|
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين إن الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . قبل أن أبدأ في محاضرتنا اليوم والتي هي بعنوان حياتنا نصنعها بأيدينا أحب أن أحدثكم عن ثلاث خواطر : الخاطرة الأولى: ما أهمية اجتماعنا هنا اليوم؟ إن له قيمة غالية جدا عند الله تعالى. روى أبو سعيد الخدري عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة". رواه مسلم. الخاطرة الثانية: إخواني، ما رأيكم أن تجددوا نيتكم الآن في هذه الجلسة، فلقد حضرتم إلى هنا من أجل إرضاء الله والالتقاء بصحبة صالحة، والاستماع إلى ما قد يقربكم من الله، فاجعلوا الله شهيدا عليكم في ذلك. اجعلوا هذه هي نيتكم عسى أن يدخلنا الله بها الجنة. الخاطرة الثالثة : عندي تساؤل يراودني: ماذا عن كل هؤلاء الآلاف الموجودين الآن؟.. ماذا سيكون حالهم بعد انتهاء المؤتمر؟ أريد أن أوصيكم بأن تستمسكوا بطاعة الله قدر استطاعتكم حتى الموت، وأن تحرصوا على أن تكون لكم صحبة من المتدينين حتى يساندوكم في حياتنا الصعبة هذه أما موضوعنا اليوم وعنوانه : حياتنا نصنعها بأيدينا وتعد هذه المحاضرة استكمالاً لمحاضرة "حدد هدفك في الحياة". ومحور محاضرتنا اليوم سؤال: من الذي يصنع حياتنا؟ هل نصنعها نحن بأيدينا؟ أم أن الظروف هي المسئولة عن صنع حياتنا ؟من المسئول عن الحالة الصعبة للأمة؟ من السبب في تأخرنا؟ من السبب في عدم ثبات الشباب على التدين؟ من المسئول عن عدم وجود شاب مسلم متفوق رياضيا على سبيل المثال؟ من يصنع حياتنا؟ إرادتنا أم الظروف؟ · رأي علمـــــــــــاء النفس : يرى علماء النفس مثل فرويد ومن معه أن هناك ثلاثة مؤثرات هي التي تصنع حياة الإنسان : 1- المؤثر الوراثي (الجيني) 2- المؤثر التربوي 3- المؤثر البيئي وبهذا فإن هذه المؤثرات الثلاث هي التي تحكم تصرفات الشخص وردود أفعاله في الحياة. إن فرويد ومن معه يفسرون صفة العصبية أو البخل مثلا في الإنسان بإرجاعها إلى العامل الوراثي، ويعتقدون أن مثل هذا الشخص لا يد له في كونه عصبياً أو بخيلاً أو .... لأن العامل الوراثي هو المتحكم. كذلك يفسر فرويد -ومن معه- السلوك السيئ لبعض الأفراد تجاه زوجاتهم، على سبيل المثال، بإرجاعه إلى العامل التربوي، فيرون أن هذا الشخص عندما كان طفلا لا بد أنه رأى والده وهو يهين زوجته، مما جعل هذا الطفل يسلك نفس السلوك تجاه زوجته عندما كبر، وهذا كله خارج عن إرادته، لأن العامل التربوي هنا هو المتحكم . ومن وجهة نظر فرويد، يمكننا أن نفسر عدم ثبات شاب على طاعة الله تعالى، بإرجاع ذلك للعامل البيئي، فالبيئة حول هذا الشاب مليئة بالفتن، لذلك لا يستطيع الشاب الثبات رغما عن إرادته، لأن العامل البيئي هو المتحكم وليس إرادة الشاب. ولكن هل هذا الرأي صحيح؟ هذا الرأي خطير للغاية؟ فهل لنا أن نسأل كيف سيحاسبنا الله تبارك وتعالى إن لم نكن نحن المتحكمين في أفعالنا، بل الظروف والمؤثرات الثلاث هي التي تحدد حياتنا؟ لئن كان هذا رأي علماء النفس، وهو أنه لا إرادة لنا في تصرفاتنا، فلنستمع إلى رأي الإســـلام ورده على السؤال المطروح هنا، وهو: من المسئول عن صنع حياتنا؟ هل هي الظروف؟ أم هي الإرادة الشخصية للفرد؟ · رأي الإســــــــــــــلام : يعتبر رأي علماء النفس السابق الذكر من وجهة نظر الإسلام خطأ كبيراً. فالإسلام يقر أن الشخص يقع تحت المؤثرات الثلاثة السابق ذكرها، ولكنه يقرر أن الله تعالى قد منحنا السلاح لقهر هذه المؤثرات الثلاثة، ويتمثل هذا السلاح فيما أعطاه الله لنا من إمكانيات. لذا فإننا يوم القيامة سنحاسب على كيفية استغلالنا لما أعطاه الله لنا من إمكانيات في قهر المؤثرات والظروف. فكلما نجح الإنسان في استغلال إمكانياته في قهر المؤثرات، كان من أهل الجنة، وكلما قهرت المؤثرات إمكانيات الشخص كان حسابه شديداً عند الله تعالى. وسنثبت في هذه المحاضرة بالأمثلة -إن شاء الله- كيف يمكننا قهر المؤثرات بما أعطاه الله لنا من إمكانيات، وذلك لنثبت أن نجاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والنهوض بها هدف ليس بالمستحيل. وهدف المحاضرة هو أن يخرج كل منا وهو على يقين بإمكانية تحقيق هدفه، ويقين أيضا بقدرته-بإذن الله- على قهر المؤثرات التي تقف عائقاً دون تحقيق هدفه. فما هي الإمكانيات التي سنقهر بها المؤثرات ؟ الإمكانيات التي أعطاها الله لنا هي : طاقة داخلية وضعها الله في كل شخص منا للكفاح والتحمل والصبر، فهذه الطاقة موجودة، وعند استدعائها يمكنها قهر أي شيء. فلنفجر ما بداخلنا من طاقة. مثال : الإمام أحمد بن حنبل تم سجنه أثناء فتنة حدثت أيام الخليفة المأمون، فقال: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط، وأخاف ألا أصبر، فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سُريَّ عنه (أي خفف عنه ذلك القول) (المناقب 316) وعندما أُخذ ليُضرب بالسوط، كان هناك سارق مسجون نظر إلى وجه الإمام وقال له: يا إمام اثبُت على الحق، فإن عشتَ عشتَ حميداً وإن متَّ متَّ شهيداً . يا إمام لقد ضُربت في هذا السجن ثمانية عشر ألف سوط فثبتُّ من أجل الشيطان فاثبت أنت من أجل الرحمن. فكانت كلمات هذا السارق تثبيتاً للإمام أحمد، فجرت طاقته الداخلية، وبعثت فيه إنساناً جديداً. وبدؤوا في ضرب الإمام، ولكنه ثبت، حتى إن الجلاد ليقول: لقد ضربته ضربا لو كان فيلا لهددته، أضربه السوط وأقول لنفسي السوط القادم سيدخل في ظهره ويخرج من فمه. وجاء أحدهم حينما سقط منهم الإمام وقال له أسقيك الماء؟ فيرد عليه الإمام قائلاً: إني صائم. فمن هذا المثال نرى أنه مهما كانت المؤثرات الواقعة عليك، فإن بداخلك طاقة يمكنها أن تقهر تلك المؤثرات. أنبياء الله جاؤوا في وجود مؤثرات وظروف أصعب بكثير من ظروفنا الآن. إذ ما كان النبي يبعث حتى تكثر الفتن ويكثر الفساد وتكون المؤثرات الثلاثة في أوج شدتها، وينزل المنحنى الإيماني لأقل درجاته، عندها يبعث النبي ليرفع هو وأتباعه المنحنى الإيماني مرة أخرى، لقد نجح الأنبياء وأتباعهم بإمكانيات قليلة. ونحن الآن كلنا أمل في أن نصعد بالمنحنى الإيماني مرة أخرى، وكلنا أمل أن ننجح كما نجحوا، ونتغلب على المؤثرات بما أعطاه الله لنا من إمكانيات . سنتناول اليوم نموذجاً نجح في الدنيا والدين، هذا النموذج تعرض لمؤثرات دنيوية شديدة ومع ذلك نحج وقهر هذه المؤثرات. هذا النموذج هـــــــــــو: سيدنا يوسف عليه السلام. ومن قصة سيدنا يوسف سنؤمن انه يمكننا أن ننجح كما نجح هو. · يـــوسف عليه السلام والدنيـــــــــا : يوسف وما تعرض له من مؤثرات الدنيا : 1- عندما كان طفلا كان محل كره أخواته وغيرتهم وحسدهم. 2- تم إلقاؤه في البئر وعمره لا يزيد عن 12 سنة. ويقول الله تعالى " غيابت الجب " لما كان من عمق البئر . 3- تم بيعه كعبد وظل عبدًا لمدة 10 سنوات . 4- ألقي في السجن بعدها لمدة 10 سنوات أخرى . 5- عندما بلغ 40 عاماً بدأ حياته كعزيز مصر . فها هي40 عام مرت من حياته من العذاب ولكنه نجح في الحياة برغم ما تعرض له من مؤثرات . فما هي الإمكانيات التي مكنته من النجاح : 1- الصبـــــــــر : يجب أن نتعلم الصبر لتحقيق النجاح. 2- مـــــوهبة : موهبته في تفسير الأحلام . وقد أعطى الله كلاً منا موهبة تمكنه من النجاح . 