|
إصــلاح الـقـلـوب
(1)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 16/7/2008
يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:
" ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله.. و إذا فسدت فسد الجسد كله.. ألا و القلب ".
صلاح القلوب هو صلاح الكون وصلاح البشرية كلها. و صلاح القلوب يبدأ بمعرفة الله.. كلنا نعرفه بأنه الخالق..
لكن المعرفة الحقة هي الأنس والتواصل معه والتشوق إليه والخشية منه والإقبال عليه.
كيف نعرف الله ؟
بداية المعرفة تتحقق بالتفكر في خلقه وبديع صنعه.
وعلى قدر ما تتفكر، بقدر ما ينفتح القلب وتقترب من الله أكثر.
إصلاح القلوب.. حلقات جديدة للداعية الإسلامي عمرو خالد.. و يفتح بها ملف. إعادة إعمار منظومة القيم والأخلاق في حياتنا.
سـر لا إلـه إلـى الـله
يقول عمرو خالد:
الحياة عمارة قلبية لا إلا بالقلب، و قد تتشارك فيها العين، هذه عبادة هجرها الناس حتى اندثرت، ومن الصعب على المرء أن يقول أن عبادة أمر بها الله قد اندثرت، هكذا وصل حال البشرية.
نحن نحاول الآن أن نحييها، و نأخذ ثواب أننا أحيينا في أنفسهم و في الطامحين بنا.
فعلها الأنبياء،و انتهجها رسول الله "صلى الله عليه و سلم " حتى صارت صفة لازمة له، بها يعرف الله، فهي الدليل على الله عز وجل، إنها عبادة التفكر في خلق الله سبحانه، عبادة من أعظم العبادات بها يدخل الناس على الله. هل حاولت أن تقف موقفا تشاهد من خلاله جلال الله؟ فيقولها قلبك بقوة: لا إله إلا الله، يصرخ بها القلب من جلال عظمة وروعة خلق الله. وبهذه العبادة تترك المعاصي وبهذه العبادة يحب الله عز وجل. وبهذه العبادة نعرف مراد الله من الكون، ويرق القلب ويتصل بالخالق عز وجل.
عبادة بالعين والقلب
عبادة التفكر في الله، لماذا نتفكر في الله؟ لأنها الباب الموصل لمعرفة الله عز وجل.
يقول ابن القيم:
معرفة الله نوعان: معرفة إقرار بوجوده، وهذه يشترك فيها البار والفاجر والمطيع والعاصي. ومعرفة حياء ومحبة وشوق وأنس واتصال وخشية وإقبال، وهذه يفتح الله تبارك وتعالى على من أراد أن يعرفه بهذه المعرفة فتوحات جليلة.
إياك أن تكون من أصحاب النوع الأول من معرفة الله. للأسف أغلب نسائنا وشبابنا وبناتنا معرفتهم بالله الخالق هي المعرفة الأولى.
وهذه معرفة سطحية، ربما يكون أعرف بأبيه وأمه من معرفة الله، وربما يكون أعرف بفتاة يرتبط بها عاطفيا بشكل لا يرضى به الله ورسوله من معرفته بالله.
تسأله عن هذه الفتاة، فيقول لك عن تفاصيل شخصيتها وكيف تفكر وماذا يسعدها وماذا يشقيها لكن إن سألته عن الله عز وجل تبدو عليه علامات التعجرف ويقول: إنه الذي خلقنا، ليست هذه هي المعرفة، أنت لم تخلق لكى تعرف الله هذ المعرفة خلقنا لكي نستشعر الحياة والذل والحب والخشية والشوق والأنس والاتصال، كل هذه المعاني هي التي تشكل الطريق إلى معرفة الخالق معرفة حقيقية.
ويتفاوت الناس في معرفتهم لله هذه المعرفة تفاوتا لا يعرفه إلا الله عز وجل. على أي أساس يحدث هذا التفاوت ؟ على قدر ما تتفكر في خلقه وفي بديع صنع الله، على قدر ما يفتح على قلبك بمعرفته. كلما اقتربت وأعلمت ذهنك أكثر أنت تميزت عن الحيوان بالعقل، لماذا؟ لأن هذه درجاتك إلى الله عز وجل.
كلما أعلمت عقلك أكثر لمعرفة المولى، أحببته أكثر. وعلى قدر هيبة نفسك وعقلك لله عز وجل يقربك الله منه أكثر وأكثر، لهذا فإن هذه المعرفة لن تتحقق بشكل كامل إلا بالتفكر في الله، عبادة ليس للبدن فيها نصيب، كلها تمارس بقلبك وتشارك العين فيها مع القلب.
قيمـة التفكـر
نصل إلى معرفة الله بشيئين: كتاب الله المقروء " القرآن الكريم " وكتاب الله المنظور " صفحة الكون " فمن لا يعرف القراءة والكتابة من البشر، لن تكون له حجة في عدم معرفة الله عز وجل، أفلم ينظروا؟ أفلم يسمعوا؟
انظر حولك إلى بديع صنع الخالق، تعالوا نرى قيمة هذه العبادة، النبي " صلى الله عليه وسلم " كيف صار نبيا؟ وماذا حدث في المراحل الأخيرة من حياة النبي قبل البعثة؟ كانت حياته عبارة عن تأمل وتفكر، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي تروى فيه بدء الوحي:
" ثم حبب إليه الخلاء فكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه " أي يتعبد " الليالي ذوات العدد".هذا الغار لمن لا يعرف مكان موحش، لا يوجد فيه بشر ، أنت والسماء والكون المتسع أمام عينيك، يعجز الشباب الأقوياء عن الوصول إليه بسهولة، فكيف وصل النبي إلى هذه المكان؟ فيبقى فيه الليالي ذوات العدد، ماذا كان يفعل هناك؟ يتعبد لم يكن هناك صلاة أو صوم، أو عبادة مارسها النبي قبل أن يكون نبيا، عبادة التأمل والتفكر في خلق الله، كان ذلك إعداد لرسول الله " صلى الله عليه وسلم " كان لابد من تفكر طويل لكي يكون مستعدا لأن تلقى عليه الرسالة.
