|
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الصدق صفة ملازمة للأنبياء، فهي صفة لصيقة بالنبي وكلما امتدح الله عز وجل نبيا في كتابه، وصفه بأنه صادق، صدّيق. "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدّيقاً نبياً"، "واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبياً"، "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً". سورة مريم. وهكذا نرى أنها كانت صفة لصيقة بالأنبياء لدرجة تصل للكمال الذي لا يضاهيها ريبة واحدة أو يشك فيها لحظة واحدة، إذن فهي صفة أساسية في النبي. كان النبي بين أهله وعشيرته يتصف بصفة "الصادق الأمين"- قبل بعثته وبين أصحابه وأتباعه بعد البعثة هو "الصادق المصدوق". - حتى أنه يوم صعد فوق جبل الصفا – بعد 3سنوات من بعثته – عندما أمر بالجهر بالدعوة: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"(سورة الحجر 94), يصعد الجبل ويقول كلاما هو أقرب لعدم التصديق حتى يختبر إلى أي مدى هم يصدقونه. يجمع القبائل كلها و ينادي فيهم: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خلف هذا جبل خيلاً تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقي؟ - ومن سافر للحج أو العمرة يعلم أن جبل الصفا قصير، وسهل رؤية الخيل لو كانت وراءه فعلاً – فقالوا: ما جربنا عليك كذباً قط، فقال: فإني لكم نذير بين يدّي عذاب شديد". حتى أبو لهب عندما قام ليرد عليه لم يستطع أن يقول له أنت كاذب، إنما قال له تباً لك, أجمعتنا لهذا؟ - أرأيتم الصفة راسخة عند النبي لأي مدى؟ أما بعد البعثة فهو الصادق المصدوق. يروي ابن مسعود : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة – ويأتي العلم الحديث ليثبت هذه الحقيقة والتي كان لا يتخيلها الصحابة وقتها – ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح .. إلى آخر الحديث. هذا الكلام لم يشهده الصحابة مثلما شهدنا نحن اليوم مع التقدم والسونار الذي يحدد اليوم عمر المولود، لكن الصحابي عندما روى الحديث قال : حدثنا الصادق المصدوق وصدقوا فعلاً ما قاله النبي. إذن نحن نتحدث عن صفة الأنبياء الأصيلة واللازمة لهم وخاصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتخيل لو أنه ثبت على أحد الأنبياء أنه كذب ولو مرة هل سيصدق بعد ذلك في رسالته؟ بل إن الله سبحانه وتعالى لا يعاملنا إلا صدقاً، يقول الله تبارك وتعالى: "الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، ومن أصدق من الله حديثاً" ويقول أيضاً: "والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، وعد الله حقاً، ومن أصدق من الله قيلاً".( سورة النساء). هل تصدق بيوم القيامة ؟ وبالجنة تمام اليقين؟ فليس هناك أصدق من الله إذن إذا كنت مصدّقا بالجنة، فأين استعدادك لها؟ أمستعد أنت ليوم القيامة؟ وإذا كنت مصدّقا بالنار فأين خوفك منها؟ وستجد أن هناك معاني كثيرة مشتقة من الصدق لا نلاحظها : مثل : كلمة صديق : هي مشتقة من الصدق، لأن الصديق هو الذي يصدق في معاملته لك فلا يخونك أبداً. الصدقة: لا تتعجب، فهي دليل صدقك مع الله بشكل عملي, إذن فهي من الصدق.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة – وكأن الصدق طريقك للجنة مباشرة – وإن الرجل ليصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار- وكأن طريق النار من الكذب – وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً". بالله عليك ماذا تريد أن تكتب عند الله؟ تخيلوا إنه من الممكن أن يكون بيننا من يكتب عند الله كذاباً ويحشر يوم القيامة بهذه الصفة، ويقرأ صحيفته كلما قلب فيها وجد نفسه منعوتا عند الله بأنه كاذب حتى أن الملائكة تعرف أن هذا كذاب. وآخر بسيط جداًَ ممكن يكون طالب أو امرأة في بيتها تتحرى الصدق وتأتي يوم القيامة وينادى عليها هكذا. (الصدق يهدي إلى البر) : اختار النبي كلمة يهدي وكأن الصدق هو الذي يأخذ بيدك إلى الجنة، وإذا كذبت فسيأخذ الكذب بك إلى النار. وانظر لكلمة (يتحرى) : أي أنك تبحث عن الدقة في صدقك فلا تترك كذيبة. (الكذب يهدي إلى الفجور): اختار "الفجور" لأنها الاسم الجامع لكل أنواع الشرور وكأن كل الشر يأتي بسبب الكذب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا كذّبتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم". حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " من يضمن لي ما بين لحيّيه – عظام الفك ويقصد اللسان – وما بين رجليه – يقصد الفرج – اضمن له الجنة" من الضامن هنا؟ النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح ( رواه الترمذي). يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" (رواه الترمذي). وكأن النبي يعبر عن دخائل نفسك، وأنت تصدق الحديث بم تشعر؟ الراحة والاطمئنان, أليس كذلك؟ لا تشعر بقلق، لا تشعر بتردد، وجهك لا يتغير لونه من الكذب. وإذاً فهنا الحديث علمنا أننا عندما نتعامل مع الصادق نشعر بالطمأنينة وعندما تتعامل مع الكاذب أنت قلق، لا تعرف ماذا سيفعل، لا تثق فيه. فتخيلوا لو أن المجتمع كله يسوده الكذب، سيكون القلق إلى أي مدى؟ والعكس لو أن المجتمع يسوده الرحمة ويسوده الصدق، الناس مطمئنة بعضها البعض، إذن فالمجتمع تسوده الثقة. حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق وأنت له به كاذب". تتحدث مع صديقك وهو يعتقد أنك صادق وأنت تكذب عليه، ثم تقول لأصدقائك: إنه ساذج لقد صدّقني، إذا كان هو ساذج فأنت خائن عند الله. لذلك لا تغضب إذا فعلها أحد معك، فهو خائن. حديث النبي صلى الله عليه وسلم :" آية المنافق ثلاثة : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان". حديث النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح (رواه الترمذي): "إذا كذب العبد تباعد عنه الملك – الملك الموكل بك – ميلاً من نتن ما جاء به – من نتانة الكذب (الكلام الغير صادق) فإذا كان الأمر كذلك عند الملك، فكيف يكون عند الله؟ الملك بعد ميلاً فكيف سيغضب عليك الله؟ وإذا بعد الملك مَن المسيطر عليك وقتها؟ إنه الشيطان. يقول الصحابة: "ما كان هناك خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب". الذين يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويتمنون أن يحبهم النبي، ويصلون عليه لأنه يعلمون أنه يرد عليهم الآن، هل تريدون أن يبغضكم، فهو يبغض الكذب. يقول الصحابة :" ما كان هناك خلق أبغض إلى رسول الله من الكذب، ولقد كان الرجل يحدث الكذبة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتغير – قلب النبي على الرجل – فلا يزال النبي في نفسه – لا يطيقه – حتى يعلم أنه أحدث منها توبة". نتعلم من هذه القصة نقطتين: 1) وأنت تكذب تخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم تغير قلبه عليك وغضب منك. 2) النبي يظل متغيرا من ناحيتك حتى تتوب. أريت أن الكذب من الممكن أن يُمحى من صحيفتك ويرضى عنك الله إذا تُبت من الكذب. - يقول النبي في حديث له : "أن من علامات الساعة الصغرى كثرة الكذب" أن يشيع الكذب في المجتمعات. - والعلماء يقولون أن من استدام على الكذب أتى بكبيرة من الكبائر تخيل ! ولنبحث هاتين النقطتين: لماذا الكذب من علامات الساعة ؟ لأن الكون قائم على صفة أصيلة وهي الحق "خلق السماوات والأرض بالحق" ، وما الذي يُفسد الحق ؟ السبل الأساسية لهدم الحقائق والمؤدية للباطل هي الكذب، فتخيلوا أن الكذب ينتشر وينتشر حتى يصير المعروف منكرا، والخير شراً، والحق باطلاً – تهدم وتغلب الحقائق كلها حتى لا يعمل الناس أين الحقائق، أين الخير وأين الشر ؟ وقتها تقوم الساعة. وتزول السماوات والأرض لأن الأساس ضاع و هو الحق– ولذلك من علامات حفظ الأرض أن تظل الناس مصدقة ومؤمنة بالحق وتنكر الكذب فتعلم أن ما زال في الأرض بقية. لذلك نقول أن ما زال في بلادنا وأممنا أمل كبير، فمازال الناس تصدق الحق وتعلم الحق وتنظر إلى الحق. إذن لماذا الكذب والاستمرار عليه يعد من الكبائر؟ لأن الكذب يظل يسري على اللسان حتى تصدق نفسك من داخلك وتتخيل أنك على الحق ويمكن أن تتعصب لرأيك ولنفسك مع أنك على الباطل هذه مرحلة ، ثم تنتقل لمرحلة ينتقل الكذب لأفعالك ، أصبحت أفعالك مناقضة لأقوالك ، وأصبحت كل أحوالك وعاداتك وتصرفاتك كذب في كذب .. أنت يقينا من أصحاب الكبائر فأنت تغش ، وتستبيح الحرمات .. لذلك فإن الكذب يفتح باب الكبائر. - ولندلل على ذلك: تعالى نقول لإنسان افعل كل المعاصي ما عدا الكذب. - فتاة تصادق فتى دون علم أهلها.. لن نطلب منها قطع العلاقة ولكننا سنطلب منها ألا تكذب. مرة بعد الأخرى وبعد الإهانات والعقوبات التي ستتعرض لها من أهلها ليس أمامها إلى أن تعود للكذب حتى تستطيع الاستمرار في العلاقة، أو أنها تقطع العلاقة. - في مرة عدت متأخرا إلى المنزل من سهرة حدث فيها معاصي، وطلبنا منك أن لا تذكر الأمر, وسألك أبوك أين كنت؟ ماذا ستفعل؟ - إذن إذا أردت أن تغلق باب الكبائر، أول شيء تفعله أن تقلع عن الكذب ستعاني في البداية لكنك بعد قليل ستفضل أن تقلع عن كل المعاصي والكبائر حتى لا تضطر للكذب. أرأيتم قيمة الصدق؟ - يقولون أيضاً : أن الكذب يؤدي لا محالة إلى النفاق . تخيل ! حتى أن الله سبحانه وتعالى عندما يصنف الناس يقسمهم إلى صنفين صادق ومنافق في قوله تعالى : "ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم".( سورة الأحزاب 24). ما الذي أتى بصفة المنافقين هنا؟ ألا تكون للكاذبين؟ ذلك أن الكاذب لا بد وأن يكون في النهاية منافق. - ولذلك أساس الإيمان الصدق، و أساس النفاق الكذب، لذلك لا يمكن أن يجتمع في قلبك الإيمان والكذب ولا بد أن يطرد أحدهما الآخر. أثر الكذب يوم القيامة: يقول الله تبارك وتعالى: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين" (سورة الزمر 60) وينادي الله يوم القيامة: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم".( سورة المائدة 119). حتى لو أدى الصدق بك إلى مهالك في الدنيا فسينفعك يوم القيامة وتستبشر بهذا النداء ويحدث الله تعالى عن الأنبياء "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ليسأل الصادقين عن صدقهم".(سورة الأحزاب 8) بداية الآية كانت تتحدث عن الأنبياء إذن فهم من سيسألون عن صدقهم فكيف بالكاذبين أن يسألوا عن صدقهم، إذا كان موسى وعيسى ونوح بل ومحمد صلى اله عليه وسلم سيسألهم الله عن صدقهم، فبالله عليك ماذا ستفعل أنت؟ - لا تتعجب من قيمة الصدق فكما قلنا هو قوام السماوات والأرض، وإذا زال ستقوم الساعة. - في حديث الشفاعة للنبي صلى الله عليه سلم ، أن النبي بعد طول موقف الحساب يوم القيامة وهو شيء قاس (خمسين ألف سنة والناس تقف حفاة عراة وتدنو الشمس من الرؤوس) ومن الألم الشديد يبدأ الكافرون يطلبون من الله أن ينجيهم من هذا الموقف حتى لو بدخولهم جهنم، وتذهب البشرية المليارات والبلايين من الناس لكل نبي من الأنبياء يريدون أن يشفع لهم حتى ينتهوا من الحساب ، حتى يقول النبي : أنا لها ، أنا لها – صلى الله عليه وسلم ويسجد تحت العرش وينادي الله سبحانه وتعالى يقول له الله : ارفع رأسك يا محمد ، سل تعط, واشفع تشفع. - إنني أحكي هذه الحكاية ، لأن من ضمن الأنبياء الذين سيلجأ إليهم البشرية في هذا الموقف سيدنا إبراهيم يقولون له : يا