|
إصــلاح الـقـلـوب
(3)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 30/7/2008
في أيدينا " كنز .. اسمه التوبة " لكننا للأسف، لا ندرك قيمته .. كثرت ذنوبنا .. صغائر كانت أم كبائر .. استمرأنا الخطأ والخطيئة ورفضنا أن نراعي حق الله فينا سهوا .. أو عمدا والله سبحانه وتعالى فتح باب التوبة ورحمته وسعت كل شيء..
فهل لنا أن لا نيأس من رحمة الله ونتوب قبل فوات الآوان حتى يحبنا الله .. امتثالا لقوله تعالى: والله يحب التوابين".
مسائل تستوجب التوبة:
المواقع الإباحية والشاتنج .. والتدخين .. كبائر
لكن ما هي التوبة .. وكيف تتحقق .. وما هي شروطها.
الاعـتـراف بـالـخـطـأ
يقول الداعية عمرو خالد:
تبدأ التوبة بعلم الإنسان مع نفسه أنه أذنب، وأنه يلجأ لمقام الله عز وجل خوفا وندما، يحس بالوجل والحزن على ما ارتكبه. يقول لله في قرارة نفسه: جئتك منخلعا من الذنوب والمعاصي، عائدا إليك يارب بكل كياني حبا وطاعة. هناك من يفهم كلمة تائب بأنه الشخص الذي ارتكب كبيرة. فلماذا يتوب الإنسان إذا لم يكن قد وقع في الكبائر؟ وهناك من يسأل نفسه: لماذا أتوب مادمت لم أرتكب خطيئة؟
نساء كثيرات يقلن ذلك لأنفسهن. لأنهن لم يرتكبن المعاصي. والمرأة التي تظن ذلك تستشعر أن التوبة مفهوم لا يخصها. ولذلك فإن بعض العباد والطائعين لله عز وجل يظنون أن قضية التوبة لا تخصهم، إنما تخص العصاة الذين يرتكبون الآثام والكبائر.
التوبة هي منزلة المنازل. وهي تخص كل درجات الإيمان . العاصي يحتاج إلى التوبة. وصاحب الكبيرة محتاج إلى التوبة. والذي على الصغائر محتاج إلى التوبة. والتائب محتاج أن يجد توبته. كلنا نحتاج إلى التوبة.
هي فرض من فرائض الإسلام، أن تعود إلى الله دائما. مرات ومرات. كل يوم وليلة.
لـمـاذا نـتـوب؟
عليك أن تعلم وتحدد بدقة أين أنت من الله؟ أن تعلم كم تخطئ في حق الله عز وجل. وحين أدعوك للتوبة، تحس أن قلبك يعتصر نفسه، ويقفز إلى طريق التوبة. علينا أن نتأمل ماذا يفعل كل منا؟ نحن نتوب لأننا نرتكب الكبائر. نتوب من الكبائر أنا لم أقع في الكبائر. لا أنت ترتكب الكبائر. أليس تأخير الصلاة كبيرة، أليس جمع صلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر؟ هذه كبائر بنص حديث النبى صلى الله عليه وسلم .. يقول النبى صلى الله عليه وسلم: ( من جمع صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر ).
شخص لم يسمع صوت المنبه ولم يستيقظ من التعب .. هذا عذر.
الـسهـو والمـعصيـة
لكن الشخص الذي تعود أن ينام وقت صلاة الفجر عامدا، ويصلي الصبح بدلا من الفجر هذه من الكبائر. أليس الله تبارك وتعالى يقول لنا : ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ). ويل للذي يسهو عن صلاته يقول ابن عباس: ليس المقصود ب " ساهون " أنه الشخص الذي لا يصلى كلية، ولكن الساهي الذي يصلي الظهر قبل العصر مباشرة ويصلي العصر قبل المغرب بدقائق. فقالوا وما الويل؟
فقال بن عباس: واد في جهنم مليء بالعقارب والحيات أعد لمؤخري الصلاة، لهذا فنحن في حاجة إلى التوبة.
من يشتم الناس، ويسبهم بالأب والأم أليست هذه من الكبائر؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:" إن من أكبر الكبائر أن يسب المرء أباه وأمه". كيف يا رسول الله؟ " يسب المرء أبا المرء فيسب أباه وأمه".
من يفعل منكم شيئا كهذا، عليه أن يعلم أنه يفعل كبيرة من الكبائر، تغضب الله عز وجل، نحتاج إلى التوبة عن عقوق الوالدين تشويحة اليد للأم .. كبيرة إياك أن تعتبرها صغيرة. صفق الباب وأنت خارج في وجه أمك أو أبيك .. أليست كبيرة؟ الله سبحانه يقول: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا.
الله سبحانه اعتبر من يغتاب صاحبه كمن يأكل لحم أخيه ميتا. فما بالكم بالتي تغتاب أباها وأمها؟ فتجلس مع صاحباتها يتضاحكن على أبيها وأمها لأنهما " دقة قديمة".
هذه كبائر تحتاج إلى توبة. فما بالكم بمقدمات الزنا؟!
وما هي مقدمات الزنا ؟
زنا العين . . من يفتح القنوات الفضائية بحثا عن المشاهد المثيرة، ومن يفتح الانترنت بحثا عن المواقع الحرام. أليس هذا من مقدمات الزنا؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:" العين تزني وزناها النظر".أنت دخلت إلى أبواب الزنا. صحيح أنك لم تصل إلى محطة الزنا التي توجب إقامة الحدود، لكن أنت في مرحلة خطيرة أنت مقبل على أبواب الكبائر. الشباب الذي يقترف هذه الكبيرة كل ليلة وكل نهار.
الأولاد والبنات الذين وصلت علاقاتهم إلى حد المتزوجين في بعض الأحيان أليست هذه كبيرة.
الذين يكلمون بعضهم على التليفونات والانترنت. " والشاتنج " الذي به كمية من الذنوب والمعاصي من خلال حديث حرام يندى له الجبين. أليست هذه كبائر؟ ألا تحتاج إلى توبة؟ ناهيك عن أكل الحرام، وترك الحجاب وغير ذلك.
التـدخين وأشـياء أخـرى
تعالوا نتأمل آلاف الصغائر التي تمارس كل يوم وليلة. شباب يطلق بصره في الشوارع. ينظر كيف يشاء. في كل يوم تجني من ورائها كم سيئة؟ ألا تحتاج كل هذه الذنوب إلى توبة؟ والله لو أحصينا ذنوب الشهر الواحد لارتفعت إلى قمم الجبال. الذين يستمرون في الكذب ليل نهار، وممارسة الخلق السيء ليل نهار، كم من الذنوب تحتاج إلى توبة؟
جـزاء الغـافـلـين
نحتاج إلى التوبة أيضا عن غفلتنا عن ربنا لماذا خلقك الله؟ خلقت لتعرف الله عز وجل. تعداد البشرية ستة مليارات وربع المليار. كم منهم يعرفون الله حق المعرفة. وأدوا فرائض الله؟ وكم هم الذين حمدوا الله على نعمه؟
أليست غفلتك عن الله تعالى تحتاج إلى توبة؟ من خلقك ومن سواك ؟ ومن أنعم عليك ورزقك؟
من الذي يصبر على البشرية وهي تبتعد عنه كل يوم آلاف الخطوات، وهو يتودد إليها ويرزقها كل يوم؟
هل تذكر آخر مرة بكيت من خشية الله؟ ما آخر مرة سجدت فيها بخشوع حقيقي لله؟ هناك أناس يسجدون منذ 60 عاما ولم تصح لهم سجدة! القلب لم يسجد لله مرة .. متى آخر مرة شعرت خلالها بجلال الله؟
العصيان أمر كامن في تكويننا كبشر، لكن قدر علينا مع العصيان أن نعرف الله. ليس عيبا أن تأتي يوم القيامة ولم تعرف لك ربا. كل العيب ان تلقى الله يوم القيامة وتقول له خلقتني ولم أعرفك يا رب.
ولذلك فإن الغافل أسوأ من العاصي. فالعاصي توبته أسهل. ولذلك شيطان الغافل لا يوقعه في المعاصي حرصا من الشيطان على إبقائه غافلا.
شــكــر الـنـعمـة
نحتاج إلى التوبة عن نعم أنعم الله بها علينا ولم نشكره قط عليها. انظر إلى عينيك وقل لهما: من جعلكما قادرتين على الإبصار والرؤية؟ هل معقول أن قطرة مني من الرجل في رحم المرأة تنمو وتصبح إنسانا له عينان وعقل وقلب ولسان وإرادة؟ من أين أتى بكل هذا؟ أين شكر النعمة؟
القلب الذي خلقه الله وأمره أن يحبه، أول ما يحب. يحب المخلوقات وينسى الخالق! وأول ما العقل يفهم ويعي يعصي الله ويرفض أن يصلي، ويرفض طاعة والديه مع أن الذي أمر العقل أن يفهم، الله سبحانه.
نحتاج بشدة أن نتوب عن ذنوب فعلناها في الماضي ولم نتب عنها. حين كنا في سن 14 سنة و15 سنة ارتكبنا ذنوبا معينة ثم أوحى لنا الشيطان أن نطور الذنب لأننا كبرنا عليه نحن توقفنا عن ذلك الذنب منذ سنوات طويلة فهل غفر الله لنا هذا الذنب وتم محوه؟ .. أبدا.
أنت فعلا توقفت عن ارتكاب ذلك الذنب، لكنك لم تتب عنه، ولهذا لم يغفر لك. هذه قاعدة مهمة غفل عنها الناس: الذنوب التي توقفت عن ارتكابها لم تغفر ولن تغفر لك إلا إذا تبت عنها.
رجل زنى، ثم ترك الزنا خوفا من الأمراض، أو لأنه تزوج، لن يغفر ذنبه إلا بتوبة. شاب كان يتعاطى المخدرات، ثم تركها خوفا على صحته ومستقبله ولم يتب، لن تغفر له هذه الكبيرة.
قـبـل فـوات الآوان
تخيل نفسك يوم القيامة تسأل عن ذنوب توقفت عنها قبل موتك بعشرات السنين لكنك لم تتب عنها. كتبت عليك تلك الذنوب يقول الله تبارك وتعالى :" أحصاه الله ونسوه "
ويقول الله تبارك وتعالى:" ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه" تخيل هذه الآية وكأنك تعاصر يوم القيامة:" ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا. يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه". صدق الله العظيم. بيدك كنز اسمه التوبة، به تغفر ذنوبك جميعا كبرت أو صغرت.
يقول سفيان الثوري أحد أئمة التابعين الكبار: جلست يوما أعد ذنوبي فقلت لنفسي تلقى الله يا أبا سفيان يسألك عن ذنب ذنب. ثم قال لنفسه: تب يا سفيان. تب قبل أن تلقى الله.
يقول: فجلست أتذكر عمري سنة سنة. يقول: فلما انتهيت قمت خفيفا. يقول الله تبارك وتعالى:
" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرة على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" , "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوهم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين". ويقول الله تبارك وتعالى:" والله يحب أن يتوب عليكم ". فتب إلى الله غافر الذنب وقابل التوب.
www.amrkhaled.net |