الـفـهم الخاطـئ
إذا أردت أن تكون قريبا من الله، فإنك تحتاج لإعداد نفسي طويل بالتفكر في خلق الله، بالنظر في صفحة الكون. ولذلك يقول بعض الناس: أنا أكره الصيف بسبب المصايف.
وأنا أقول: من كان تقيا لله عز وجل ويسافر بهذه النية وهو يقول: أنا أسافر لأشاهد خلق الله، وأتعبد إليك عبادة لا أستطيع أن أؤديها كما ينبغي في مدينتي، فيتحول صيفك إلى قرب إلى الله عز وجل؟ هذه عبادتنا اليوم، التي أعد النبي بها لكي يكون نبيا. إذا أردت الاقتراب إلى الله، مارس عبادة النبي " صلى الله عليه وسلم " وكل الأنبياء. انظر إلى ابراهيم عليه السلام، يقول الله تبارك وتعالى " وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين".
دمـوع النبي
كلما تتفكر أكثر يزداد يقينك .
جاء بلال ليلاً بينما النبي يصلي، وقد سئلت السيدة عائشة عن هذه الليلة، أي أمر رسول الله كان أعجب؟
فقالت: رضي الله عنها: وأي أمر لم يكن عجبا؟ قام يصلي فبكى، فمازال يبكي حتى أتاه جبريل فوجده يبكي فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال النبي " صلى الله عليه وسلم " وكيف لا أبكي وقد أنزل عليّ الليلة هذه الآية:" إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار".
بكى رسول الله " صلى الله عليه وسلم " لهذه الآية، ثم قال : " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". يقول النبي " صلى الله عليه وسلم " : " تفكروا في خلق الله.
إذا أردتم معرفة الله تفكروا في خلقه، لا ينبغى أن يبلغ المرء منكم 20 سنة، أو 30 سنة ولم يجلس لمناجاة ربه أو يتفكر في عظيم خلقه وجلال الله عز وجل، أخلق العقل فقط ليفكر في الأكل والشرب والشهوات؟
ما القيمة الأولى التي خلق العقل من أجلها؟
أن يعرف الله عز وجل. العقل لا يهتم بالرزق وقد قسم له، واهتم بالشهوات وقد نهي عنها، ونسي ما خلق من أجله، وهو معرفة الله والاتصال به.
سئلت صحابية جليلة " أم الدرداء " :ما كانت أفضل عبادة أبي الدرداء قالت : التفكر والاعتبار.
قال عامر بن عبد قيس: سمعت واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وسلم " يقولون: إن نور الإيمان التفكر، انظر كيف اندثرت هذه العبادة العظيمة، قال الحسن:" تفكر ساعة خير من قيام ليلة ". وقال عمر بن عبد العزيز: " التأمل في نعم الله أفضل عبادة ". وجاء في الحديث عن النبي " صلى الله عليه وسلم " أنه قال : " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " وهو حديث ضعيف لكن يمكن الأخذ به، ولذلك تجد القرآن يدعو لأن تعمل العقل. يقول الله تبارك وتعالى : " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت".
ويقول الله تبارك وتعالى:" " إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين " . ألا تهتز من أعماقك لهذه الآيات؟
أفلا تهزك معجزة الليل والنهار من داخلك؟ أفلا يهزك منظر الشروق والسحب؟ ما هذا القلب القاسي؟
يقول الله تبارك وتعالى:" إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".
أفلا يهزك كل هذا؟
من أسوأ الأشياء التي تصيب الإنسان أن يألف نعم الله عز وجل، لدرجة أن الله عز وجل عاب على قريش عيبا شديدا إلف النعمة. فقال: " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" كل شيء في الوجود من خلق الله عز وجل يجب أن تعتبر وتنظر فيه.
كيف بدأ الكون؟
يقول الله تعالى:" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق". يقول الله تبارك وتعالى : " الله خالق كل شىء وهو على كل شيء وكيل".
جاء وفد من اليمن للقاء رسول الله فقالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك: كيف كان أول هذا الأمر؟ أي كيف بدأ الخلق؟ فقال النبي " صلى الله عليه وسلم" كان الله وحده، انظر لضعف البشرية التي تتجبر على الله عز وجل، 6 مليارات انسان أكثرهم يفكرون بالله وهم يتوهمون أنهم أنشؤوا هذه الحضارة، فقال: صلى الله عليه وسلم : كان الله وحده لا شيء قبله".
وفي حديث آخر قال النبي " صلى الله عليه وسلم ":
" إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". انظر إلى عظيم علم الله وقدرته، ألا تتذكر في ضعفك، وتستمد من قوة. الله عزك.
www.amrkhaled.net |