خليل الرحمن ، يا أبا الأنبياء اشفع لنا عند الله فيقول سيدنا إبراهيم : "نفسي ، نفسي ، لست لها ، لست لها " ، لقد كذبت ثلاث كذبات منها عندما قلت " بل فعلها كبيرهم هذا " في حادثة تكسير الأصنام .. اعتبرها كذبة مع أنها تورية للحفاظ على الحق ، وفعلها ليثبت للكفار أنهم على الباطل لكنه الصادق الذي ترهف نفسه لأي كذبة ، وشعر أنها كبيرة وتمنع من الشفاعة فما بال الذي يأتي يوم القيامة وحياته كلها كذب ، والمصيبة أنه لا تتأزم نفسه ولا ترهف نفسه لذلك ولخطورة الكذب. - يقول الله تبارك وتعالى و هو يصف نوعية من الناس الكاذبين, الذين تعودوا الكذب أنه سيأتون يوم القيامة يكذبون على الله سبحانه وتعالى ! تخيل. "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" وصل بهم التعود والإصرار على الكذب إلى الحد الذي جعلهم يحلفون بالله أمام الله عز وجل بالكذب ! فيقول الله عنهم, إنهم كذبوا على أنفسهم ولم يكذبوا على الله.
- وهذا هو السبب الأعم عند الناس – زوجة ظلت تشاهد التلفزيون طوال اليوم، وجاء زوجها ليسألها عن الطعام، ستصبح مشكلة ويحدث خصام بينهما مثلا إذا قالت له الحقيقة، فتضطر للكذب (الموقد فيه مشكلة مثلا، …) إذن السبب هنا هو الخروج من المأزق الحرج واعتقادي أن كلمة الكذب هذه هي التي ستنقذني من هذا الموقف. أليس هذا هو السبب الشهير الذي يقع أغلبنا في الكذب بسببه؟ طالب مثلا رسب في الامتحان ، لم يذاكر ، وينتظر أبوه النتيجة لا يستطيع أن يخبره بالحقيقة ، فيقول له أنه نجح ويفاجئ الأب بعد 4 سنوات برسوب ابنه، موظف ولم يخلص في عمله وسأله مديره عن العمل المكلف به ، فيخاف من العقاب فيضطر للكذب .. - المشكلة أنك تعتقد أن هذه الكذبة هي التي ستنجيك، لكن لو علمت أن ما فعلت سيوقعك في شرور ومشاكل أشد، وأنه سيزداد غضب من تريد إرضاؤه عليك كما سيغضب الله منك بل وسيكشف كذبك أمامه. إذن ما رأيك ؟ هل تكذب وتنقذ من موقف اللحظة ثم تكشف بعد ذلك فيكون موقفك أصعب ؟ أم تصدق وتتحمل العقاب ويعرف عنك أنك صادق؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم "تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه ، فإن فيه النجاة" ، حديث جميل – إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم – العلماء يقولون "لو وضع الصدق على جرح لبرأ" ، لو أنك فعلت خطأ ما ومجروح منه ووضعت عليه الصدق لبرأت، وأحيانا العلاج يؤلم الجرح لكنه يشفي في النهاية. - يقول عمر بن الخطاب: "لئن يضعني الصدق – أي يضعني في مرتبة دنيا – وقلما يضع- أحب إلي من أن يرفعني الكذب، وقلما يرفع". أن يكون شكلي سيء أمام الناس وأكون صادق ، خير من أن يكون شكلي جيد أمام الناس وأنا كاذب. - يقول عمر بن عبد العزيز "والله ما كذبت كذبة منذ أن علمت أن الكذب يشين بأهله". - يقول جنيد : " حقيقة الصدق أن تصدق في وضع لا ينجيك فيه إلا الكذب " وهذا هو أعظم الصدق أن تصدق في وضع أنت متأكد فيه أن كلمة كذب واحدة هي التي ستنجيك. سأحكي لك قصة حدثت في عهد النبي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ،و معه (30 ألف صحابي) والحر شديد في شهر أغسطس ، المسافة بعيدة حوالي 1000 كيلو.قبل الخروج بدأ المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم . لكن كان هناك ثلاثة من الصحابة الصادقين لم يخرجوا (تخاذلوا) ومنهم (كعب بن مالك) وهو الذي يروي لنا هذه القصة ، فيقول أخذ كل يوم يمر يقول سألحق بهم غداً ، سألحق بهم غداً، حتى قطعوا مسافة لن يستطيع اللحاق بهم فيها ، وأخذ يمشي في المدينة لا يجد سوى المنافقين حتى انتهى النبي من غزوته وعاد ، فيقول: فلما قفل النبي صلى الله عليه وسلم عائدا حضرني بثي – أي شدة حزني – ماذا سأخبره ؟ وكيف أخرج من سخطه غداً ؟ - أليس هذا ما يحدث لك ؟ ومن الذي تهابه أو تخاف سخطه؟ أبوك ؟ أمك ؟ زوجك ؟ وهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم – فيقول فطفقت أتذكر الكذب وأختار أكثر كذبة سيصدقها النبي ويعذرني بها – أليس هذا ما يحدث لك ؟ فلما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عني الباطل فأجمعت صدقه – أي نويت على صدق الرسول – تخيل لو أنك في هذا الموقف وتخلفت عن الجهاد معه في سبيل الله – فجاء النبي وجلس في المسجد ، والمنافقون اتفقوا على الدخول مرة واحدة ومكثوا يتسمحون النبي ويحلفون له والله حدث كذا وكذا وهذا ما منعنا ، فقبلهم النبي في علانيته واستغفر لهم في سره ، وجدد لهم البيعة وخرجوا فرحين ورأى كعب بن مالك ذلك ، أي أن الكذب قد أفلح أمامه ، فيقول : فنظر إلي النبي وتبسم تبسم المغضب ، وقال لي : تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فسأله النبي: ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ أي اشتريت جملا يحملك. قال: يا رسول الله لو جلست عند ملك من ملوك الدنيا لخرجت من عنده بعذر, لقد أوتيت جدلا – أي يستطيع الكذب بحلو الكلام – ولكن يا رسول الله لئن حدثتك اليوم حديثا يرضيك عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد فيه علي – أي تغضب مني فيه – وإني لأرجو فيه رضى الله ، والله يا رسول الله ما كان عندي عذر – يحلف له بالله – وما كنت أقوى ولا أيسر حالا من يومها ! – ألا تستطيع أن تفعل ذلك مع والدك ، مع مديرك في العمل ؟ ليس لي عذر ! – ولكن ليس من باب الاستعلاء (وأعلى ما في خيلك أركبه) لا ، وسيدنا كعب أيضا لم يقصد ذلك إنما هو الصدق. فقال النبي : أما هذا فقد صدق – أي أن الباقين لم يصدقوا والنبي علم ذلك – قم حتى يقضي الله فيك ، فيقول : فقمت ، ونهى النبي عن كلامنا نحن الثلاثة أربعين يوما ثم زيدت عشرة أيام. فكانوا خمسين يوما لا يكلمهم أحد من الصحابة ولا النبي. – هل معنى أنه صدق ألا يعاقب؟ لا, فالنبي يريد أن يعلمنا أنك لا بد وأن تصدق وتتحمل العقاب ، فلا تقل إذا صدقت والدي سيحرمني من المصروف إذن الكذب أنفع ، لا ، أصدق وتحمل نتيجة خطأك – وظلوا هكذا حتى ضاقت الأرض بما رحبت على كعب بن مالك ، كما وصف القرآن في سورة التوبة – فيقول سيدنا كعب : فلما خرجت من عند النبي جاءني أناس من قبيلة أبي سلمة من الأنصار يقولون لي ،لو كنت كذبت وتعللت بأي شيء مثل فلان وفلان, ألم تر أن النبي قد استغفر لهم ، واستغفار النبي لك يمحو ما فات ، يقول حتى هممت أن أعود إلى النبي فأكذب نفسي ! – وهو يحكي لك ترددات النفس ، وهذا ما يحدث لنا – وظل الوضع كما هو ولا يكلمهم أحد حتى نزلت توبة الثلاثة في قرآن يتلى إلى يوم القيامة " لقد تاب الله علي النبي … وعلى الثلاثة الذي خلفوا … وآخر الآية يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" قلدوا كعب بن مالك ، واصدقوا .. لم لا نجرب ونتفق على الصدق ويحدث ما يحدث ستمر كغيرها ولكنك ستعرف بين الناس بالصادق ، ولذلك بعد ما مرت الخمسين يوما ذهبت لأسلم على النبي في المسجد – والكلام هنا لكعب بن مالك – فيقول : فاستنار وجهه من الفرحة ، وكنا نعرف ذلك عن النبي إذا ابتسم وفرح لشيء استنار وجهه كأنه القمر ، فنظر إلي رسول الله ، فقلت له : يا رسول الله والله ما نجاني إلى الصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث بعد ذلك إلا صدقا – والله ما كذبت بعدها كذبة ، وإني لأرجو أن أستديم عليها حتى أموت . هل نستطيع أن نكون هكذا ؟
