|
|
|
|
|
|
تعتبر الغفلة من أهم ما يستلزم منا التوبة هَبْ أنك سألت أحدا، عما إذا كان حب الله تبارك وتعالى هو المتمكن الأول من قلبه؟ مع الأسف ستجد الإجابة بالنفي!! ولو سألت فتاة تحجبت عن حالها في أول عهدها بالحجاب وعن حالها معه بعد فترة، ستجدها غافلة، تائهة عن الله.
أو تعلم سبب ذلك؟؟ إن العاصي من فرط ما يأتي من آثام، يبلغ منه الملل والضجر كل مبلغ ويصاب بحالة من الاستياء الشديد من نفسه. وكذلك الفاجر. أما الغافل، فيرى نفسه دائما في أحسن حال ولا يعيب عليها أمرا. فتسمع المحجّبة تردد: أنا أخلاقي فاضلة وعلى ما يرام. فأنا محجبة، ولكنها غافلة عن الله، وذلك ما يوجب أن يكون الله هو الأول في حياتنا جميعاً..
إن للشيطان نصيبا أكبر مع هؤلاء الغافلين.فماذا هو فاعل بهم؟ إنه لا يحرضهم على إتيان الكبائر أبداً. لأن الغافلين إذا ما وقعوا في معصية، سرعان ما يفيؤوا ويتوبوا إلى الله، فلا يدخل لهم الشيطان مدخلا يصحون به عن غفلتهم، بل يريد بقاءهم على ذلك الحال إلى أن ينتهي بهم العمر.
وهكذا يكون العصاة أسرع توبة من الغافلين.
إذن فما حاجتنا إلى التوبة؟
نحتاجها لأن لدينا كبائر، وآلاف من الصغائر، ونعما لا نشكر الله عليها، وذنوبا ارتكبناها فيما مضى من عمرنا ولم نستغفر الله عليها حتى وإن أقلعنا عنها، كما نحتاج للتوبة من غفلتنا.
قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"، فكل ذنوبك ستُمحى، حتى الكبائر منها، شريطة العزم على التوبة الصادقة النصوح.
لاحظ معي القفزة التي سنقفزها، -يغفر الذنوب جميعاً-..
ما رأيك لو نتفق الآن على أن نتوب سويا؟؟ ولتقرأ الآية الكريمة مرة أخرى، فلربما ستتساءل، ماذا يريد لنا الله تبارك وتعالى إذ يغفر لنا كل الذنوب؟
اقرأ معي هذه الآية، "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا" وقال سبحانه في آية أخرى: "ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون"
إن الله يريد أن يتوب علينا، ومن لم يرد التوبة، فقد ظلم نفسه.
ويقول تعالى في آية أخرى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثَاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبدل الله سيئاتهم حسنات"، فالله تبارك وتعالى، سيغفر لنا، وسيبدل سيئاتنا حسنات أيضاً.
فالشاب الممتنع عن الصلاة لخمس سنوات، ونوى أن يتوب ويصلى، ونوى أيضاً صلاة النوافل قد محى الله عنه ذنوب السنوات الخمس التي لم يكن فيها من المصلين.
يجب أن تكون على يقين من المغفرة، إذ أنه بمجرد النية والعمل، يغفر الله، ويُبدل السيئة بالحسنة.
الفتاة التي ألهتها الدنيا، كالموضة أو شغلتها أعباء المسؤولية من زوج وأولاد، وعزمت على التوبة والعودة عن غفلتها، واهتز ما بداخلها ينشد التوبة سيغفر الله لها وإذا ما نوت على الحَسن من الأفعال، فسيبدل الله سيئاتها حسنات.
بمجرد التوبة يمحى الذنب، وبالنية على الزيادة وفعل الحسنات، يُبدل الله السيئات حسنات.
هل ترى هذا الكرم الإلهي؟؟ !!
حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رجل يجيء يوم القيامة، فيقول له الله: اقرأ كتابك يا عبدي، يقول النبي: فيمر بالسيئة، فيسوّد لها وجهه، ثم يمر بالسيئة فيسوّد لها وجهه، من كثرة السيئات، فيظن أنه هالك، فيقول له الله تبارك وتعالى: عبدي، ألم تكن قد تُبت؟ فيجيب العبد: نعم يا رب، لقد تُبت، فيقول له الله: اقرأ كتابك مرة أخرى يا عبدي، فيمر العبد بالسيئة، فإذا بها قد قُلبت حسنة، وهكذا كل سيئة قد قُلبت حسنة ويأخذ عليها ثواب التوبة...
فبالله عليك أخبرني كيف لا تتوب؟؟
فيتمنى العبد عندها وأمام ذلك الكرم الإلهي العظيم لو أن لديه المزيد من السيئات حتى تُبدّل إلى حسنات، فيقول لله: يارب، إن لي سيئات أخرى لم تكتبها الملائكة، فضحك النبي من هذا العبد الذي يريد أن يخدع الله يوم القيامة من فرط فرحه بكرم الله وهو يُبدل جميع السيئات إلى حسنات..
بالله عليك، ألا تريد أن تتوب الآن؟؟ إن الله يريد أن يبين لنا أنّنا بتوبتنا هذه، كأننا لم نخطئ من قبل، فهلموا نبدأ من جديد.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستغفر ويتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، فانظر معي إلى رسول الله المعصوم من الخطأ، يستغفر الله ويتوب إليه يومياً مرات ومرات، يا من تشعر أنك لست بحاجة إلى استغفار أو توبة. فكان الصحابة يعدون للنبي من الاستغفار في الجلسة الواحدة، أكثر من سبعين مرة، وهو يقول: أستغفر الله، أستغفر الله.. ويعود لحديثه مع الصحابة مرة أخرى ويضحك معهم، ثم يسكت قليلاً عندما ينشغلون عنه، فيعاود الاستغفار مرة أخرى ويقول: أستغفرك رب وأتوب إليك..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبسُط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
مَن عليه أن يبسط يده، الله أم العبد؟؟ طبعاً العبد هو الذي يتوسل إلى ربه: يارب أنجدني.. وليس العكس.. باب التوبة مفتوح دائماً في كل حين.. لا يُغلق أبداً..
هناك حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما معناه: يتنزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدُنيا في الثُلثُ الأخير من الليل يومياً، - تقريبا من الساعة 1مساء إلى الساعة 5 صباحاً كل ليلة-، تنزيلاً يليق بجلاله، يُنادى: هل من تائب، أتُوب عليه؟ هل من مستغفر، فأُغفر له؟ هل من طالب حاجة، فأقضيها له؟ كأنه سبحانه يقول لنا: حتى وإن كنتم نياما في ذلك الوقت من الليل وحتى وإن لم تجيبوا ندائي فيه، فسأظل أُنادى عليكم كل ليلة. ترى كيف هي حالنا في ذلك الوقت؟
فإما أننا نغط في نوم عميق، أو أننا جلوس أمام شاشة التلفزيون، أو بصدد حديث غير لائق عبر الهاتف. كل ذلك وهو سبحانه يُنادى علينا. ويهمّ الشيطان ليُزيّن لنا المعصية في ذلك الوقت بالذات، ليجعلك في تحد مع الله سبحانه.
يقول الله تبارك وتعالى في حديث قدسي: إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم، أخلق، ويُعبد غيري، أرزق، ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتودد إليهم برحمتي وأنا الغني عنهم، ويتباغضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر ما يكونون إلي. أهل ذِكرى أهل مجالستي، فمن أراد أن يجالسني، فليذكرني. أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي، لا أُقنطهم من رحمتي، إن تابوا إليَ، فأنا حبيبهم، وإن أبوا، فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم من المعايب. الحسنة عندي بعشر أمثالها، وأزيد، والسيئة عندي بمثلها، وأعفو، وعزتي وجلالي، لو استغفروني منها، لغفرتها لهم. من أتاني منهم تائباً، تلقيته من بعيد، ومن أعرض عنى، ناديته من قريب، أقول له: أين تذهب؟ ألك رب سواي؟ يا ابن آدم، خلقتك بيدي، وربيتك بنعمتي، وأنت تخالفني وتعصاني، فإن تبت إلي بعد ذلك، قبلتك، فمن أين تجد لك إلها مثلي وأنا الغفور الرحيم.
