|
بسم الله الرحمن الرحيم, والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الموضوع هو.. حياتنا نصنعها بأيدينا, فالمعنى واضح, من الذي يصنع الحياة؟ الموضوع به شقين: 1- الشق الأول: ديني 2- الشق الثاني: حياتي الموضوع سيغوص في علاقة الرجل مع زوجته, في الفشل والنجاح في العمل, في نجاح الزوجات في تربية الأولاد، وفي علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى.إذن ,حياتنا نصنعها بأيدينا, يعني دين ودنيا. فمن الذي يصنع حياتنا؟ هل هي الظروف؟ أم نحن القادرون على أن نجعل حياتنا بالصورة التي نريدها؟ إذا كانت الظروف, فمثلاً, عندما نسأل الطالب الذي لم يذاكر وقد قرب موعد امتحانه عن السبب وراء إهماله, فيقول: لا يهم, لأنني لن أجد عملاً مناسباً, وإن وجدت, فلن يحقق لي ما أريد. فكل الخريجين سواء في مجال العمل.وعندما نسأل أيضاً العامل في وظيفته لماذا لا يجتهد في عمله؟ فيكون رده أنه بسبب الظروف الاقتصادية...إلخ، وذلك من الأسباب الواهية, بجانب قول إنه لن يتحقق المزيد باجتهادي. لو نتوجه أيضاً بالسؤال إلى الزوجة ونسألها: لماذا لا تهتمين بزوجك وتحاولي أن تسعديه وتوفري له الحياة السعيدة الهادئة؟ فسنجد أيضاً أسباباً واهية، وتبدأ بالقول أنه لا فائدة من كل ذلك، فمهما فعلت، زوجي دائماً مع أصدقائه, وخارج البيت معظم الوقت, ولا أستبعد أن ينظر إلى غيري. فلم أبذل جهداً من أجله؟ لا يوجد فائدة!... فالعالم تغير من حولنا بسبب الفضائيات والإنترنت...الخ. وأخيراً نقول "الظروف صعبة"! فإذا استمرينا على إلحاق كل فشل أو عدم بذل مجهود للظروف، فبالقطع سنفشل أكثر وأكثر!... ونعاود ونسأل مرة أخرى.. من الذي يصنع الحياة؟ هل هي الظروف المحيطة بنا التي تصنع الحياة؟ أم نحن القادرون على أن نصنع حياتنا كيفما نشاء؟؟ هذا هو الموضوع.
والآن نسأل أنفسنا.. ما الهدف من هذه المحاضرة؟ الإجابة تتلخص في جملة واحدة فقط ألا وهي: "من يوجد لديه حلم، ويعيش من أجل تحقيقه, ويصر على ذلك, فلابد له في النهاية أن يحققه". هذه قاعدة يشهد بها التاريخ. فقل لنفسك أنك قادر على صنع الحياة كما تحب وترضى, بالرغم من كل المعوقات. هذا هو الهدف. للأسف أصبحت كلمة الظروف هي الحجة التي نعلق عليها فشلنا وأخطاءنا، فأصبح الطالب لا يذاكر جيداً, والزوجة لا ترعى زوجها, و لا أحد يجيد العبادات مع الله سبحانه وتعالى, والأمة في حالة يأس، كل ذلك معلق على كلمة الظروف! يقول علماء النفس, وبالتحديد فرويد, هناك ثلاثة عوامل رئيسية هي التي تصنع حياة الإنسان. فأي قرار يتخذه الإنسان في حياته أو تصرف معين يصدر منه, فهو نتيجة ثلاث مؤثرات, ما هي؟.. المؤثر الأول: ـــ هو المؤثر الجيني, أي المؤثر الوراثي. فمثلاً,عندما يوجد شخص ما ويتصف بالبخل, فهذا يكون حقاً خارجاً عن إرادته, وذلك لأنه وجد الأب أو الجد أو عائلته كذلك، فلا لوم عليه. فلا أحد يستطيع أن ينكر حقيقة أن الجينات تؤثر. المؤثر الثاني: ـــ هو المؤثر التربوي, أي مثلما تربى الفرد عند أبويه, فالرجل الذي نشأ على صورة أبيه وهو يضرب أمه، فتجده عندما يتزوج يتصرف بنفس الطريقة مع زوجته ويضربها أيضاً، فلا لوم عليه، هذا خارج عن إرادته، فهذا نتاج تربية السنين. أيضاً, الفتاة التي تفشل في زيجتها, نتيجة أنها كانت مدللة للغاية من أبويها، فلا لوم عليها أيضاً, لأنها تربت ونشأت على ذلك. المؤثر الثالث:ـــ هو المؤثر البيئي, فمثلاً الفتاة التي تربت على الحياء وعندما دخلت المدرسة أو الجامعة وجدت بعض زميلاتها يتسمون بالجرأة الشديدة، فوجدت نفسها فتاة معقدة بينهم, وبالتالي أصبحت تتصرف مثلهم بجرأة, وذلك أيضاً خارج عن إرادتها. الموظف الأمين الذي لا يقبل الفساد والرشوة, ولكن للأسف محيط عمله يتسم بهذا، ووجد حوله من يقبلون ذلك على أنه أمر طبيعي, فاضطر هو الآخر لقبول الرشوة, وذلك أيضاً خارج عن إرادته. فهل كل ذلك منطقي أم لا؟؟ نعم, إنه منطقي, ذلك يرجع إلى المؤثرات الثلاثة السابق ذكرها والتي تؤثر في حياتنا. ولكن مهلاً, فذلك يدفعنا لسؤال غاية في الأهمية, ألا وهو: إن لم يكن الفرد له دخل في اختيار أبويه, والبيئة التي يعيش بها, والظروف هكذا, فكيف سيحاسبنا الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟؟ فكيف سنحاسب على أشياء لم نرتكبها بأيدينا؟؟ فالسؤال هنا.. من الذي يصنع حياتنا؟ هل هذه المؤثرات الثلاث هي التي تصنعها؟ أم نحن؟؟ الرد هو:نعم, هذه المؤثرات تصنع شخصياتنا, ولكن بجانب ذلك نقطة هامة جداً, ألا وهي الإمكانيات التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لعباده. ولعل الفرد يظن أن الإمكانيات هذه صغيرة للغاية, ولكنها على العكس من ذلك تماماً, إنها أقوى من تلك المؤثرات. وبالتالي فالمطلوب من الفرد أن يستخدم تلك الإمكانيات في قهر المؤثرات المفروضة عليه, وبهذه الطريقة يكون حساب العبد يوم القيامة. لن نجد فرداً إلا ويكون واقعاً تحت هذه المؤثرات الثلاث أو واحدة منهن على الأقل. والمطلوب الآن أن تحصر إمكانياتك التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لك, وبها تحاول أن تقهر تلك المؤثرات الثلاث وتنتصر عليها, وبذلك تكون قد نجحت في الدنيا, وتدخل الجنة في الآخرة, إن شاء الله. فهذه هي قصة الحياة, وهذا هو الرد على علماء النفس. وعلى كل من يسأل كيف يحاسبنا الله سبحانه و تعالى يوم القيامة على أشياء لم نرتكبها وكانت خارجة عن إرادتنا نتيجة المؤثرات السابق ذكرها. وهذه هي الفكرة من المحاضرة، فهناك عدة أمثلة لأفراد تغلبوا على تلك المؤثرات وأصبحوا ناجحين في حياتهم. فالمطلوب الآن هو الصحوة الداخلية، وقل لنفسك أنك ستنجح، فإن كنت مثلاً غير قادر على أن تكون متديناً, فقل لنفسك: لا, سأحاول، وسأنجح في أن أكون متديناً لأنال رضا الله سبحانه وتعالى. ويا من تريدين أن تستعيدي زوجك مرة أخرى، وأن تسعديه وتجعليه يحبك, إن وضعت هذا الهدف أمامك, فستحققينه إن شاء الله. الرجل الذي يقول إن عمله به معوقات شديدة, فقل لنفسك أنك ستنجح وستقهر هذه المعوقات. وهذا هو الهدف الأساسي من هذه المحاضرة. قل لنفسك أنك لن تفشل مرة أخرى, وستنجح إن شاء الله, في الدنيا والآخرة أيضاً. واسأل نفسك: ما الذي تملكه من إمكانيات؟ إننا جميعاً نمتلك قوة غير عادية, ألا وهي العقل. فإنها إمكانية غير عادية، ولا ننتبه إليها للأسف, فلو كان عندك مؤثرات كالجبال, بالعقل وحده تستطيع أن تقهر هذه الجبال. وللأسف فإن إمكانية العقل موجودة لدينا ولكننا للأسف لا نستخدمها. إنها إرادة داخلية وطاقة غير عادية, ولكنها غير مستخدمة, لأنها مكبوتة, فعندما نفجر هذه الطاقة ونوجه الإرادة في التغلب على كل المعوقات والمؤثرات المحيطة بنا, فحتماً ستتفتت تلك المعوقات وننجح ونحقق أهدافنا. فتلك الإرادة قد غرسها الله سبحانه وتعالى داخل الإنسان, كطاقة داخلية كامنة، ولكن ينقص استخدامها. ومثال على ذلك, الإمام أحمد بن حنبل, حيث مر