سبب ثاني من أسباب الكذب : جلب المنفعة لنفسك (جاه – منفعة – رياسة – مال – مكانة في المجتمع …) وهذا النوع أخبث واشد وأسوأ عند الله من النوع الأول وهذا النوع هو الذي يؤدي إلى النفاق ، لأنك ستبدأ في الغش ، وتستبيح الحرمات وتستبيح دماء ، فلا يعقل أنك لتجلب المنفعة ستكذب فقط . وهذا النوع هو الذي أهلك أبا جهل. الناس تعتقد أن أبا جهل كان يكذب النبي لأنه معتقد أنه كاذب بالفعل ، لكن الحقيقة أنه كان يعلم أنه صادق ، والدليل حادثة شهيرة في السيرة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد مر على أبي جهل وصديق له يدعوهما للإسلام ، فقال له أبو جهل : أنت كاذب يا محمد ولا أصدقك ، فالنبي تركه وغادر وهو حزين ، وبعد ما غادر قال أبو جهل لصديقه : أنا أعلم أنه صادق . - ولقد رواها صديقه لأنه أسلم بعد ذلك – ولكن يمنعني أن أؤمن به أننا – أي قبيلته – وقبيلة بني عبد مناف – قبيلة سيدنا محمد – كنا فرسي رهان أي يسابقان بعضهما في النفوذ والجاه والمنافع – يقولون منا كذا ، نقول منا كذا ، نقول : ونحن منا كذا ، أي عندنا كذا ، فنقول : ونحن عندنا كذا – حتى قالوا : ونحن منا نبي ، فأنى لنا بها ؟ فلن أصدقه أمام الناس. تخيل أنه سيصبح في قعر نار جهنم لأنه كان حريص على منفعة شخصية، فإياك أن تكون من هذا النوع.
السبب الثالث للكذب: لإيذاء الآخرين، بسبب حقد أو غل أو حسد أنت تحقد على شخص ، فتكذب لكي تسبب له مشكلة أو ورطة ، تكره إنسان فتكذب لكن تحقر من مقامه ، فانتبه فمن الممكن أن تكذب كذبة في عرض شخص تجعل الناس تلوك في عرضه فتهوي بك في النار سبعين خريفاً . وهذا السبب عاقبته خطيرة.
تستلذ بالكذب وأنا أحيل هذا النوع للأحاديث النبوية التي ذكرناها في البداية . إنه شيء خطير. - سئل النبي صلى الله عليه وسلم: " أيكون المؤمن جباناً ؟ قال: نعم، قالوا: يا رسول الله, أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال: نعم، قالوا يا رسول الله: أيكون المؤمن كذاباً، قال: لا ". أرأيتم ؟ وكأننا ممكن نعذرك في لحظة ضعفت فيها يدك فكنت بخيلا – ولكن ليس معنى هذا أن تكون بخيلا أو جباناً – أو نعذرك في لحظة جبنت فيها نفسك، ولكن لن نعذرك إذا كذبت. فتخيل لو أنك تكذب للكذب ؟ أين عذرك ؟
وهي ثلاثة: صدق النية، صدق اللسان، صدق العمل. : أي أن تعمل كل عمل في حياتك بنية خالصة لله, بنية صادقة لله، فلا تبتغي في هذا العمل إلا و جه الله، أسال نفسك مثلا : لما أذاكر ؟ أذاكر لكي أنجح ، لأني لا بد أن أذاكر ، فما رأيك لو أخذت ثواب على هذه المذاكرة ؟ وكيف ذلك ؟ بأن تأخذ نية في مذاكرتك ولتكن أن يكون المسلم متفوقا، أو بنية إرضاء والديك وبذلك تأخذ ثواباً، فالنية تحول العادة إلى عبادة. - أتمنى أن أكون غنيا، لماذا ؟ ليكون معي المال وأسعد نفسي به. لا, اصدق النية لتأخذ ثوابا. قل أريد أن أكون غنيا لأنفق في سبيل الله، ولكي أحرص على مظهري وملبسك بنية ترغيب الناس في الدين، وبذلك يصبح كل ما تبذله من غنى في ميزان حسناتك من صدق النية. - أريد أن أتزوج، لماذا ؟ لأنها سنة الحياة. اصدق النية لتأخذ ثوابا ، قل أريد الزواج لأعف نفسي ، لاستقر نفسيا فأعبد الله بشكل أفضل ، لأنشئ بيتا مسلما ملتزما .فتصبح كل لحظة في زواجك بثواب. - أرأيتم إسلامنا جميل إلى أي مدى ؟ و يتعامل مع القلوب إلى أي مدى ؟ فأنت تذاكر، وتتزوج وبدون مجهود ستأخذ ثواب عظيم فقط أصدق النية ، سيهون كل تعب في البيت مثلا: غسيل ، طهي ، تنظيف … ، ستجد تلال حسنات يوم القيامة دون أن تفعل شيء ، فقط بصدقك النية في أعمالك. - يقول النبي صلى الله عليه وسلم " من طلب الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". تخيلوا إن ممكن سيدة بسيطة تأتي يوم القيامة مع الشهداء، مع حمزة بن عبد المطلب ! وتخيل شاب صغير لم يتح له الجهاد حتى يموت يأتي يوم القيامة مع السيدة سمية ! هيا انوي الشهادة ولكن بصدق، فستبلغ منازل الشهداء وإن مت على فراشك. - يقول الله تبارك وتعالى ، " فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم " ويضرب لنا النبي مثلا فيقول " الدنيا لأربعة نفر : الأول معه مال وطامع لله ، ينفق أمواله ليل نهار في سبيل الله ، والثاني : ليس معه شيء ولكنه يقول : لو كان عندي مثل فلان لفعلت مثلما فعل ، يقول النبي : فهما في الأجر سواء .. تخيل! ، أنك لوقت قلت مثلا : لو كان عندي مالاً لبنيت هذا المسجد ، فتأتي يوم القيامة ومعك ثواب بناء مسجد ، ولو أنك قلت : لو كان عندي مثل علم فلان لملأت الدنيا دعوة إلى الله ، فتأتي يوم القيامة في منزلته وربما أفضل منه ، لأن كان يدعو بدون إخلاص ، وأن تمنيت وأنت مخلص . أرأيت كيف أن صدق النية شيء عظيم. إذن تريد أن تأخذ تلالا من الحسنات يوم القيامة, اصدق النية. - أرأيتم أن من الصدق صدق النية والعزم. : و هو المشهور بيننا. وأذكركم بدعاء النبي: "اللهم إني أسألك لساناً صادقاً" تخيل لو أن النبي يدعو بها, فكم نحتاج نحن لندعو بها في اليوم. والإسلام يعلمنا أن هناك أنواع لصدق اللسان. 1) صدق اللسان في القرآن : يقول النبي صلى الله علين وسلم ، " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده في النار " إياك أن تفتي بغير علم في تفسير القرآن ، أو تأتي عند آية لتبني عليها رأيك وتأولها مثل آية الحجاب في القرآن ، وتقول أنها أتت لزوجات النبي فقط إذن إياك وأن تكذب على القرآن ، أو تقول فيه بغير علم. 2) الصدق في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: يقول النبي : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده في النار " لذلك إذا كنت غير متأكدا من رواية حديث قل " أو كما قال " ، أو قل " إن صحت هذه الرواية عن الني صلى الله عليه وسلم " ، ولذلك يقول النبي : ""من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكذابين". 3) الصدق في التجارة : يقول النبي صلى الله عليه وسلم " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء " حديث النبي " يا معشر التجار ، فرفعوا رؤوسهم وأبصارهم – فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا : من اتقى وبر وصدق " أخي التاجر : انتبه ، إن لم تصدق ستبعث مع الفجار يوم القيامة. حديث النبي صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا ، بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما عيوب السلعة فعسى أن يربحا ربح ما ويمحق بركة بيعهما. 4) الصدق في الشهادة : إياك أن تشهد في المحكمة، أو تشهد في موضوع ما وأنت غير متأكد. يقول الني صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس ، وكان متكئا فجلس – وقال : ألا وقول الزور ، وشهادة الزور ، ألا وقول الزور وشهادة الزور ، فظل يكررها حتى قلنا : ليته سكت ". - تشعر وكأنه كلما كان ضرر الكذبة يعم عددا أكبر، كلما كان الوزر يوم القيامة شديدا. إذن الكذب ليس كله درجة واحدة، وليس الحساب عليه حسابا موحدا، فعلى قدر ما أضلت كذبتك أناس كثيرين على قدر ما ستعذب بها يوم القيامة. - النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤية : " أنه رأى رجل يفتح فمه فيشقه شقين فيقول : فأتاني رجلان فقالا لي : من يشق شقيه هذا الكذاب ، يكذب الكذبة فتحمل عنه – أي يعمل بها كل الناس منه – فتبلغ الآفاق فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة. 5) من أنواع الكذب الخطيرة : الكذب عند الزواج فهو يخفي عيوبه: كان متزوجا قبل ذلك ولا يقول، تشتكي من مرض ما ولا تقول. فانتبهوا لقد حدث موقف مع النبي مثل هذا وقال: " دلستم علي " فهذا تدليس. 6) من أنواع كذب اللسان أيضا : الكذب على الأطفال. تخيل أن هذا النوع له باب من السنة بمفرده ! لأنهم سيتعلمون ويكبرون مثل أبيهم ويتوارث الكذب في العائلة. الأب يقول لأبنه: إذا اتصل بي أحد فأنا غير موجود، الأب يقول للابن: إذا سألتك أمك عني فقل لها كذا، وهو بذلك يربي ولدا مدربا على الكذب بالله على الآباء والأمهات. كان النبي يجلس في بيت أحد الصحابة، فرأى زوجة الصحابي تنادي على ابن لها وتقول له: تعال أعطيك شيئاً، فنظر النبي إلى يدها وقال لها: ماذا تريدين أن تعطيه؟ قالت: معي تمر يا رسول الله، قال: لو أنك ليس معك شيء تعطيه إياه لكتبت عليك كذبة ! ، ونحن في بيوتنا .. حدث ولا حرج. لا تكذبوا على أولادكم حتى لا يكبرون كذابين. 7) من الأنواع أيضا: كذب المزاح وكثير من الشباب يقع فيها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم " ويل لمن يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ، ويل له " تريد أن تضحك أصدقاءك فتفعل شيء لم يحدث وتحكي عنه وتزيد في الكلام ، وهم يضحكون في الوقت الذي يضحكون فيه يقول النبي لك : ويل لك ، ويل لك . - كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا صدقا، لا أقول لك لا تمزح ولكن إياك والكذب والناس تستهين بهذا النوع. - يقول النبي " أنا زعيم – ضامن – ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ". 8) النوع الأخير من كذب اللسان ما نطلق عليه " كذبة بيضاء " - يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دخلت عليه أحدى الصحابيات تقول له: أقول الطعام الذي اشتهيه لا أشتهيه، هل تكتب علي كذبة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الكذب يكتب كذبة حتى تكتب الكذيبة كذيبة " وكأن النبي ينظر للناس في القرن الحالي وهم يقولون أنها كذبة بيضاء ويخبرهم أن الكذبة البيضاء كذيبة. صدق العمل : يقول الله تبارك وتعالى: " وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا " يا رب اجعل لي في كل مكان أدخله عملا صادقا، واجعل لي كل خروج من مكان بصدق، لا تجعل دخولي وخروجي إلى كذب وإلى افتراء وإلى حرام، اجعل كل مقصدي في دخولي وخروجي هو الصدق. أترى التعبير القرآني الجميل ؟ يقول الله تبارك وتعالى " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا لله عليه " (سورة الأحزاب 23) وأنا أريدكم أن تتعلموا شيئاً في تعاملكم مع الله، لن تصدق مع الله في شيء إلا وسيجعلك تناله كما طلبته، فقط اصدق معه. وسأضرب لكم أمثلة لأناس صدقوا لعمل مع الله. - يوم غزوة بدر جاء عمير بن الحمام فقال : يا رسول الله : أرأيت إن قاتلت هؤلاء الناس – يعني الكفار – وقتلوني أأنا في الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، ثم قال النبي : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، قال : عمير بن الحمام : بخ بخ – وهي لفظ استحسان مثل (الله الله ) – فقال له النبي : ما يحملك يا عمير على قول بخ بخ ؟ قال :إني أرجو أن أكون من أهلها – قالها بصدق – فقال له النبي : أنت من أهلها، فكان في يده ثمرات يأكلها ، فنظر إلى هذه الثمرات وقال : أما بيني وبين الجنة إلا هذه الثمرات إنها لحياة طويلة ! فألقى الثمرات ودخل وقاتل فمات شهيدا – رضي الله عنه, صدق مع الله فصدقه الله. - النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة خيبر والغنائم توزع ، النبي قال نصيب فلان من الغنائم كذا ، فأخذوا الغنائم وذهبوا بها إليه ، فقال لهم : ما هذا ؟ قالوا نصيبك من الغنائم ،فجاء إلى النبي فقال : والله ما على هذا اتبعتك يا رسول الله ولكن اتبعتك على سهم ها هنا – وأشار إلى نحره – فنظر إليه النبي وقال : إن تصدق الله يصدقك ، وتأتي المعركة التالية ويموت الرجل شهيدا ولكن العجيب أنهم وجدوا السهم حيث أشار، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقلب يديه متعجبا يقول : أهو هو ؟ قالوا: نع |