سأروى لكم قصة، أعرف رجلاً يبلغ من العمر أربعين سنة، قال لي يوماً: لقد قررت أن أتوب عن كل ما مضى، فتذكرت كل سنة من عمري، ورحت أذكر ما فعلت فيها؟ وأقول: أستغفرك ربى وأتوب إليك، وقررت أن أحاسب نفسي منذ سن بلوغي، أي منذ كنت أبلغ من العمر 14 أو 15 عاماً، ماذا كنت أفعل خلال هذه الأعوام كلها؟ فوجدت أن أكثر الذنوب عددا عندي كان ذنب عصياني والدي وعدم سماع كلامه، فأقول: أستغفرك ربى وأتوب إليك، وهكذا سأقضي باقي سنوات عمري إلى أن ينتهي، يقول لي: لقد شعرت أنني لم أكن أنا، أنني شخص آخر، غمرتني فرحة عارمة، فصرت وكأن قلبي يرقص فرحا، كأنه يوم زواجي، أو يوم ولادة ابني.
قلت له إن هناك حديثاً عن النبي يؤكد ما تقوله وتشعر به: "إن الله يفرح بتوبة عبده”، مثل فرحة رجل يمشى في الصحراء، يمسك بناقته، وعليها مأكله ومشربه، وفجأة، هربت منه الناقة، فأيقن أنه ميت، فتملكه اليأس إلى أن حفر حفرة، كي يقبر نفسه فيها. وفي أوج يأسه، رأى الناقة وقد عادت إليه وعليها مأكله ومشربه. بعدما كاد يموت، وأراد أن يشكر الله، فقام يدعو وأخطأ في دعائه من فرط فرحه، فقال"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، فقال النبي: "فوالله إن الله أشد فرحة بكم حين تتوبون من ذلك الرجل".
باستطاعتك الآن، أن تكون حبيب الرحمن، فلحظة التوبة، هي لحظة حبيبة إلى الله. ولذلك فإنه من السُنة أن تذهب للتائب وتسأله أن يدعو لك، لأن دعاءه مستجاب، ولأنه أيضاً حبيب الرحمن. فلو لديك حاجة ملحة وتريد أن يقضيها الله لك، فما عليك إلا أن تتوب الآن.
سأروى لكم ما سيساعدكم على التوبة، حدث معي وعشرة من أصدقائي، أردت أن يهتزّ ما بداخلهم ناشدا التوبة، فاتفقنا على أن يأخذ كل منا ورقة وقلما، وأن نقسم الصفحة إلى شقين، على الشق الأيمن نكتب ذنوبنا، وعلى الشق الأيسر نكتب نِعم الله علينا. فلتفعل ذلك أنت أيضا ولتنظر ما ستكتب في شقّ نعم الله عليك؟ النِعم من: بصر، وسمع وعقل، وإحساس، ونعمة الإسلام طبعا والتي كان من المفروض أن أذكرها الأولى، ولكنني ذكرتها الأخيرة لأنها نعمه لا يذكرها كثير منا مع الأسف !!
أما في الشق الآخر، فاكتب ذنوبك، كعدم المحافظة على صلاة الفجر، عدم الخشوع في الصلاة، عدم قراءة القرآن، وعدم ارتداء الحجاب.
وانظر إلى ورقتك، وستجد نفسك تبكى بحرقة.
فمن ضمن ما ذكر أصدقائي من نِعم، كونه مسلم، ومنهم من رأى في حسن تربية أبويه له نعمة، ومنهم من ذكر قدرة استيعابه وفهمه السريع كنعمة... وهكذا ذكر كل منهم نعمة ما، إلى أن وصلنا لأصغرهم سناً، وكان يبلغ من العمر حوالي ثمانية عشر عاما، وكانت قدرته على التعبير بسيطة للغاية، فقال: "أعظم نعمة أنعم بها الله علي هي، أن ربنا هو ربنا.. وأن الله يغفر لي بكل هذا الكرم، ويحبني إلى هذا الحد "... أرأيت جمال التعبير عن حبك لله..
هناك حديث للبخاري ومسلم في صحيحيهما عن رجل من بنى إسرائيل، كان يبلغ من العمر أربعين عاماً، لم يترك ذنبا إلا واقترفه، ولم يتب. فلما رأى الموت يقترب منه، قال لأولاده: يا أولادي، إن أنا مت، فأحرقوني- وهذا طبعاً، لا يجوز في شريعة المسلمين، ولكنه عُرف عند بنى إسرائيل-، حتى إذا صرت رماداً، فاصحنوني. وانتظروا يوماً شديد الرياح، وانثروني على رؤوس الجبال، -لماذا؟ لتفريق جثته- فلئن قدر علي ربى، فسيعذبني عذاباً لم يعذبه أحدا من العالمين.
فعندما مات الرجل، أحرقوا جثته. ولما أصبحت رماداً، صحنوها. ولما جاء يوم شديد الرياح، نثروها على رؤوس الجبال. فقال له الله: كن! فكان. وقال له تبارك وتعالى: ما حملك على ما صنعت؟ -أي لماذا فعلت ما فعلت؟- قال الرجل: خِفتك وخِفت ذنوبي، فقال الله تبارك وتعالى: بمخافتِك إياي، غفرت لك، اذهب فادخل الجنة.
ولنسأل أنفسنا الآن، كم مرة تُبنا فيها إلى الله؟ أي كم عدد التوبات في حياتنا؟؟؟ أخشى أن يسرقنا العمر ونصبح مثل ذلك الرجل.
كان ذلك في عهد سيدنا موسى. حيث ذهب إليه بنو إسرائيل يسألونه أن يدعو الله لينزل المطر، وقد شحت السماء عليهم عاما كاملا. ولك أن تتخيل ما ينجر عن ذلك من مشاكل. كانت ظروف المعيشة صعبة جداً. فجمع سيدنا موسى بني إسرائيل ودعا قائلاً: يا رب المطر، يا رب المطر.. يا رب عودتني الإجابة.. فبدون المطر سنموت. فقال له الله تبارك وتعالى: يا موسى، لن ينزل المطر، فبينكم عبد يعصيني منذ 40 عاماً، فبشؤم معصيته، مُنعتم المطر من السماء.
فقال موسى: يا رب ماذا سنفعل؟ قال الله تبارك وتعالى: أخرجوه من بينكم، ينزل المطر. فوقف موسى خطيباً في بنى إسرائيل يقول لهم: يا بنى إسرائيل، بيننا من يعصى الله منذ 40 عاماً، وبشؤم معصيته مُنعنا المطر. فليخرج حتى ينزل المطر.
وعرف الرجل العاصي نفسه. فقلب نظره يميناً وشمالاً، لعل هناك أحدا غيره يخرج، فلم يجد. فعرف أنها الفضيحة.
تخيل معي لو أن الله فضحنا ولم يستر معاصينا.. أو أن أحداً منا كتب على باب بيته، أنه عاص وأنه ارتكب المعصية تلو المعصية ولم يتب. أو لو أن للذنوب رائحة، وكلما أتينا ذنبا، صدرت منا تلك الرائحة !!!
