|
الواجبات السبعة:
وحتى يدرب الداعية نفسه ويعوِّدها هذا الأمر، نوصيه باتباع الأمور التالية:
1 - ليكن همك الأول إرضاء الله تعالى، ولو سخط عليك الناس جميعًا:
فقد أخرج الترمذي في الزهد عن رجل من أهل المدينة قال: كتب معاوية (t) إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي، فبعثت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: سلام الله عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس" والسلام عليك (إسناده صحيح). وفي رواية لابن حبان: "من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضى الناس وكله الله إلى الناس" (وسنده صحيح أيضا، والحديث ذكره الشيخ الألباني في حديث الجامع الصغير السيوطي وقال عنه الشيخان شعيب وعبد القادر الأرناؤوط في تحقيقهما لزاد المعاد: إسناده صحيح). وقوله (r): "من التمس رضا الناس" يعني: طلب، وقوله (r): "كفاه الله مؤونة الناس" المؤونة: التبعية، والمقصود كفاه الله تعالى شر الناس وأذاهم.
وهذا ميزان دقيق ينبغى أن يكون واضحًا عند كل الدعاة؛ لأن البعض ربما يجارى الناس فيما يحبون، ولو كان فى سبيل تأخير فريضة عن وقتها، مثل الذى يذهب إلى ميعاد، ويخاف أن يُفوّته، فيؤجل أداء الصلاة - إلى حد خروج وقتها - حتى يقضى ميعاده، وما درى هؤلاء أن من أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، وقس على ذلك أمورًا كثيرة تحدث فى واقعنا المعاصر.
2 - الثبات على المبادئ وعدم الحيدة عنها:
فلا يستدرج الداعية إلى التورط - خاصة أوقات الأزمات - بين شخص وآخر، أو فصيل وآخر؛ وليتذكر أنه داعية للخير، وصديق للجميع، يبسط يده للقريب والبعيد، ينظر للإيجابيات ويستبشر بها، ولا يركز على السلبيات، وهو لا يبيع دينه بعرض من الدنيا، ولا يلتمس رضا فلان أو غيره، وإنما الواجب أن يثبت على مبادئه ولا يحيد عنها، طالما أنها من الإسلام تنبع وعلى أصوله ترتكز.
3 - تنظيم الوقت وتفعيل فقه الموازنات والأولويات:
فالوقت لا يتسع لكل شيء، ولأن الواجبات أكثر من الأوقات، ومن الأفضل للداعية أن ينظر وفق المتطلبات العاجلة والمشكلات الكبيرة، فيعمل على حلها، والأمور الصغيرة يمكن تأجيلها لوقت آخر، وكما قال القائل: "الوقت المفقود لا يعود، ولا يُشترى بالنقود".
وفقه الموازنات يعنى أن نوازن بين المصالح بعضها وبعض من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث عمقها وتأثيرها، ومن حيث بقائها ودوامها، وأيها ينبغى أن يُقدَّم ويُعتبر، وأيها ينبغى أن يُسقط ويُلغى، خاصة إذا كان من المتعذر أن نقوم بعمل كل شيء نريده.
أما فقه الأولويات فمعناه أن نضع كل شيء فى مرتبته، فلا يُؤخر ما حقه التقديم، أو يُقدَّم ما حقه التأخير، ولا يُصغَّر الأمر الكبير، ولا يُكبَّر الأمر الصغير، ومن فقه الأولويات أن نعرف أى القضايا أولى بالاهتمام فنعطيها من الجهد والوقت أكثر مما نعطيه لغيرها.
يقول الشاعر:
والوقتُ أَنْفَسُ ما عُنِيتُ بحفظه وأراهُ أسهلَ ما عليكُ يضيعُ
وحبذا لو علَّمنا الناس هذا الباب العظيم من الفقه حتى يزنوا به كل أمور حياتهم الشخصية والأسرية والمجتمعية، ضاربين لهم الأمثلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فنخلق مجتمعًا واعيًا مدركًا مميِّزًا بين المصالح وبعضها البعض وبين المضار وبعضها البعض.
4 - التماس الأعذار للناس - كل الناس:
ففيهم العالم والجاهل، الطائع والعاصى، الملتزم والمقصر، وكل أصحاب ثقافات شتى، وأعراف متعددة، والداعية مطالب بالتواصل مع الجميع تواصلاً ينتج المحبة والثقة والتقدير، لا ينتج الكراهية أو الشك أو الإهمال، ولن يجد الداعية إنسانًا بلا أخطاء.
يقول الإمام علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه): "أعقل الناس أعذرهم للناس".
ويقول الشاعر:
ومَنْ ذا الذي تُرضى سجاياه كلها كفى بالمرء حمدًا أن تُعدَّ معايبه
5 - الالتزام بمبدأ التسامح مع الآخرين:
وخاصة الذين يكثرون من الاعتراض والشكوى، وليكن قدوتنا رسول الله (r) الذى عبر كثيرًا عن هذه القيمة بمثل: «اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون»، وقوله: «لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا»، وقوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وينبغى أن يكون هذا المبدأ فعلاً لا قولاً، وسلوكًا لا فكرًا، ففعل رجل فى ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل.
يقول عبد الله بن مسعود (t): "من يغفر يغفر الله له، ومن يَعْفُ يَعْفُ الله عنه".
ويقول الشاعر:
سَامحْ صديقكَ إن زلَّت به قدم فليس يسلمُ إنسانٌ من الزَّللِ
6 - الدعاء، ثم الدعاء، ثم الدعاء:
أن يلين لك الله قلوب الناس، وأن يفتح لك عقولهم، وأن ييسر فكرتك لتكون ذا قيمة عندهم وقبول، فليس المهم لك - أخى الداعية - أن تكسب موقفًا، ولكن المهم أن تكسب قلوب الناس؛ فلو فعلت ذلك ستضيق المسافات بينك وبينهم، وستجد قبولاً واستجابة لما تقول، وسيقل الذين يعارضونك؛ إما لأنهم لا يجدون آذانًا مصغية لهم، وإما لأنهم سيستحون من أنفسهم، ويعودون إلى رشدهم حتى لا يصبحوا كالشعرة السوداء فى الثور الأبيض، ومن ثم يعود إليك الصفاء.
يا خالق الخلق يا رب العباد ومَنْ قد قال في محكم التنزيل ادعوني
إني دعوتك مضطرًا فخـذ بيـدي يا جاعل الأمر بين الكاف والنون
7 – ابتعد عن الصفات السلبية:
فإياك وإياك والعجز، أو اليأس، أو الفتور، أو الإحباط، أو الكراهية فهي صفات لا تليق بالداعية ولتعلم أن أحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد، ولا زال في الوقت متسع، لتغيير قناعات الناس وما أَلِفُوه من شر، وما ورثوه من عناد، فاصبر.
لا تيأسن من روح ربك وارجُهُ في كل حال فهو أكرم مَنْ رُجِي
وإذا عَرَتْكَ من الليالـي شِـدَّةٌ فاعلـم بـأن مآلهـا لِتَفـَرُّجِ
ولتكن الوصية القرآنية للنبي (r) أمامك في كل وقت: «ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» (الحجر: 97 - 99).
بقلم أحمد زهران
صحفي مصري |