|
|
|
|
|
|
|
|
|
حوار أجراه أ/عصام الغازي لمجلةكل الناس بتاريخ 11 نوفمبر 2003
في رمضان فرصة للتدريب على إرادة الامتناع وتقوية النفس..والوصول إلى أعلى درجات التقوى..وفي أيامه ولياليه وصفة تضمن لك رضا الله والفوز بالجوائز الأربع التي تنتظر الصائمين.
المشكلة – كما يؤكد الداعية عمرو خالد – أنّنا نهدر هذه الفرص، ونفسد المعنى الحقيقي للصيام إما جهلاً أو تكاسلاً..بل يتمادى البعض ويجهر بالإفطار دون أن ينتبهوا إلى أنّ الله سيفضحهم ويعجل لهم العقوبات في الدنيا قبل الآخرة.
سألت عمرو خالد:
نريد أن نقول للأجيال الجديدة ما لا تعرفه عن رمضان..ماذا تقول لهم؟
أريد أن أقول لهم إنّ رمضان يقوّي شيئاً في الإنسان اسمه: إرادة الامتناع.. وعلماء النفس يقولون إن نوعين من الإرادة يجب تربيتهما في الإنسان: إرادة إقدام وإرادة امتناع.
إرادة إقدام كالشجاعة والمواجهة، وهذه تُبنى عليها في الإسلام أشياء أخرى كالصلاة والحج والجهاد. لكن إرادة الامتناع هي إرادة لا يجيدها الكثيرون.. تستطيع عمل فرامل لشهواتك واحتياجاتك حتى لو كانت حلالاً مثلما يحدث في رمضان، وتمتنع عن أشياء حلال كالطعام والشراب والزوجات.. والله سبحانه بهذا يريد أن يدرب إرادة الامتناع لدى عباده.
وكل يوم عند السحور يمتنع الإنسان عن احتياجاته وشهواته، وعند الإفطار يُصرَّح له بما هو حلال، ثم يتكرر ذلك مدة 30 يوماً لكي يتدرب الإنسان على إرادة الامتناع.
إرادة الامتناع كثير من شبابنا لا يعرفونها، ورمضان يربي هذه الإرادة تربية شديدة.
الصيام والجهاد..فرضا في شهر واحد
رمضان كان دائماً شهر الجهاد، وشهر المعارك الكبرى في الإسلام..ما علاقة الصوم بالجهاد؟
عندما قلنا إنّ رمضان يُربي إرادة الامتناع، كنا نقصد أنّ القدرة فيه على مجاهدة النفس عالية جداً..وكأن ميدانك الأول هو نفسك، فإذا انتصرت على نفسك، فأنت على غيرها أقدر. وإذا انهزمت أمام نفسك، كنت على غيرها أعجز.
من هنا فإنّ رمضان يعلمك كيف تنتصر على نفسك. فأنت تريد، لكنك تقول لا.
والموضوع ليس صيام بطن فقط، إنّما هو موضوع متكامل يشمل صيام الجوارح.
العين والأذن والقدم واللسان. فلو دربت نفسك على ذلك وانتصرت عليها وعلى شهواتك فأنت تستطيع الانتصار على غيرك.
شهر الانتصارات
ولذلك نجد أنّ كل المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام والمعارك الفاصلة، كانت في شهر رمضان..وهل كان ذلك مجرد صدفة؟.
غزوة بدر كانت في رمضان
فتح مكة وانتصار المسلمين على التتار في عين جالوت، وحطين، وانتصار صلاح الدين على الصليبين، ونزول المسلمين إلى شواطئ الأندلس وفتح أسبانيا، ومعركة 6 أكتوبر 73 والانتصار على إسرائيل كان في رمضان.
هذا لا يمكن أن يكون صدفة. فما معنى ذلك؟ معناه أنّ المسلمين انتصروا على أنفسهم، فنصرهم الله في تلك المعارك على عدوهم.