3- علــــــــم : علم الاقتصاد . وقد تعلم سيدنا يوسف الاقتصاد من عزيز مصر، فكونه عبداً لم يمنعه من أن يتعلم ويستفيد من عزيز مصر . وهذه هي مفاتيح النجاح لأي فرد: صبر، وعلم، وموهبة. وبهذه الإمكانيات نجح سيدنا يوسف وأصبح عزيز مصــــر الذي قاد المشرق العربي كله وأنقذه من كارثة المجاعة. فاستغلال الإمكانيات يجعل قهر المؤثرات شيئاً ممكن التحقيق. هـــذا هو حال يوسف عليه السلام ونجاحه مع الدنيا، فهيا بنا نرى سيدنا يوسف والدين . · يـــــوسف عليه السلام والدين : تعرض يوسف عليه السلام لفتنة عظيمة كان يمكن أن تجعله يفقد دينه، ألا وهي فتنة النساء. إن قصة يوسف عليه السلام وفتنة النساء لم تترك عذراً لأحد. فالسيدة هي امرأة العزيز ذات منصب وجمال، وهو يوسف، شاب قوي جميل أعزب، أمامه سنوات طويلة ليتزوج، وهو عبد، يُقبل منه مالا يُقبل من السيد، وهو غريب يُقبل منه مالا يُقبل من أهل البلد. ومن الفتنة أنها هي التي كانت تعرض نفسها عليه وتقول: "هيت لك" "وغلقت الأبواب "، فهو في مأمن من الفضيحة، وهي التي تدعوه، وقد دعته مرات كثيرة " ولقد راودته عن نفسه " . ولكنه برغم كل هذه المؤثرات "قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" وهي تقول عن مدى مقاومته لها أنه " استعصم" أي أنه نجح في قهر المؤثرات والفتن، ونجح في الدنيا والدين . إمكانيات سيدنا يوسف عليه السلام التي جعلته ينجح دينيا : 1- الصبـــــــــر: الصبر عن المعصية، والصبر على الطاعة. 2- الدعـــــاء : " وإلا تصرف عني كيدهن " واستعانته بالله تعالى على الفتن . فماذا عنك أنت؟.. هل ستنجح كما نجح؟.. هل ستقهر المؤثرات؟.. هل ستقول لا للمعصية؟.. أيها الشباب كيف سيكون حالكم بعد انتهاء هذا المؤتمر؟ هل ستظل هذه الشحنة الإيمانية بداخلكم؟ أم أنها ستتبدد أمام أول معصية تعرض عليكم. {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} (سبأ20)، فظن إبليس فينا أننا رغم حضورنا المؤتمر هذا وتأثرنا به، إلا أننا سنضعف أمام ما يعرضه لنا من المعاصي، فهل سنكون عند ظن إبليس ؟ لا.. بل كلنا أمل أن يكون جميع من في هذه القاعة -إن شاء الله- هو من فريق المؤمنين الذي تتحدث عنه الآية. قبل أن أنهي المحاضرة، أود أن أؤكد لكم أننا بإمكاننا أن ننجح، فإذا كان سيدنا يوسف عليه السلام قد نجح تحت كل هذه المؤثرات، فسننجح نحن إن شاء الله . إن حديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن الأمل كان دائما وقت المحن . فيوم غزوة الخندق عندما كان المسلمون محاصرين وكانوا يتعرضون لما هو أصعب مما نتعرض له الآن، عرضت لهم صخرة غليظة أثناء حفر الخندق لم يستطيعوا تحطيمها، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب به ضربة، فلمعت تحت المعول برقة، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا"، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم ضرب به الثالثة، فلمعت برقة أخرى، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا". فكبر المسلمون عند ذلك واستبشروا، وقالوا: موعود صادق بار، وعدنا النصر بعد الحصر والفتوح. (طبقات ابن سعد ج 3/83، ومسند الإمام أحمد ج4/303). يأتي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأمل في وقت المحنة.يا أمة محمد، الأمـــل مازال موجوداً في أن تستعيد أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوتها، مادامت الروح فينا، ومادمنا نصلي لله تعالى، ونقول الله أكبر، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله. إخـــــــــــــواني حددوا أهدافكم، ولا تفقدوا الأمل في تحقيقها. جزاكم الله خيراً، ونراكم على خير في السنة القادمة بإذن الله، والسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. جميع حقوق النشر محفوظة يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع |