عن عمرو خالد
    أقوال الصحف
    تفريغ حلقات برامج الفضائيات
    مقالات صحفية
    حوارات صحفية
    الجنة في بيوتنا
    بيانات وأحداث
ملفات خاصة
ثقافي (قلم وورقة)
تزكية (حي على الفلاح)
اجتماعي (حياتنا)
تنمية بشرية (أنت أفضل)
* غزوة مؤتة
الأقسام الرئيسية>عن عمرو خالد>تفريغ حلقات برامج الفضائيات>محاضرات من مؤتمرات
التقيم الحالى لهذا المقال بناء على 33 رأى

إن هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها الأردن، وأول مرة أتشرف وأحضر مقام سيدنا جعفر وسيدنا زيد بن حارثة وموقعة مؤتة، وأود أن أعرب عن سعادتي بهذا الجمع، وأنه يشرفني الوجود بينكم.

إنني أعلم جيدا أنكم تعرفون غزوة مؤتة، ولكنني أود أن أتذكرها معكم، فأنا أحب أن أتذكر سيدنا جعفر وسيدنا زيد بن حارثة وسيدنا عبد الله بن رواحة، أعرف أنكم تعرفون المعلومات التي سأذكرها الآن، ولكن أحياناً عندما يعيش الناس في مكان ما ويعتادون عليه لا يشعرون بأهميته كما ينبغي، فعلى الرغم من أنك مجاور للشهداء الموجودين الآن في الجنان إلا أنك لا تكون مستشعراً الأمر تماماً، فأنا أشعر أنه بمجرد أن نتذكر الصحابة الثلاثة سيزداد الناس تعلقاً بهم، وهؤلاء الثلاثة هم سيدنا جعفر وسيدنا زيد بن حارثة وسيدنا عبد الله بن رواحة، إن سماع هذه المعلومات التي قد تكون ملماً بها تجعلك تتعامل مع هذا المكان بقدسية وجلال وتوقير أكبر.

هل تعلمون عدد الصحابة الذين شهدوا مؤتة؟ لقد كانوا ثلاثة آلاف في مواجهة مأتي ألف من الرومان والغساسنة! فهي عملية شبه مستحيلة! ومن ثم، فقد اجتمع الصحابة لمدة يومين قبل المعركة يتناقشون ويتشاورون في الأمر وكيف سيواجهون هذا العدد الضخم، فهل يواجهون الجيش المعادي أم أن ذلك ليس من الصواب؟

وبعد يومين من المشورة توصلوا إلى ثلاثة آراء:

1. الرجوع للنبي _ صلى الله عليه وسلم _ ليخبروه أنهم لم يستطيعوا مواجهة المأتي ألف.

2. الإرسال في طلب المدد من الرسول صلى الله عليه وسلم.

3. المواجهة ودخول المعركة.

وقد رفض كل الصحابة البديل الأول تماماً، فلم يستطيعوا أن يتصوروا الرجوع إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ الذي أرسلهم للجهاد في سبيل الله ليقولوا له إنهم لم يقدروا على الجهاد،

أما عن البديل الثاني فلم يحظ بموافقة أيضاً لأنه لا يوجد مدد من الأساس، فهؤلاء الآلاف الثلاثة هم آخر الصحابة، إذن لم يبق إلا المواجهة.

ولكن كيف سيواجه الثلاثة آلاف مئتي ألف؟ فعلى الرغم من أن ذلك هو البديل الوحيد الباقي إلا أن الصحابة لم يتمكنوا من الجزم به، وهنا جاء دور سيدنا عبدالله بن رواحة فقال: "يا قوم إن التي تخافون الآن لهي التي خرجتم من أجلها، ووالله لا نقاتل أعداءنا بعدد ولا عدة، ولكن نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به" فقالوا: على الله توكلنا.

إن ما حدث في مؤتة يمثل أعظم خطة عسكرية وضعت في التاريخ، ولذلك يتم تدريسها في المدارس العسكرية في أوروبا وأمريكا، إنه حدث لا يمكن تكراره ثانية؛ لأن هؤلاء الثلاثة آلاف لم يتواجد على الأرض من هم أشجع وأجرأ وأقوى وأشد إخلاصا منهم.

إنكم تعيشون على هذه الأرض فإياكم ألا يكون لكم نصيب من أخلاق الصحابة الذين شهدوا مؤتة.

