|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ9/4/2008
بعد أربعة أسابيع فقط من حملة " حماية " التي يقود من خلالها الداعية عمرو خالد الحرب على إدمان المخدرات في العالم العربي، حققت الحملة أهدافها .. وكان من حصادها المهم تخريج 80 شاباً يمثلون الدفعة الأولى من الشباب الذين واجهوا كارثة الإدمان في شجاعة، وأعلنوا للعالم أنهم تخلصوا نهائياً من هذا الكابوس.
أهـم حصـاد لحملة "حـمـاية" .. في وادي النطرون:
حكاية 80 مدمنًا عادوا إلى الحياة ..
كل الناس تنفرد بلقاء مجموعة من هؤلاء الشباب وأهلهم. الذين كشفوا أسرار أسوأ رحلة في حياتهم، شارفوا خلالها على الموت، عندما وقعوا في فخ الإدمان ، وكيف لاح لهم ضوء الأمل عندما أعلنت حملة حماية عن نفسها وعرفوا أن الشفاء من الإدمان ممكن بشرط أن يتقدم المدمن بطلب العلاج من تلقاء ذاته وعن قناعة، وحين مدوا أيديهم لعناصر حملة حماية وبدؤوا مشوار العلاج لم يتخلصوا فقط من إدمان المخدر، إنما تم أيضاً إعادة بناء شخصياتهم ليواجهوا الحياة أصحاء تماماً بدنياً ونفسياً.
في مركز الحرية لعلاج وإعادة تأهيل المدمنين .. التقينا في البداية بـــ " مدحت العربي " مدير برنامج 12 خطوة بوادي النطرون " على طريق مصر الاسكندرية الصحراوي وهو من أكبر برامج علاج الإدمان في مصر والشرق الأوسط..
حـمـاة المستقبل
يقول مدحت العربي:
يقوم مركز الحرية الآن بالتعاون مع حملة " حماية " التي يقودها الداعية عمرو خالد بعلاج العشرات من حالات الإدمان للمواد المخدرة. ويشرف على هذا المركز د. إيهاب الخراط أستاذ الطب النفسي ومعه مجموعة من الأطباء والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين وعناصر مدربة ومؤهلة للتعامل مع المدمن وسلوكياته الإدمانية.
كيف بدأت علاقةك بالداعية عمرو خالد وحملة حماية؟
- منذ سنة وستة أشهر تقريباً فوجئت باتصال هاتفي من الأستاذ عمرو خالد من خارج مصر قال لي: أنا حصلت على رقم هاتفك ممن حدثوني عن مهاراتك في علاج الإدمان, ثم بدأنا نلتقي بعد ذلك إلى أن تبلور تصور محدد لحملة " حماية " فبدأنا العمل فيه، كانت البداية هي تدريب 90 فرداً من حماة المستقبل وصناع الحياة المتحمسين. ومن بلاد عربية مختلفة من الجزائر والإمارات وسوريا، قمنا بتدريبهم على كيفية التعامل مع المدمن وإجراء مقابلات دافعية، معه للإقلاع عن تعاطي المخدرات، كانوا متطوعين تطوعاً كاملاً بدون أجر، قمنا بتدريبهم على ثلاث دورات مدة كل منها خمسة أيام، وتشمل الدورة دراسات أكاديمية مع تدريبات عملية وافية. ثم انضم إليهم أفراد من مصر. وانطلق الجميع بعد ذلك إلى موطنهم للإعلان عن مشروع " حماية " والتعامل مع المدمنين الذين يتقدمون لطلب العلاج.
اليوم فقط جاءنا في مراكز الحرية 35 مدمناً للعلاج بخلاف الذين توجهوا إلى مراكز التأهيل الأخرى التي تشارك في الحملة.