أأدركت معنى ستر الله لنا؟؟
فقال له سيدنا موسى: اخرج... والرجل يستحي أن يخرج، فبدأ يُكلم الله ويقول: يا رب، أعصيك أربعين عاماً وتسترني، ولم تفضحني، وأنا اليوم إن خرجت، فُضحت. وإن بقيت في مكاني، متنا من قلة المطر، فماذا أفعل؟ ليس لدي ما أفعله سوى أن أستغفرك وأتوب إليك، وأندم على ما فعلت، وأعدك على ألا أعود، فاسترني وتُب علي. فتخيل ماذا حدث؟
لقد نزل المطر من السماء. فقال موسى: يا رب، لقد نزل المطر ولم يخرج أحد. فقال الله تبارك وتعالى: يا موسى، نزل المطر لفرحتي بتوبة عبدي الذي عصاني لمدة أربعين عاما
فقال موسى: يا رب، دلني عليه لأفرح به أنا أيضاً. فقال الله تبارك وتعالى: يا موسى، يعصيني أربعين عاماً وأستُره، ويوم يتوب إلي أفضحه؟؟
بالله عليك، بالله عليك... ألست معي في أن تحب الله أكثر فأكثر فأكثر؟ ألم يهتز قلبك شوقا للتوبة؟
فإن كنت تريد التوبة الآن وفي هذه اللحظة بالذات، عليك بالآتي:
معرفة شروط التوبة وهي ثلاثة، ويتم تنفيذها عن طريق القلب. أي تنفذها بقلبك.
1. الندم على الذنب، أي أن يحدث اضطراب في قلبي كلما ذكرت ذلك الذنب، فكيف أرتكب الذنب وأنت يا رب تسترني ولا تفضحني؟ يقول صلى الله عليه وسلم: التوبة هي الندم.
2. الإقلاع عن الذنب.
3. عازم على عدم العودة إلى الذنب مجددا، وهذا أهم الشروط الثلاثة. يقول العلماء: من قال تُبت إلى الله، وندم ويريد العودة، فهو كالمستهزئ بالله عز وجل.
فلو سألت شابا تاب عن صداقة الفتيات، قد يقول: ندمت، وتوقفت، ولكنه عاجز عن أن يمحو أرقام الهواتف الخاصة بهم مثلا.
لذلك، فإنه مع التزامك بالشروط الثلاثة معا، سيقبل الله سبحانه توبتك إن شاء الله، وستكون حبيب الرحمن، ويُمحى كل ما مضى من ذنوبك. ولو فعلت الحسنات، فسيُبدل الله كل سيئاتك القديمة حسنات.
ولو سُئلت الآن: أي الأيام أسعدها في حياتك؟؟ هل هو يوم زفافك؟ أم يوم قبولك في كلية ما؟ أم.....إلخ...
والله أجيبكم أن أجمل يوم في حياتنا، هو اليوم الذي يتوب فيه الله علينا. ولنذكر في هذا المقام قصة صحابي جليل كان يدعى "كعب بن مالك"، وقد غضب منه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه تخلف عن غزوة تبوك، فأنزل الله أمره أن يقاطعه الصحابة لمدة خمسين يوما. وبعد انقضائها صعد كعب إلى سطح بيته يصلي صلاة الفجر، بينما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الآن ذاته آيات بشأنه في سورة التوبة، ألا وهى: " -{لَقَدْ تَابَ الله عَلَىَ النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} التوبة( 117)
فهرع الصحابة فرحا يتسابقون ليُبلغوا كعب عن توبة الله عليه، فصعد أحدهم جبلا ونادى بأعلى صوته: يا كعب، أبشر، لقد تاب الله عليك. وركب آخر فرسه مسرعا ليهنئه، فيقول كعب: لقد خرجت وأردت الذهاب إلى النبي حتى أسمع البشرى منه، وطوال الطريق يعترضني المهنئون مرددين: مبروك توبة الله عليك يا كعب.
يقول حتى دخلت المسجد، فنظر إلي النبي، فابتسم، كأن وجهه قطعة قمر، ثم قال لي: تعال يا كعب، ذلك بعد مقاطعة النبي له خمسين يوما، فجلست بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لي: أبشر يا كعب، بخير يوم طلع عليك منذ أن ولدتك أُمك، لقد تاب الله عليك.
والآن إخوتي لنطلع سويا على ثلاثة نماذج من التائبين، والهدف أن نحذو حُذوهم. فلنفرض أنك تُبت، وعدت للذنب مرة أخرى، فهل ستصح لك توبة أخرى؟
أجل ستصحّ.. وبذات الشروط الثلاثة السابقة. وتُقبل توبتك. وهكذا،، وهناك حديث يؤكد ذلك.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، أرأيت إن فعلت ذنباً، يُكتب علي؟ فأجاب الرسول: نعم، يُكتب. فقال الرجل: أرأيت إن تُبت؟ فأجاب النبي: فيُمحى. قال: أرأيت إن عُدت؟ قال: يُكتب.
قال الرجل: أرأيت إن تُبت؟ فأجاب النبي: يُمحى. ثم عاود الرجل السؤال، إلى أن قال: حتى متى يا رسول الله يُمحى؟ فأجاب الرسول: إن الله لا يمل من المغفرة حتى تمل من الاستغفار.
بالله عليك، سأُسألك من جديد، ألا تحب الله؟؟
النموذج الأول معنا، هو لرجل قتل تسعة وتسعين نفسا، وسأل: هل لي من توبة؟ فذهب إلى عبد زاهد عابد، فقال له: أنت؟؟ لا، لن تُقبل توبتك.
فقام الرجل بقتله، كمال المائة، فقد أحبطه ولم يترك له أملا.
ولكنه ما يزال ينشد التوبة، وأعياه ذلك أيما إعياء، وراح يسأل مرة أخرى: هل لى من توبة؟ فدلوه على عالم. ذهب إليه وسأله: هل لى من توبة؟ فأجاب العالم: ومن يمنع توبة الله عز وجل، ولكن، اترك الأرض التي أنت فيها، فإنها أرض سوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا.. فإن بها قوماً صالحين.. وإسقاطا للأمر على حالنا اليوم، أرضنا والحمد لله صالحة ولكن ما علينا هنا هو أن نهجر رفقاء السوء. فإن سألتني عن التوبة،
لسألتك: من هم أصدقاؤك؟ وعلى ضوء جوابك سنقرر إن كنت قادرا على التوبة أم لا؟؟
فيا حبذا لو تكون رفقتكم رفقة تساعد على التديّن وطاعة الله.
فقرر الرجل أن يعمل بنصيحة العالم فيترك الأرض ويذهب إلى غيرها. وبينما هو في طريقه إذ بالموت يسبق إليه، فاختلفت في أمره الملائكة. فبعث الله مَلَكا يفصل بقياس المسافة بين الأرضين، فإن كان أقرب لأرض الصلاح، تتلقاه ملائكة الرحمة، وتأخذه إلى الجنة، وإن كان أقرب لأرض الطلاح تتلقاه ملائكة العذاب لتسوقه للنار. وعندما تمت عملية القياس، وجدوا أنه أقرب إلى أرض الصلاح بشِبر. فأخذته ملائكة الرحمة، فدخل الجنة.
فليتنا نلحق بهذا الشِبر.
أما النموذج الآخر، فهو لتوبة مالك بن دينار. الذي كان رجلا تقيا ورعا. ومن أعظم علماء الأمة الإسلامية. ولكنه لم يكن متديناً في البداية. يقول عن نفسه أنه كان فاسقا، فاجرا، سِكيرا. لم يترك معصية إلا وارتكبها،
ويوما من الأيام بينما هو في السوق وجد رجلا يشترى الحلوى من البائع. فسأل المشترى البائع: هل من الممكن أن تبيع لي الحلوى بسعر منخفض، لأنني أريد أن أشترى منها لكل بناتي اللاتي يحببنها كثيرا والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "من عنده ثلاث بنات يسعدهن ويُدخل البهجة عليهن، إلا ويدخل بهن الجنة". فقال مالك بن دينار: فتحرك في قلبي حُب البنات. فذهبت وضربت البائع وأخذت منه الحلوى ليعطيها للرجل. فقد كان ظالما. وقال للرجل: قل لبناتك يدعين لي.