بعدة محن، ومنها دخوله السجن, وعندها قال: والله لا أخشى السجن, فما هو وبيتي إلا واحد, ولا أخشى من القتل؛ ولكني أخشى من فتنة السوط, فإمكانياتي البشرية لن تقدر على احتمال ضربة منه! فشاء الله سبحانه وتعالى أن يمتحن في هذه النقطة، ألا وهي ضربه بالسوط. فعند هذه اللحظة, حيت تم ضربه بالسوط, كان وجهه مضطرباً للغاية, ويقول لنفسه: أني لن أقدر على التحمل, طاقتي غير قادرة على تحمل ذلك. فيشاء الله عند وقوع لحظة ضربه, أن يؤتى بفرد من المقيمين داخل السجن, وهو لص, ويدعى بأبي هيثم الطيار، وسمي بالطيار لأنه تعود على السرقة, وهو دائم الدخول إلى السجن من كثرة سرقاته, أن يمر ذلك اللص من أمام الإمام أحمد بن حنبل لحظة تنفيذ الحكم عليه بالجلد، وقد لاحظ مدى الاضطراب في وجه الإمام, فنظر إليه وقال له: "يا إمام, اثبت على الحق, فإن عشت, عشت حميداً, وإن مت, مت شهيداً". فيقول الإمام: فكأنما بعثني من جديد! وعاود اللص وقال له: "أتدري يا إمام, لقد ضربت بالسوط في ذلك السجن ثمانية عشر ألف ضربة وأنا على الباطل،.ضربت من أجل الشيطان فثبت. فأثبت أنت من أجل الرحمن". وعند ضرب الأمام، كان يقول جلاده: "لقد ضربته بالسوط أشد الضرب على ظهره, والرجل لا يتكلم إلا بكلمة واحدة.. لا اله إلا الله، حتى سقط في دمائه, فشق على أن أتركه هكذا, فقلت له: أتريد أن آتيك بشربة ماء دون أن يدري أحد؟ فقال الإمام: إني صائم". فكيف كان منذ لحظة مرتجفاً قلقاً وأصبح الآن لحظة ضربه بكل هذه القوة والصلابة والجلد؟! فهذا يجعلنا ننتبه للإرادة الداخلية المدفونة فينا, والتي للأسف لا نستخدمها, وذلك يرجع إلى الكسل في تفكيرنا بكيفية استخدامها والانتفاع بها. فمن كثرة الاستسلام للظروف, والقبول بالأمر الواقع, وعدم بذل الجهد، تموت بداخلنا هذه الطاقة. من منا ليس بداخله أحلام يريد أن يحققها؟ ولكنه أصبح يائساً! فمثلاً, كم منا تمنى أن يبقى طائعاً لله, ولكن بمجرد تعرضه للحظة ضعف, تجده يقع في المعصية! وذلك يرجع إلى أنه شخص ضعيف حتماً. فأنت تستطيع بهذه الطاقة أن تنجز وتحقق كل ما تريد, ستنجح في عملك, وستبذل الزوجة كل طاقتها من أجل إسعاد زوجها، هيا,فجّر هذه الإرادة التي بداخلك. فإذا كان الله قدر علينا مؤثرات شديدة, ففي نفس الوقت أعطانا إمكانيات عظيمة إن تفجرت في داخلنا، فأول شيء سينبع منها هو الإرادة. ولكن, هل هناك إمكانيات أخرى أعطاها الله لنا وبإمكاننا أن نستخدمها؟ نعم, إن هناك إمكانية أخرى أعطاها الله إيانا ولكننا للأسف أيضاً لا نلتفت إليها, ألا وهي إمكانية ذكر الله سبحانه وتعالى. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الذكر يقوى البدن". فعندما ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبى طالب يشكون من كثرة الأعباء عليهم من شؤون بيتهم ويطلبون منه إرسال خادم إليهم لكي يساعدهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على أفضل من ذلك؟" فقالا: نعم يا رسول الله. قال: "عندما تأوي يا علي أنت وزوجتك إلى الفراش فقولا سبحان الله ثلاثاً وثلاثين والحمد لله ثلاثاً وثلاثين والله أكبر ثلاثاً وثلاثين". فيقول علي بعد ذلك: فوالله ما احتجنا بعد ذلك الذكر إلى خادم. فحقاً الذكر يقوى البدن والعقل, ويزيل هم النفس. وضمن الأمثلة أيضاً الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. جميع حقوق النشر محفوظة يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع |