|
سيموت أعز اثنين إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ السيدة خديجة وعمه أبو طالب في نفس الشهر، أبو طالب الذي كان يحمي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ من الإيذاء في الطرقات وفي الدنيا ويحميه من القتل والإيذاء الشديد، وخديجة الحضن الدافئ للنبي _ صلى الله عليه وسلم _. توفى الاثنان في شهر واحد. إذا كنت أنت من يختار موعد وفاتهم، فمتى تختار الموعد؟ بعد انتشار الإسلام؟ بعد أن يكون قوياً؟ ولكنهما ماتا في ذروة الأزمة وكأن الله يقول له: من لك غيرنا يا رسول الله؟ هل لك من يقف إلى جوارك؟ لقد أخذنا كل من كان يقف إلى جوارك، ليس لك إلا الله. المعنى أنه عندما يتخلى عنك الجميع وتظلمك الدنيا في عينيك فلا تقل: (لماذا يا الله؟) فإنه يقول لك: (من لك غيري؟ ألا تعود إلي!) فهل يئس النبي _ صلى الله عليه وسلم _ عندما ماتت السيدة خديجة وأبو طالب؟ لا لم ييأس، وخرج سيراً على الأقدام 100 كم ليدعو أهل الطائف للإيمان وكانت سِنه وقتها 50 عاماً! ويصل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ إلى الطائف ويعرض الإسلام على زعمائها الثلاثة وها هي ردودهم: الأول: أما وجد الله من هو خير منك يرسله؟ الثاني: والله لو رأيتك متعلقاً بأستار الكعبة تقسم أنك نبي ما صدقتك. الثالث: إما أن تكون نبياً حقاً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإما أن تكون كذاباً فأنت أدنى من أن أكلمك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أبيتم أن تسلموا فلا تخبروا قريشاً أنني جئت إليكم) حتى لا تعرف قريش برغبة الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في الاستعانة بأهل الطائف عليهم، فقالوا والله لنخبرنهم، فقال: (إن أبيتم هذا وهذا فدعوني أذهب) فقالوا لا، لا تذهب حتى نسلط عليك الناس يضربونك بالحجارة، ويمشي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ والطائف متراصة في صفين تضربه بالحجارة، فيأتيه ملك الجبال ويقول: لو شئت يا محمد أطبقُ عليهم الأخشبين، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله)، فيخرج النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ومعه زيد بن حارثة، ويلقي عليهما أهل الطائف الطوب والرمل والحجارة، ويحضن زيد بن حارثة الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ حتى يتلقى الحجارة عنه، ويمتلئ رأس زيد بالدم، والرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يجري على طوب حتى تمتلئ رجلاه بالدم، فيبحث عن مكان يختبئ فيه. فكيف نترك سنن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ والذكر؟ كيف لا نقلد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في أخلاقه وهي أغلى ما في سنته؟ إنه لشيء مخجل، تخيل أباك في هذا الموقف، تخيله يفعل كل ذلك من أجلك. وأخيراً يجد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ بستاناً صغيراً فيدخله ليختبئ فيه، ورجلاه ممتلئتان بالدم، ورأس سيدنا زيد ممتلئ بالدم، فأول ما يفعله النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وقبل أن يداوي جراحه هو أن يدعو الله بالدعاء المشهور الذي نستشعره تماماً في هذه الأيام: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس.. أنت رب العالمين.. أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمن أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي). وفي وسط كل هذه المعاناة يرسل الله له رسالة ربانية، صبياً غير مسلم يمر به وينظر إليه نظرة شفقة فيقدم له طعاماً، فقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قبل الأكل بصوت عال بسم الله، على الرغم من كل التعب والألم الذي كان يمر به النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في هذا الوقت، فقد كانت قضيته الأخذ بأيدي الناس، فقال الصبي حين سمع ذلك: إن هذه الكلمة لا يقولها أهل هذه البلاد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ فقال الصبي: عباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا عباس؟ فقال الصبي: من نيهاوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بلد الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال الصبي: أو تعرف يونس بن متى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي فانكب عباس على قدمي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يقبلها، وكانت هذه المرة الوحيدة في السيرة التي يقبل فيها أحد قدمي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لماذا هذه المرة بالذات؟ أليست هاتان القدمان هما اللتين ضُربتا بالحجارة! هاهي تقبَّـل الآن! إن الله يرسل في أحلك اللحظات من يخفف عنك، ولكن أهم شيء أن تفهم عن الله _ عز وجل _ وتعرف أن الله هو الذي أرسل من يخفف عنك، فالله ليس غاضباً عليك، وبعد هذا الحادث بأسبوعين، تأتي رحلة الإسراء والمعراج، ويريه الله مقامه عنده في السماء بعد أن آذاه أهل الأرض. ويعود النبي _ صلى الله عليه وسلم _ من الطائف ماشياً 100كم، وفي الطريق يصلي قيام الليل، إنها أحب عبادة لله بعد الفرائض، وتسمعه الجن وهو يصلي قيام الليل فتؤمن، فهاهي أمة أخرى تؤمن، فبعد أن آذوا الإنس الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ [فالأمر ليس بيد الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ لأن الهادي هو الله، فليس عليه إلا بذل الجهد، والله هو الذي يأتي بالنصر من المكان الذي يريده] استمع الجن للقرآن وآمنوا. {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} ويعود الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ إلى مكة ويستمر فيها ثلاث سنوات، يبحث عن بلد أو قبيلة تستقبله، كأنه يقول أبحث عن من يُمَكنني من تبليغ دعوة ربي، وكل القبائل ترفضه، إلى أن قابل ستة شباب في سن العشرين، وكانوا من المدينة، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا، ثم قال لهم النبي _ صلى الله عليه وسلم _ اذهبوا إلى المدينة وعودوا إلي بعد سنة، وعادوا في السنة التالية اثني عشر! فأرسل الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ معهم شاباً جميلاً وهو مصعب بن عمير، وقال لهم اذهبوا وعودوا إلي السنة القادمة، فعادوا إليه السنة التالية وعددهم اثنان وسبعون رجلاً وامرأتان! فقال لهم الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ عودوا وسألحق بكم في السنة القادمة، وعندما لحق بهم وجد المدينة وليس بها بيت يخلو من مسلم! وكل ذلك أتى من ستة شباب! فإذا كان الشباب بخير فستكون الأمة بخير. ومضى من مدة البعثة ثلاثة عشر عاماً، وهكذا وصل الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ إلى المدينة، ولكن بلا راحة، فقد بدأت عشر سنوات من الجهاد المتواصل، جهاد وغزوات، مشقات ومشقات، وكان عمر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في أول غزوة _ وهي غزوة بدر _ خمساً وخمسين سنة. وفي غزوة بدر يقطع الصحابة مسافة من المدينة إلى بدر قدرها 150كم، ولكن ليس لديهم دواب كافية، فكان كل ثلاثة يستبدلون البعير والنبي _ صلى الله عليه وسلم _ مثلهم، فقد كان يتبادل البعير مع اثنين وهما علي بن أبى طالب ومرسب بن أبى المرسب، معنى ذلك أنه كان على الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ أن يمشي 100كم لأنه سيركب ثلث المسافة ويمشي ثلثي المسافة، وكان عمره خمسة وخمسين عاماً! ولكن سيدنا علي كان عمره 21 سنة ومرسب 22 سنة، فخجلا من التبديل مع النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فقالا له أنت تركب ونحن نمشي، فاحمر وجه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وقال: (لا، والله ما أنتما بأقدر على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الثواب منكما). وفي غزوة أحد، كان عمر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ستا وخمسين سنة، وتحدث أصعب المواقف، حيث ينكسر المسلمون ويجري الجيش، ولا يبقى حول رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إلا عشرون رجلاً وامرأة واحدة وهي أم عمارة مثيبة بنت كعب (أتت لتسقي الجرحى) فبعد أن جرى الجميع ظلت أم عمارة واقفة إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم! وبدأ الناس بالتفرق، وعُيِـيَ النبي _ صلى الله عليه وسلم _ من القتال، ويأتي عبد الله بن قمئة الذي خرج إلى المعركة خصيصاً لقتل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وتراه أم عمارة يقترب من رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فتمسك سيفاً وهي لا تعرف القتال وتجري إلى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وتقف أمام عبد الله بن قمئة وهو لا يريد أن يقتل امرأة، لأن ذلك ليس من عادات العرب فحاول أن يتفاداها وهي مصرة، فاغتاظ منها وضرب السيف من يدها. تقول أم عمارة : فهممت أن أجري، فنظرت فإذا النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وحده، فقلت والله لا يصل إلى رسول الله إلا على جسدي. تخيلوا أنكم أم عمارة، ولا تدعوا أحداً يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قد مات فسنته لاتزال حية. فيغتاظ عبد الله بن قمئة ويبدأ يضربها على كتفها بالسيف حتى خارت عظام الكتف، ويقول ابنها حبيب ابن زيد: لقد وجدت في كتف أمي بعد غزوة أحد جرحاً لو وضعت به قبضة يدي لدخلت! وسقطت المرأة على الأرض من شدة جراحها، فكانت هناك نافورة من الدماء تنفجر من كتفها، فهرع إليها ولدها ينقذ أمه التي كادت أن تموت، فتقول له دعني، أدرِك رسول الله، فيراها النبي _ صلى الله عليه وسلم _ تفعل ما تفعل فيقول: (من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة) فترد عليه قائلة: أطيق وأطيق وأطيق، ولكني أسألك مرافقتك في الجنة، فيرد عليها النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قائلاً: (لستِ وحدك بل أنت وأهل بيتك، ورفع النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يديه إلى السماء وقال: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة، اللهم إني أشهدك أني راضٍ عن أهل هذا البيت) ثـم قال: (أنتم رفقائي في الجنة، أنتم رفقائي في الجنة). وهاهي حياة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وجهاده، جهد.. عرق.. فكر.. صدق.. إخلاص.. إيمان.. وليس المعنى من جهاد الدعوة فقط أن يموت الأب، وتموت الأم، ويموت الجد، ويموت العم، وتموت الزوجة الحبيبة، ويموت العم الحبيب حمزة الذي تقطع أمام عيني الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ ويموت الأصحاب، ويترك بلده، ويربط على بطنه الحجر من شدة الجوع والفقر، ويموت له سبعة عيال في كل مراحل عمره، ويموت أحفاده، ولكن لم كل هذا يا رسول الله؟ لا تظن أبدا أن شدة الابتلاء تعني أن الله يكرهك، فقد يبتليك لكي يرفعكَ درجاتٍ ويدخلك الجنة، وآخر من يموت من أبنائه إبراهيم الذي ولد والنبي _ صلى الله عليه وسلم _ في الستين من عمره، وعندما ولد إبراهيم فمن فرط حب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ له كان يأخذه، ويذهب به إلى بيوت الصحابة، ويقول لمن يفتح له: انظر إلى ابني إبراهيم، وعندما اقترب إبراهيم من عمر السنتين، يموت وهو في حضن أبيه، وينظر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ إلى مارية المصرية أم إبراهيم، وهي تبكي بشدة فيقول لها: (ابكي ولكن اعلمي أنه ابني وسيكمل الله فطامه حتى يدخل الجنة) وعلى الرغم من كل شيء وفي وسط كل هذه الصعوبات، كان يتبسم النبي _ صلى الله عليه وسلم _ دائماً، ويوم موت ابنه يدخل بيته، ويرفع يده إلى السماء ويقول: (لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك). ومع كل ذلك فإنك لا تراه مع زوجاته إلا مبتسماً! فيقال كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ضحاكاً في بيته، أي كان يضحك ويضحِك زوجاته، فكان يأخذ زوجته في وسط كل هذه المشكلات إلى الخلاء، ويقول سابقيني يا عائشة، تقول: فسابقته فسبقته، فقلت سبقتك يا رسول الله، تقول: فظل يطعمني اللحم أسبوعاً _ وهي لا تفهم السبب _ ثم أخذها بعد أسبوع وقال لها سابقيني يا عائشة، تقول: فسابقته فسبقني، فقال لها: (هذه بتلك). ألا ترون الآن أنه يستحق أن يكون قدوة في كل شيء، هل تجلّى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في قلوبكم الآن؟ هل عزت عليكم سنته؟ ولكن ما هي سنته؟ إنها ببساطة شديدة أخلاقه وعباداته، ولا يهملن أحدكم الأخلاق فهي في غاية الأهمية، إنها رحمته..وفاؤه..عطفه على النساء. والآن وبعد ثلاث وعشرين سنة من الكفاح كبر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ولم يكن يستطيع أن يصلي السنة وهو قائم فكان يصلي جالساً، ويدخل عليه سيدنا عمر ويداعبه فيقول: شِبتَ يا رسول الله؟ ولم يكن في النبي _ صلى الله عليه وسلم _ من الشعر الأبيض إلا القليل، فقال: (نعم يا عمر شيبتني سورة هود) فقال لِمَ يا رسول الله؟ قال: (آية يا عمر في سورة هود شيبتني، قال الله تعالى في سورة هود: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}. ويخرج النبي _ صلى الله عليه وسلم _ إلى حجة الوداع ويقول الآية الشهيرة التي تعد عيداً: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} فيفرح كل الصحابة إلا سيدنا أبو بكر فقد بكى، فسألوه ما يبكيك؟ فقال: هذا نعي رسول الله، ويعود الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ من حجة الوداع، وقبل وفاته بتسعة أيام تنزل آخر آية: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، ثم يقول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ للصحابة: (أريد أن أزور شهداء أحد) ويقول: (السلام عليكم يا شهداء أحد أنتم السابقون وأنا إن شاء الله بكم لاحق) وهو راجع من أحد وجد الصحابةُ أن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: (اشتقت إلى إخواني) قالوا أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ فقال: (لا أنتم أصحابي أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني). ويعود الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ ويشتد عليه الألم ويدخل بيت زوجته السيدة ميمونة لأن هذا اليوم كان دورها، ومن شدة الألم يقول اجمعوا لي زوجاتي ويسألهن من شدة أدبه: (هل تأذنّ لي فأمَرّض في بيت عائشة) فقلن أذنا لك يا رسول الله، فأراد أن يقوم فما استطاع، فجاء علي بن أبى طالب والفضل بن العباس فحملا النبي _ صلى الله عليه وسلم _ إلى بيت السيدة عائشة، فرأى الصحابة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وهو ذاهب إلى بيت عائشة محمولاً وكانت أول مرة يرونه في هذه الحالة ففزعوا واجتمعوا في المسجد، ودخل منزل السيدة عائشة وهو يتصبب عرقاً، فكانت تأخذ يد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وتمسح بها وجهه، فيتعجب الناس ويقولون لم لا تمسحين عرقه بيدك فتقول لأن يد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أكرم من يدي، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) وهو في هذا التعب يسمع صوت الناس من المسجد يأتي مرتفعاً فيسأل ما خطبهم فتقول اجتمع الناس في المسجد وهم يخافون عليك يا رسول الله، فيقول احملوني إلى المسجد، ووقف على المنبر لآخر مرة ليخطب آخر خطبة فقال: ¨ أيها الناس من كنت قد جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه. ¨ أيها الناس من كنت قد شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه. ¨ أيها الناس من كنت قد أخذت منه مالاً فهذا مالي فليستقد منه. فخاف الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ أن يكون الناس محرجين منه فقال: ¨ أيها الناس لا تخشوا مني الشحناء، فإنها ليست من طبعي، لكنني أحب أن ألقى ربي وليس علي شيء في الدنيا، فقال رجل يا رسول الله لك علي ثلاثة دراهم، فقال الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ جزاك الله خيراً قم يا عباس، فأعطاه الدراهم الثلاثة وتهلل وجه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ثم قال: ¨ أيها الناس لكأنكم تخافون علي، فبكى الناس فقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أيها الناس موعدكم معي ليس الدنيا، موعدكم معي عند الحوض والله لكأني أنظر إليه من مقامي هذا. ¨ أيها الناس والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم. ¨ أيها الناس راعوا الله في الصلاة، أوصيكم بالنساء خيراً. ¨ أيها الناس إن عبداً خيره الله بين الدنيا ولقاء الله فاختار لقاء الله. ولم يفهم أحد ما يقصد إلا واحد قام في وسط الخطبة على غير عادة الصحابة وبكى وانتحب قائلاً فديتك بأبي فديتك بأمي فديتك بزوجي فديتك بولدي، وقد كان سيدنا أبو بكر، فبدأ الناس ينظرون إليه كيف يقاطع النبي صلى الله عليه وسلم! فأوقف النبي _ صلى الله عليه وسلم _ الخطبة خشية على أبي بكر وقال: ¨ أيها الناس دعوا أبا بكر، فما منكم من أحد أعطاني شيئاً إلا كافأته به، إلا أبا بكر لم أستطع مكافأته فتركت مكافأته إلى الله عز وجل، كل الأبواب تغلق عن المسجد إلا باب أبي بكر لا يغلق أبداً. وبدأ يدعو قبل أن ينزل عن المنبر: آواكم الله.. ثبتكم الله.. نصركم الله.. حفظكم الله.. راعاكم الله، وقال قبل أن ينزل: أيها الناس أبلغوا مني السلام كل من تبعني إلى يوم القيامة. ونزل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وعاد إلى بيته، ودخل على السيدة عائشة أخوها عبد الرحمن وبيده سواك، ونظر إليه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وهو لا يستطع الكلام وقد كان يريد السواك، ففهمت السيدة عائشة وأخذت السواك من عبد الرحمن ووضعته في يد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فوضعه في فمه ولكنه لم يستطع أن يستاك؛ فقد كان شديداً على لثته، فأخذته السيدة عائشة واستاكت به لتلينه له فاستـاك به، وكان آخر ما دخل جوف النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ريق زوجتـه، ثـم قال: (أخرجوا من في البيت... تعالي يا عائشة) ووضع رأسه في صدر السيدة عائشة، فلم يمت نبي الأمة الخاتم وهو ساجد ولا وهو يجاهد ولا وهو يقرأ القرآن، لكنه مات على صدر زوجته! إن اختيار الله لهذه الميتة رسالة الله للأزواج والزوجات، ويرفع النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يده إلى السماء قائلا: (بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى)، وكانت السيدة عائشة فطنة ففهمت من كلمة "بل" أن ملك الموت يخير رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وقد كان جبريل قد دخل وقال: السلام عليكم يا رسول الله، فقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وعليكم السلام يا جبريل، ففهمت السيدة عائشة أن جبريل قد حضر، فيقول جبريل: ملك الموت بالباب يستأذن ليدخل عليك ولن يستأذن على أحد من بعدك، فتسمعه السيدة عائشة يقول: ائذن له يا جبريل، فيدخل ملك الموت ويقول: أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين لقاء الله، فيرد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ مسرعاً ويؤكد بمحاولته رفع يده التي لم يكن يقوى على رفعها قائلاً: بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى، فيأتي ملك الموت عند رأس النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كما سيأتي عند رؤوسنا ويقول: أيتها الروح الطيبة روح محمد بن عبد الله، أخرجي إلى رضا من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان، فتسقط يد النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وتثقل رأسه على صدر السيدة عائشة، تقول السيدة عائشة فعرفت أنه قد مات فلم أدر ماذا أفعل، فوضعته من فراشه، ومن حيرتها خرجت من باب البيت الذي كان يؤدي إلى المسجد ولم يكن يخرج منه إلا رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فأما علي بن أبي طالب فأقعد ولم يستطع الوقوف. وأما عثمان بن عفان فصار كالطفل يأخذون بيده. وأما عمر بن الخطاب فرفع السيف وقال: من قال أنه قد مات قطعت رأسه.. إنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه وسيعود. وأما أثبت الناس فكان أبو بكر، دخل عليه أولاً يتأكد أنه قد مات، وقبله بين عينيه، وقال: ما أطيبك حياً وما أطيبك ميتاً يا رسول الله، واحتضنه بشدة وبدأ يبكي ويقول واحبيباه! واخليلاه! وانبياه! واصفياه! وارسولاه! وخرج على الناس ليقول كلمته المشهورة: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقرأ الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}. هكذا كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ حياً وميتاً، فهل أحببته؟ يعينك على حب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أربعة أشياء: كثرة الصلاة عليه، دراسة سيرته، إتباع سنته، زيارة مدينته. جميع حقوق النشر محفوظة يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
|