ثم جاء دور سيدنا زيد بن حارثة قائد الجيش الذي جاء بفكرة البحث عن سهل ضيق لا يكون مفتوحاً حتى لا يواجهوا المئتي ألف كلهم مرة واحدة، فاختار مؤتة.

وابتدأت المعركة، مئتا ألف أمام ثلاثة آلاف! فما هو الزمن المتوقع لإنهاء المعركة بحسابات العقل؟ عشر دقائق مثلاً؟

لقد كان الهدف من خطة البحث عن مكان ضيق هو تضييق مساحة أرض المعركة ليضطر الرومان إلى مهاجمة المسلمين بعدد صغير مماثل لعدد جيش المسلمين لأن المكان لن يتسع لأكثر من ذلك، أما إذا واجه الرومان المسلمون في صحراء واسعة ممتدة فسيبيدونهم بسهولة.

وعندما بدأت المعركة في هذا السهل الضيق حيث توجد الجبال، اضطر الرومان إلى تقسيم أنفسهم إلى مجموعات خلف بعضها البعض، وكل مجموعة ثلاثة آلاف جندي، وبذلك عطل سيدنا زيد معظم جيش الرومان.

لقد كانت المعركة تستمر من بعد صلاة الفجر إلى المغرب، ثم يأخذون قسطاً من الراحة لأجل اليوم التالي، ولكن كم يوماً استمرت؟

ستة أيام! ستة أيام بين جيشين أحدهما مئتا ألف والآخر ثلاثة آلاف! إنه الإيمان الذي يصنع المعجزات، إنها الثقة بالله والتوكل عليه وحب الإسلام.

لقد شهدَت هذه الأرض بطولة ستظل خالدة إلى يوم القيامة، فيجب أن يستشعر أهل البلد هذا الأمر.

وعلى مدار الحرب التي استمرت ستة أيام كانت الغلبة للمسلمين، لدرجة أن الرومان ارتابوا في الأمر وقالوا أهؤلاء من الجن أم من البشر! إنهم لا يموتون! وبالفعل قرروا في يوم من أيام المعركة تحليل جثة أحد جنود المسلمين إذا قتلوا أحدا منهم في اليوم التالي، وعندما وجدوا له دماً وأنه قد مات تأكدوا أنهم من البشر.

فأرسل الرومان إلى هرقل ملك الروم ليرسل إليهم بمدد، فقال هرقل: "والله إن كان هؤلاء كما يقولون فإن محمداً سيرث ملكي هذا قريبا" وبالفعل انتهى ملكه بعدها بعشر سنوات.

كيف يكون من يعيش على هذه الأرض بعيدا عن الله؟ أولا يكون الإسلام غالٍ عنده؟ إن هذه الأرض أرض غلو الإسلام.

لا يمكن لمن يعيش هنا ألا يكون واثقاً في أن الله سيعز الإسلام، فلقد واجه هنا ثلاثةُ آلاف مأتي ألف! وكانت الغلبة لهم علماً بأن الرومان كانوا هم القوة العظمى في العالم.

كان قائد الرومان يدعى مالك بن رافلة، وفي اليوم السادس من المعركة قرر أن يغير مسار المعركة، فلقد رأى أن سبب قوة جيش المسلمين هو حامل الراية قائد الجيش سيدنا زيد بن حارثة فقرر قتله، ومن ثم فقد كانت المعركة في هذا اليوم تدور كلها حول سيدنا زيد.

فقد كان المئتا ألف يحاولون قتله، والثلاثة آلاف يدافعون عنه.

فكانت المعركة مزدحمة جداً لدرجة أنه كان يصعب عليهم التحرك بالخيول من شدة تركيز الرومان على قتل سيدنا زيد، وتركيز المسلمين في الدفاع عنه! وسيدنا زيد ثابت وسط كل ذلك.

وابتدأت الرماح تتجه إليه من كل ناحية وهو ثابت لا يتحرك، وأول رمح سقط في كتفه، وما أدراك ما الرمح؟ الذي يزن كيلوجرامات ويسبب آلاماً شديدة تفوق الاحتمال، ويقول الصحابة أنه سقط في كتفه فلم يتحرك، ظل ثابتاً! ثم بدأت الرماح تتوالى حتى طاشت فيه الرماح، وصار جسده كالمنخل.

وكان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في المدينة يصف المعركة على الهواء مباشرة حيث قال: (إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم) وهذه إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.

أترون كيف رفع الله بلادكم للنبي _ صلى الله عليه وسلم _ ليراها من المدينة! إنها هذه البلد التي تعيشون فيها! فتعاملوا مع هذا المكان العظيم بما هو أهله، إياكم والمعصية في هذا المكان. إن هذه الأرض أرض بطولات، أرض شهادة، إنها أرض يحبها الله ورسوله وإلا لما شرفها الله بدفن كل هؤلاء الشهداء فيها، فقدروها حق قدرها، يجب أن تشعروا بالانتماء إلى هؤلاء الصحابة، فهم قدواتنا وأجدادنا وأحبابنا، فأكثروا من زيارتهم.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم، أخذ الراية زيد بن حارثة، أراه الآن يقاتل في سبيل الله، قتلوه شهيداً، أراه الآن في الجنة)

أرأيتم ذلك؟ دخل الجنة في نفس اللحظة.

ثم جاء البطل التالي حبيبنا سيدنا جعفر بن أبي طالب، أشبه الناس برسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ولم يكن شبيهه في الشكل فقط، بل وفي الخلُق أيضا، فلقد كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يقول له: (أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي) إنه جعفر أبو المساكين الكريم الجواد المنفق، لقد كان يكسر إناء العسل بعد أن ينتهي العسل ليطعم المساكين منه عن آخره لآخر قطرة فيه، فاتخذوه قدوة، إنه جعفر الطيار، أتدري الآن من هو ذاك المدفون إلى جوارك في بلدك؟

إنه حبيب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فعندما عاد سيدنا جعفر من الحبشة قال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (والله لا ندري بأيهما نفرح، بفتح خيبر أم بعودة جعفر) وحضن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فلم يبك رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ على أحد مثلما بكى على حمزة وجعفر.

فالراية الآن مع سيدنا جعفر وقد ابتدأ ينشد أبيات من الشعر في القتال:

يا حبذا الجنـة واقترابهـا طيبة وبـارد شرابهـا

والروم روم قد دنا عذابها عليّ إن لقيتها ضرارها

ونزل من على فرسه وبدأ في القتال على رجليه من شدة ازدحام المعركة، وهذا في قمة الشجاعة أن يقاتل حامل الراية على رجليه، وتوالت السهام عليه حتى أتى أحد الرومان وضربه ضربة بالسيف وقطع يده اليمنى، فإذا به بسرعة يأخذ الراية بيده اليسرى، ثم تقطع يده اليسرى فيمسك الراية بعضديه، وكأنه يقول لن تسقط راية الإسلام أبداً وأنا على قيد الحياة! ثم جاء أحدهم وضربه ضربة فقتله، يقول عبد الله بن عمر: "نظرت في صدر جعفر بن أبي طالب فوجدت أكثر من سبعين طعنة، فقلبته على ظهره فما وجدت طعنة واحدة"

أترون ! أترون شجاعته، إنه لم يتنحَّ عن الطعنات التي توالت على صدره!

تحدث معه عندما تزوره وقل: السلام عليك يا حبيبي حبيب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ جعفر بن أبي طالب، أنت سبقت وأنا إن شاء الله بك لاحق، اللهم اجمعني معه في الفردوس الأعلى، وادع بأن يجعلك الله رفيق جعفر بن أبي طالب، ولكن يجب أن تستشعر شخصيته جيداً وأنت تدعو.

أرأيت من يحب الإسلام بهذه الدرجة؟

هناك من يصلي ويصوم ويصلي السنن، وهناك من داوم على الصلاة في المسجد ثلاثين عاماً، ولكن مسألة حب الإسلام قد لا تكون موجودة، وهناك من قد تكون عبادته أقل، لكن قلبه مليء بحب الإسلام والغيرة على دين الله، ونرى ذلك عندما لم يبال بقطع يده الأولى ثم الثانية، فكل ما يشغل تفكيره هو الإسلام.

وكان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يروي الأحداث في المدينة فقال: (أخذ الراية زيد بن حارثة... أراه الآن يقاتل في سبيل الله... قتلوه شهيداًَ، أراه الآن في الجنة، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب... أراه الآن يقاتل في سبيل الله... قطعوا يده اليمنى فأخذ الراية بيده اليسرى... قطعوا يده اليسرى فأخذ الراية بين عضديه... قتلوه، أراه الآن في الجنة يطير بجناحين من ياقوت، أبدله الله بذراعيه جناحين من ياقوت، أراه الآن يشرب من أنهار الجنة ويأكل من ثمار الجنة ويأوي إلى قناديل تحت عرش الرحمن)

يقولون فنظرنا إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فإذا بعينيه تذرفان بالدموع حبـاً لجعفر بن أبي طالب.

والآن وبعد أن وقعت الراية جرى الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة ليأخذ الراية بعد أن وقعت ولكنه تلكأ هنيهة، بمعنى أنه رأى القائدين الذين سبقاه قُتلا فحدث نفسه هل يدخل أم لا ولم يستغرق ذلك إلا هنيهة، وقرر الدخول، ولكن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ذكرها: (فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتلكأ هنيهة) فبكى الأنصار كثيراً لأن القائدين الأولين من المهاجرين وعبد الله هو القائد الوحيد من الأنصار، فكان الأنصار يريدونه برجولة القائدين الأولين.

هنيهة! وحسبت وذكرت في التاريخ إلى الآن.

وهناك من يتلكأ عن صلاة الفجر سنوات! وسيدات يتلكأن عن طاعة الله سنوات كثيرة! ومن يتلكأ عن الصلاة في المسجد!

فلا تلومن عبد الله بن رواحة لأنه كان يواجه الموت، فأحب أن يقوي من عزيمته فقال هذه الأبيات:

أقسمت يـا نفسـي لتنـزلن أو لتكرهن مالي أراك تكرهين الجنة

يـا نفس إلا تُقتلـي تموتـي هذا حمــام الموت قـد صليت

وما تمنيـت فقـد أعطيـت إن تفعلـي فعلهمـا هـديـت

وأخذ الراية ودخل، وفي دخلته قابل ابن عمه وقد كان في الساقة، وهي تماثل الشؤون المعنوية للجيش في زمننا هذا، أي مختصين بأمور الطعام ومداواة الجرحى وما إلى ذلك، فأتى له ابن عمه بفخذ مشوي _ وهو عند العرب طعام طيب جداً _ وقال له خذ يا ابن رواحة تقوت فأنت تقاتل منذ ستة أيام، فأخذها ونهشها نهشة ثم نظر إليها وقال: "ما هذا يا ابن رواحة أما زلت فى الدنيا! والله لا ينبغي لك أن تكون في الدنيا، ألا تحب أن تلقى صاحبيك" وأخذ الراية ودخل وقاتل ومات شهيداً.

وكما قلنا، فالنبي _ صلى الله عليه وسلم _ يروي الأحداث ويقول: (أخذ الراية عبد الله بن رواحة فتلكأ هنيهة، ثم دخل فقاتل فمات شهيداً، أراه الآن في الجنة)

وبدأ النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يحكي عن الثلاثة: (أرى الآن زيد بن حارثة على سرير من ذهب في الجنة، وأرى بجواره جعفر بن أبي طالب على سرير من ذهب في الجنة، وأرى عبد الله بن رواحة على سرير من ذهب في الجنة غير أن بسرير ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه) قالوا لم يا رسول الله؟ فقال: (تلكأ هنيهة).

إن الجنة درجات، فإذا كان من تلكأ هنيهة نزل درجة فما بالك بمن تلكأ عشر سنوات! وإن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف كما ينظر أحدكم إلى النجم الغابر في السماء.

فعندما تجد فرصة لطاعة الله فلا تتلكأ واغتنمها، وإذا تلكأت فاستغفر؛ لأنك فقدت درجة، ولكن هل ستتمكن من تعويض هذه الدرجة؟

وقعت الآن الراية من ابن رواحة والنبي _ صلى الله عليه وسلم _ لم يقل أسماء قادة إلا هؤلاء الثلاثة، وبعد ذلك قال: اختاروا من شئتم.

فأخذها ثابت بن الأقرم _ أحد صحابة بدر _ وقال بأعلى صوته: يا أبا سليمان يا أبا سليمان! إنه خالد بن الوليد، فجاء خالد بن الوليد وقال: نعم يا ثابت فقال: خذ الراية يا خالد، فقال خالد: لا يا ثابت أنت أحق بها مني أنت رجل شهدت بدراً وأنا كنت كافراًٍ يوم بدر، (أرأيتم إخلاص سيدنا خالد) فقال سيدنا ثابت الأشد إخلاصاً: والله يا خالد ما أخذتها إلا لأعطيها لك (أرأيتم الرجولة) فأخذ سيدنا خالد الراية وأكمل اليوم السادس (وهو اليوم الذي مات فيه الثلاثة) وقد كان ذلك في السنة الثامنة للهجرة في شهر جمادى الأولى. يقول سيدنا خالد: فتكسر في يدي يوم مؤتة _ وهو يقصد اليوم السادس _ تسعة أسياف!

إن السيف تتوارثه القبائل على مدار سنوات وتحارب به، فكيف يتكسر في يده تسعة أسياف في يوم واحد! لدرجة أنه كان يحارب بسيفين أحدهما في يمينه والآخر في شماله!

أترون الصحابة الذين خطَوا أرضكم، من يصدق أننا نمشي الآن على أرض مشى عليها خالد بن الوليد وغيره العديد من الصحابة! فاحذر لأنك قد تعصي على دم أحد الصحابة، فالأرض ستشهد عليك يوم القيامة.

فتخيلوا إذا شهدَت الأرض مرتين، تشهد مرة لهؤلاء الصحابة الذين ماتوا شهداء عليها، وتشهد على آخرين أنهم عصوا الله عليها، على الرغم من أنها هي نفس الأرض !

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}

فستحكي الأرض عنا، فبالله عليكم لا تجعلوا لهذه الأرض حكايتين، اجعلوا لها حكاية واحدة أن عاش عليها المخلصون الذين يحبون الإسلام ويصلون في المساجد.

وفي الغروب جمع الجيش وقال: "لقد جئنا هنا طاعة لنبينا ونصرة لديننا، ولقد قتلنا منهم على قلتنا أكثر مما قتلوا منا على كثرتهم، ولكن هذه المعركة لا يمكن أن تنتهي بنصر، إنما كان يلزم علينا أن نحارب تنفيذاً لأمر رسول الله"

فكان رأي خالد وجوب الانسحاب، فأخذ بالشورى وأجمع المسلمون على أن الانسحاب أمر لابد منه، فقال سيدنا خالد لا يمكننا أن ننسحب، إننا الآن في داخل مؤتة ولو خرجنا لهم في الصحراء فسيبيدوننا، فيجب أن ننسحب بدون أن يأتوا خلفنا، ولكن كيف؟ إنهم يتمنون أن نخرج لهم من مؤتة حتى يتمكنوا من القضاء علينا، فالحل هو هزيمتهم معنوياً وقتل الروح المعنوية للرومان، حتى لا يجد الرومان أي رغبة في اتباع جيش المسلمين إذا انسحب.

وهنا جاء دور خالد بن الوليد الذي وضع خطة تدرّس الآن في المدارس الحربية في أوروبا وأمريكا على أنها أعظم خطة انسحاب في التاريخ، وكانت الخطة أنه جعل ميمنة المسلمين بدل الميسرة، والميسرة بدل الميمنة، والمقدمة مكان المؤخرة، والمؤخرة مكان المقدمة، وجعل الجنود يغسلون ملابسهم وينظفونها، ويمسحون الرايات ويكتبوا رايات جديدة بكلام جديد، وكأنه جيش جديد، وبذلك تتم هزيمة معنوياتهم 50٪ ولكن يجب أن تتم هزيمتهم معنويا 100٪ فقرر خالد بن الوليد أن يخرج ثلاث مئة من الفرسان، وقسمهم إلى ست فصائل، وبذلك تكون كل فصيلة عبارة عن خمسين فارساًٍ، وأمرهم أن يعودوا خلف الجيش في مكان مليء بالرمال، وبعد أول بصيص نور عندما يبدأ الجيشان في القتال.. ابدؤوا في التخبيط بالخيل ليخرج غبار عظيم، فهو بذلك يبين للرومان أن هناك ستة جيوش أخرى قادمة.

وقد وضعت الخطة بحيث تدخل الفصيلة الأولى مع طلوع الفجر فتقول الله أكبر.. الله أكبر.. فيرفع الجيش الذي يقاتل الألوية ويرد عليهم الله أكبر.. الله أكبر.. ثم تدخل الفصيلة الثانية وتفعل ذلك أيضا ثم الثالثة وهكذا حتى السادسة. وفي لحظة التحام الفصيلة السادسة بالجيش يقول خالد بن الوليد يا عباد الله توكلوا على الله، ولكن لن ينسحبوا الآن حتى لا يحطموا مصداقية ما فعلوه أمام الرومان، ولكن كانت الخطة في هذه المرحلة أن يقوم المسلمون بضرب الرومان _ وهم مهزوزون في هذه اللحظة _ ضربة شديدة، ففي هذه الحالة لن يتبعوا الجيش عند انسحابه.

أرأيتم حنكة الصحابة ومهارتهم، لقد وضع سيدنا خالد خطة تدرس حتى الآن في المدارس العسكرية، فـلم يكن الصحابة يكتفون بالجلوس في المساجد، ولكنهم كانوا يفهمون الدنيا جيداً.

وعندما بدأ تنفيذ الخطة في الصباح فوجئ الرومان بوجوه جديدة تماماً، فقد كانوا يعرفون الوجوه جيداً بعد قتال استمر ستة أيام، ثم وجدوا قلباً جديداً وميمنة جديدة وميسرة جديدة ومقدمة جديدة ومؤخرة جديدة، أي جيش جديد!

فأرسلوا إلى مالك بن رافلة يقولون له جيش جديد! قالوا فأين الجيش القديم؟ فقالوا يستريح! وفوجئوا بعد ذلك بغبار شديد، ثم مقاتلـين يدخلون ويقولون الله أكبر... ورايات ترفع الله أكبر، وبعد دخول الفصائل الأولى ثم الثانية وحتى السادسة، وبعد قول سيدنا خالد يا عباد الله توكلوا على الله، ضرب المسلمون الرومان ضربة قتلوا فيها خمس مئة من الرومان! حتى إن المسلمين يقولون فرأينا الموت في عيون الرومان.

وما أن احتدم الأمر وبدأ المسلمون يذبحون الرومان حتى قال خالد: يا عباد الله عودوا، فبدأ الانسحاب بهدوء من الكتيبة السادسة إلى الخامسة فالرابعة فالثالثة فالثانية فالأولى فالميمنة فالميسرة ثم المؤخرة والمقدمة حتى انسحب الجيش كله، ما هذا النظام !

وفي وقت انسحاب المسلمين بدأ الرومان في اتباعهم ولكن قادة الرومان صاحوا في الجيش: لا تتبعوهم... كمين كمين! واقترب خالد بن الوليد من المدينة ولازال الرومان ينتظرون الكمين!

وخرجت النساء لاستقبال الجيش، خرجن لاستقبال أزواجهم وذويهم، فكيف يكون الاستقبال؟ كان الاستقبال بالحجارة! فقد كانوا يعتقدون أن الجيش هرب فخرجن للجيش قائلين: يا فرار يا فرار، أفررتم في سبيل الله! فخرج النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وقال: "لا ليسوا بالفرار بل هم الكرار إن شاء الله" وبالفعل عادوا بعد عشر سنوات أو خمسة عشر عاماً، وفتحوا الأردن كلها وصارت الأردن دولة من دول المسلمين، وتحققت نبوءة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ويدخل سيدنا محمد بيت جعفر ويحضن أبناءه الثلاثة ويبكي، يحضن أولاده ويخرج إلى المسلمين ويقول: من يكفل أولاد جعفر؟ فيقول الراوي: رأيت ثلاثة من المسلمين يرفعون أيديهم يريدون الكفالة ويتسارعون لنيلها وهم أفقر من بعضهم البعض!

أرأيتم عظمة الأرض التي تعيشون عليها؟ انتموا لهذه الأرض، دماء شهداء مؤتة في هذا البلد فاحفظوه.

أسأل الله أن يحببنا في الإسلام وينصر بنا الإسلام ويعز بنا الإسلام.

جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
أضف تعليق
الاسم
البريد الالكترونى

*فقط من أجل التواصل ولن يتم عرضه بالموقع.
عنوان التعليق
التعليق

*الحد الأقصى للتعليق هو 750 حرف.

تعليقات الزوار
واثق العلواني2008-03-01
محبة الرسول الكريم
الحمدالله رب العالمين والصلاة وسلام على الرسول الكريم بعد اشواط كثيرة قاموا بها اولاد القردة والخنازير لتمزيق وحدة المسلمين ان نصر الله اتي لامحالاة عاجلاً ام اجلاً كي يمكر الله بهم العنهم الله الى يوم الدين

--- أضف تعليق ---
طباعة المقال
إرسال المقال لصديق
متصفح ملفات اﻷكروبات
متصفح ملفات اﻷوفيس
   أعرف نفسك
   عمرو خالد يكتب للمصري اليوم: فما ظنكم بالله؟
   Folge 1
   كـيـف نـسـتقبل رمـضان؟
   الطريق إلى حب الله
جميع حقوق النشر محفوظة   Amrkhaled.net   1427 ©     هجرية     Managed By: ZADSolutions
Hosted By: NileWeb