يقول: ثم قلت لنفسي، لم لا أتزوج وأنجب البنات؟ فتذكرت أفعالي وقلت: من سيزوجني، وكل الناس تكرهني؟ فذهب إلى سوق الجواري واشترى جارية، فأعتقها وتزوجها، وأنجب منها بنتاً، أسماها "فاطمة". وأحبها حباً شديداً، لدرجة أنه قال: كلما كانت تكبر فاطمة، كلما زاد الحب والخير في قلبي وقلّ بداخلي الشر. فكلما كانت تراني ممسكاً بكأس الخمر، تبعدها عن يدي، كأن الله أوحى لها أن تفعل ذلك. إلى أن بلغت فاطمة من العمر ثلاث سنوات، ثم ماتت.. فيقول: فانقلبت أسوأ حالا مما كنت.
حتى إنني قلت لنفسي يوماً: لأسكرنّ سكرة، لم أسكر مثلها من قبل. فيقول: شربت، وشربت، وشربت حتى سقطت، فنمت. فرأيت وكأننى في يوم القيامة. وقد نادى مُناد، فلان بن فلان، هلُم للعرض على الجبار - مثلما سيُفعل معنا جميعاً يوم القيامة- فرأيت أُناساً يرتعدون خوفا، حتى أسمع الصوت يُنادى: مالك بن دينار، هلُم للعرض على الجبار.
يقول: فارتعدت، وإذا بثُعبان يريد أن يأكلني، فهريت منه وهو يتعقبني، إلى أن بلغت رجلا ضعيفا قلت له: أنقذني؟
فقال الرجل: يا بُنى، أنا رجل ضعيف، لا أستطيع أن أُنقذك من ذلك الثعبان. ولكن اجرِ في ذلك الاتجاه، لعلك تنجو.
فجريت في ذلك الاتجاه، فإذا بالنار أمامي. فقلت لنفسي: أأنجو من الثعبان، لأُلقي بنفسي في النار؟ فرجعت أجرى والثعبان خلفي يريد أن يأكلني، فوجدت الرجل العجوز مرة أخرى، فقلت له: أدركني. فقال لي يا بُنى: أنا ضعيف، ولكن اجر في اتجاه ذلك الجبل لعلك تنجو.
فجريت إلى الجبل والثعبان من خلفي يريد أن يأكلني، فوجدت أطفال الحُلم، فنادى الأطفال: يا فاطمة، يا فاطمة، أدركي أباك.
فجاءت فاطمة وأخذتني بيدها اليُمنى ودفعت الثعبان بيدها اليُسرى وجلست في حجري مثلما كانت تجلس في الدنيا، وأنا أرتعد، وقالت لي: يا أبت، ألم يأن للذين آمنوا، أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ قلت لها: يا ابنتى، ما هذا الثُعبان؟ قالت لي: هذا عملك السيئ، كنت قد كبّرته حتى كاد يأكلك.
قلت لها: ومن هذا الرجل الضعيف؟ قالت: إنه عملك الصالح، وقد أضعفته من قلة الحسنات. ولولا يا أبتى أنني مِت لك، لما دخلت الجنة أبداً.
يا أبت، ألم يأن للذين آمنوا، أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ فقمت من نومي وأنا أردد: يا رب قد آن الأوان يا رب. فذهبت واغتسلت قاصدا المسجد لصلاة الفجر، فإذا بالإمام يقرأ في صلاة الفجر، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله.
ومنذ ذلك اليوم، تاب مالك بن دينار.
فبالله عليكم، هيا ننوى التوبة، ونبدأ عهدا جديدا مع الله..
جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
|
|
تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
| |
| |