرة مع أصدقائهم، ويجمعون التبرعات لمستشفي سرطان الأطفال. نحن والإخوان لم تجب على سؤال الفرق بين "صناع الحياة" و"الإخوان المسلمين"؟ هناك فرق كبير، لأن ما يقوم به "صناع الحياة" هو لخدمة بلادنا وليس لخدمة المسلمين فقط. وأنا فخور أن شباباً مسيحياً يعمل في "صناع الحياة"، وفخور "أن نادي "صناع الحياة" في تونس مؤسسه وأعضاؤه من الشباب المسيحي. وفخور أن " صناع الحياة" ليس للمسلمين فقط، إنما هو لوحدة بلادنا ولخير بلادنا. نحن نركز على هذه المنطقة من العالم مسلمين ومسحيين. عرباً وأفارقة وأكرادا. نحن نهتم بالعرقيات الأخرى مثل الأمازيجية. نحن نفتح ذراعينا لكل من يريد التعامل معنا: رجال أعمال، مؤسسات خيرية، وحكومات. وأنا كنت في زيارة لليمن وألقيت مجموعة من المحاضرات هناك، والتقيت بالرئيس اليمني، وقد طلب تشكيل لجنة من وزارة الزراعة ووزارة الصحة لتبني مشروعات "صناع الحياة" الخاصة بالمنتديات الصحية وزراعة أسطح المنازل لكي تعمم التجربة هناك. نحن نمثل شكلاً جديداً من الكيانات، لا هو حزب ولا هو تنظيم. يطرح نفسه بشكل معاصر يتناسب مع أيديولوجيات العصر الذي نعيشه. نحن لا نكرر أفكاراً قديمة، مهما كانت عميقة وعظيمة. وهذا سر من أسرار نجاح "صناع الحياة". وأنا أريد أن أركز على قضية البطالة. نحن نتكلم في أكبر مصيبة تهدد بلادنا. نسبة البطالة الآن في العالم العربي 26.5 %، أي هناك 265 شابا من كل ألف شاب لا يعمل. ولو استمر هذا فلن يوصلنا إلى النهضة بل يوصلنا إلى كارثة. سر البطالة هل خططت للمشاركة المادية في حل مشكلة البطالة؟ قضية البطالة بتراكماتها من عنف وانحراف فكري وانحراف سلوكي وفساد أخلاقي وزواج عرفي وزيادة نسبة العنوسة وانتشار الزنا وانتشار الجرائم والتفكك العائلي، وإنفاق مليارات على تعليم شباب لن يعمل ولن ينتج. هناك ملايين من الشباب سيولدون ويتعلمون ويتخرجون ويتزوجون وينجبون ويموتون ولا يعرفون ما هو العمل. طوفان تسوماني أقل كثيرا من هذه المصيبة.. أما أسباب تفشي البطالة فهي: أننا لا ننتج أي سلعة. نحن نعيش على الخيرات التي وهبنا إياها الله سبحانه، حين جعل منا ممراً تجارياً واقتصادياً عالمياً "قناة السويس"، وفي الخليج هناك البترول والغاز. البترول يجلب النقود لكنه لا يجلب النهضة. نحن من أغنى المناطق في العالم لكن من أكثرها تخلفاُ في العالم. هل هناك خطة لو نضب البترول في العالم العربي للحياة والعمل؟ يؤسفني أن أقول إن البترول لو نضب فستكون أسوأ من بلاد المجاعات في أفريقيا. الكارثة الثانية أن التعليم لا علاقة له بسوق العمل. جامعة قرطبة في الأندلس – من 700 سنة – كانت تضم إدارة متخصصة لمعرفة احتياجات السوق من الأيدي العاملة، فيتم تدريس المناهج على هذا الأساس، فيتخرج الطالب ليجد السوق في انتظاره. صرخة بناء هل هناك جسور بينك وبين وزراء التعليم العرب للدعوة إلى ذلك؟ في الحلقة الماضية من "صناع الحياة" جاء وزير الصناعة المصري رشيد محمد رشيد وطرح حل توجيه الشباب للمشروعات الصغيرة الذي تتبناه "صناع الحياة". إيطاليا بها 2 مليون و300 ألف مشروع صغير. والعالم العربي كل ما به من مشروعات صغيرة عددها 700 ألف مشروع.. وأمريكا 70% من قوة سوق العمل عندها مشروعات صغيرة. قضية المشروعات الصغيرة لن تتحقق إلا إذا تحولت الدعوة إليها إلى مشروع قومي.. وهذا يتطلب أن يقول شباب العالم العربي في صوت واحد من خلال الاستقصاء الذي أطرحه، نحن نريد العمل في المشروعات الصغيرة. وهي صرخة بناء وليست صرخة اعتراض. أنا سافرت إلى عشر دول الشهر الماضي وقابلت مسئولين في منظمات دولية ورؤساء حكومات وأساتذة جامعة، فأنا جندت حياتي لخدمة هذا المشروع الذي يمثل الحل الوحيد لمشكلة البطالة. نريد 5 ملايين استقصاء! الشباب بحاجة إلى فرصة. والمشروعات الصغيرة لكي تنجح تحتاج إلى خمسة أشياء: تمويل – تدريب – تسويق – بيئة إدارية – أفكار فيها ميزة نسبية عما ينتج في العالم. استشاري مجاناً للصناعات الصغيرة هناك من يروج في الشارع المصري أن عمرو خالد يوزع 25 ألف جنيه على كل شاب يريد عمل مشروع صغير. ما حقيقة ذلك؟ "ضاحكاً" لو وزعت 25 ألف جنيه على كل فرد من 16 مليون عاطل، سأحتاج إلى ميزانية أمريكا. ما عرضته أنني فتحت على الموقع مكتباً استشارياً مجانياً. فأوصلت الشباب الذي لديه أفكار مشروعات بخبراء ومستشارين. وقد دخل على الموقع حتى الآن 12 ألف شاب، منهم 600 شاب بدأوا الإنتاج. كيف كان إحساسك وأنت ترى بعض الشباب يقوم بعملية إرهابية في القاهرة؟ إحساس كل مصري، الألم الذي أصابنا جميعاً والحزن يحيلنا إلى نفس النقطة: طالما هناك مشكلة فقر وبطالة، ستكون هناك انحرافات فكرية وسلوكية. ولذلك نحن نعالج المشكلة الأم. عبد الله بن عمر بن الخطاب له مقوله مأثورة: "البطالة أشر شيء في العالم". نحن نريد حل المشكلة من جذورها، وليس عوارضها فقط. ما هي مشروعاتك المستقبلية؟ وهل أنت عائد لمصر قريباً؟ أنت تجري معي هذا الحوار في مصر. وسوف أسافر بعد يومين إلى بريطانيا لأواصل إعداد رسالة الدكتوراه.. وبعدها سوف يقدم الله ما فيه الخير. |