وهناك معلومة مهمة جداً. وهي أنّ الصيام والجهاد فُرِضا في شهر واحد. وأول معركة في الإسلام "بدر" كانت يوم 17 رمضان عام 2 هجرية، ورمضان فُرِض على المسلمين في شعبان عام 2 هجرية، وبعد 17 يوماً من الصيام جاء الجهاد. فمجاهدة النفس هي الطريق لمجاهدة العدو.
ولذلك لو أرادت الأمة أن تُحَسِّن من وضعها الحالي، بعد كل المآسي المريرة التي مرت بها حربي العراق وفلسطين، فأنا موقن أنّ الله لو أكرمنا في رمضان الحالي بصيام حقيقي وليس مجرد امتناع عن الأكل والشراب..صيام بمعنى مجاهدة النفس، فانتظروا للإسلام نصراً قريباً إن شاء الله.
إفساد هدف الصيام
بعض المفطرين في رمضان يدعون أن الصيام معوق للإنتاج. فما ردك عليهم؟
نحن لدينا مشكلة، أنّنا أفسدنا مُرَاد ربنا من رمضان. وربنا حين فرض صوم رمضان، أراد لرمضان أن يكون شهراً يَنْقل الأمة إلى مزيد من القوة والنجاح والتفوق.
ونحن أفسدنا مراد ربنا لصوم رمضان بطريقتين:
فريق يتصور أنّ صوم رمضان يتطلب التفرغ للعبادة وبالتالي الفشل في العمل.
وفريق يتصور إنّ رمضان فرصة للتفرغ للشهوات ومشاهدة رمضان على الفضائيات.
والفريقان مرفوضان..والطريقتان إفساد لمراد ربنا من رمضان. بدليل أنّ الغزوات الفاصلة كانت تتم في رمضان.
فكيف أُتيح للصحابة ممارسة هذا الجهاد وهم صائمون؟
إذن نحن الذين نفهم رمضان بطريقة خاطئة. ونحن الذين نتكاسل، ولا نريد أن نحقق التوازن بين النجاح في الحياة وبين عبادة الله. والدليل في معركة 6 أكتوبر القريبة التي جرت في العاشر من رمضان، والانتصار العظيم فيها حدث في شهر رمضان. وكان القتال فيها مرتبطاً بصيحة الله أكبر، وكان قرار الحرب مرتبطاً بشهر الناس فيه مستعدون للبذل والعطاء.
فمن قال إنّ رمضان يؤدي إلى التكاسل والنوم؟.. ومن قال إنّه يؤدي إلى المزيد من اللهو والشهوات، ومزيد من البطون المثقلة بالطعام؟..كل هذا إفساد لما شُرع من أجله شهر رمضان.
روشتة رمضان
هناك من يتصور أنّ الصوم هو الامتناع فقط عن الأكل والشراب..ماذا تقول لهؤلاء؟
الرسول "صلى الله عليه وسلم" يقول: "رُبَّ صائمٍ حظه من صومه الجوع والعطش".
ويقول أيضاً "صلى الله عليه وسلم": "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
الصيام في تلك الحالة لن يحقق المطلوب ولن يفيد صاحبه، ولن يصل إلى مرضاة الله التي هي هدف الصيام.
رمضان أستطيع أن أشبهه بتركيبة دواء، من يتعاطاه لمدة 30 يوماً يُشفى..والآية الكريمة تقول: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقون".
ما معنى تتقون؟
معناها أن تخرج من رمضان أغلى ما في حياتك هو حبك لله. وغايتك في الحياة إرضاء الله. فأنت لن تستطيع عمل شيء يغضب الله. هذا هو الهدف الأصلي من شهر رمضان: تحقيق التقوى.
فلماذا تستفيد من التقوى؟
1- "إن الله يحب المتقين"، هذه أول جائزة.
2- "إن الله مع المتقين"، فتصبح في معية الله.
3- "ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً"، فلا تقع في ضيق إلا ويخرجك منه، ويرزقك من حيث لا تحتسب.
4- "ومن يتقي الله يُكفر عنه سيئاته ويعظم له أجره" السيئات تُغفر والحسنات تتضاعف.
5- حين يتحدث الله عن الجنة يقول: "أعدت للمتقين".
من أين إذن نحصل على التقوى؟
طريق التقوى
أعلى تقوى لا تأتي إلا في رمضان..والتقوى تأتي من خلال تركيبة لها نسب معينة، الصيام جزء منها. فيها صلاة وإنفاق مال وصلة أرحام وبر بالوالدين وصلاة تراويح وختم القرآن. من يقوم بعمل هذه التركيبة خلال أيام شهر رمضان الثلاثين، يصبح من المتقين، ويحصل على كل هذا الثواب. إضافة إلى ما وعد به الرسول "صلى الله عليه وسلم": "تُعتق رقبته من النار، ويُغفر له ما فات من ذنوبه".
هذه التركيبة كان الرسول "صلى الله عليه وسلم" يقوم بها في رمضان، تركيبة التقوى والعتق من النار ومغفرة الذنوب.
النبي كان ينفق بسخاء وكان يختم القرآن مرة أو مرتين في رمضان.
الوصفة أيضاً فيها صلاة التراويح. و الرسول "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". كذلك لابد من صلة الأرحام، تبدأ بمن قاطعته. وأن تأخذ بيد الناس من حولك إلى الله.
ما الذي يمكن أن يُفسد هذا الدواء؟
أن تملأ بطنك بالطعام عند الإفطار بصورة مبالغ فيها، ثم تسهر في خيمة لتشاهد الرقص أو تسهر لتشاهد المناظر الإباحية في الفضائيات، ولكن "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
جوائز الصائم
ما معنى إيماناً واحتسابا؟
يعني صياماً حقيقياً يُراد به وجه الله. وهناك جوائز تنتظر الصائم: مغفرة الذنوب والعتق من النار وتحصيل الحسنات وتحصيل التقوى.
ولكل جائزة رمضانية حديث نبوي:
مغفرة الذنوب: "من صام رمضان إيماناً واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
وفي العتق من النار: "ولله عتقاء من النار في رمضان وذلك كل ليلة".
وفي تحصيل الثواب: النافلة فيه بفريضة فيما سواه والفريضة بسبعين فريضة فيما سواه".
وفي تحصيل التقوى الآية الكريمة: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".
الذين من قبلنا هل كانوا يصومون مثلنا؟
الصيام شُرِع في كل العقائد وكل الملل. وهناك كتب تتحدث عن صيام الأمم من قبلنا. لكن مواقيت الصيام والإفطار قد تختلف من أمة لأخرى. وقد اختار الله سبحانه لأمة محمد الشكل الحالي لصوم رمضان.
بعض الشباب يجاهر في رمضان بالإفطار فيدخنون السجائر في الأماكن العامة أو يحتسون الشاي أو يأكلون في الكافيتريات. ويعتبرون ذلك مدعاة للتفاخر بين الزملاء..ماذا تقول لهؤلاء؟
النبي "صلى الله عليه وسلم" يقول: "كل أمتي مُعافى إلا المجاهرون". والمجاهر سوف يُفضح في مكان ما كان يتمنى أبداً أن يفضح فيه. ورغم أنّ الله غفور رحيم إلا أنّ عقابه شديد للمجاهرين. وأي شاب يُفطر بلا عذر، يُغضب الله غضباً شديداً، ويسقط من عين الله تبارك وتعالى، وتُعجَّل له عقوبات في الدنيا قبل الآخرة. وتظلم الدنيا عليه.
هذه الشريحة من الشباب صارت قليلة جداً ومنبوذة. فشباب الأمة بخير، تراهم الآن يصلون التراويح في المساجد، وهناك آلاف من الشباب يقومون الليل، وينطبق عليهم قول الرحمن: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خَروا سجداً وبُكيا".
|
|
تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
| |
| |
|
|
| |
|