علاج بدون ملل
ما البرنامج اليومي لعلاج المدمنين؟
نحن نعتمد على برنامج شيق يخلو من الملل، والمدمن يتقدم إلينا من تلقاء نفسه يستيقظ المدمن تحت العلاج في العاشرة صباحاً. ثم يتفرغ لعملية " تأمل " من العاشرة حتى الثانية عشرة ظهراً، فيقرأ صفحات من كتاب " لليوم فقط " وهذا الكتاب يضم 365 صفحة بعدد أيام السنة ، يفتح الكتاب على ورقة اليوم " 25 مارس مثلا " فيجدها تتحدث مثلا عن الأمانة أو العلاقة بالأهل أو مشاكل المخدرات .. إلخ..
ويدخلون جميعاً في حوار ومناقشة حول موضوع صفحة اليوم .. يتجه الجميع للإفطار، ثم يذهبون لتنظيم الغرف والفراش والدواليب الخاصة بهم ، حيث نعودهم على الاعتماد على النفس في تنظيم أماكن الإقامة وترتيبها ثم يدخلون بعد ذلك إلى مجموعة دراسات، يقرأ فيها الشخص خطوته التي يعيش فيها – فالبرنامج 12 خطوة ثم يدخلون إلى مجموعة علاجية ثانية.
ما هو برنامج الــ 12 خطوة؟
- هو برنامج يعلمك كيف تعيش الحياة بشروطها ويعطيك طريقة للحياة بدون مخدرات ، وكل خطوة من 12 خطوة تحتوى على مبادىء معينة ، يعيشها المدمن ويمارسها، يفشل مرة فيعيد تجربتها إلى أن ينجح.
وبرنامج الـ 12 خطوة بدأ في أمريكا منذ الثلاثينيات في القرن الماضي لمدمني الخمر ثم استخدم مع مدمني المخدرات ومدمني القمار ومدمني العمل، ويستخدم أيضاً مع مدمني الانترنت ومدمني الجنس والشذوذ. تكاليف العلاج من وقف أشجار الزيتون.
ما المدة التي يقضيها المدمن في العلاج حتى يشفى؟
من 3 أشهر إلى ستة أشهر ومسموح للمدمن بالأجازة منذ أول شهر لمدة يوم ويعود ثم ثلاثة أيام في الشهر الثالث وهكذا إلى أن نؤهله للانطلاق في الحياة. و95% ممن يواصلون العلاج لمدة شهر يعودون تلقائياً بعد انتهاء الإجازة، لأنهم يحبون المكان والناس الموجودين به.
أشجار الزيتون المباركة
على أى شيء يعتمد المركز مادياً في الإنفاق على من يتم علاجهم؟
الأهل يدفعون مصاريف شهرية لعلاج أبنائهم أما غير القادرين فهناك ستة آلاف شجرة زيتون إلى جوارنا تم وقف عائدها للإنفاق على غير القادرين من المعالجين، ونحن لا نفرق بين من يدفع نفقات علاجه ومن يعالج مجاناً من غير القادرين.
ود. إيهاب الخراط من رواد علاج الإدمان في مصر وهو صاحب فكرة البيوت المفتوحة لإعادة التأهيل، من حق المدمن أن يغادرنا في أي وقت، فلا توجد أسوار للمكان، نحن لا نستقبل إلا من يطلب العلاج بكامل إرادته واقتناعه، حتى من يتركنا نستقبله مرة ثانية إذا عاد إلينا ونرحب به.
ما تكلفة العلاج للقادر؟
تتراوح بين 2500 و 3500 جنيه حسب مدة الإقامة.
اعترافات الأهل والمدمنين
في حديقة مركز الحرية للعلاج من الإدمان التقت " كل الناس" بآباء وأمهات المدمنين الذين تم علاجهم . جاءوا يحتفلون بشفاء أولادهم من إدمان المخدر، كما التقينا بالأبناء الذين من الله عليهم بالشفاء.
أول أب التقينا به هو العميد متقاعد هاني الذي روى لنا مأساة ابنه أحمد قال:
مأساة أحمد بدأت منذ 1 سنة، كنا نحس بالتوهان، لأننا لا ندري أسباب الأعراض التي يعاني منها ابننا أولا .. بدأ يتغيب عن البيت . ثانيا .. أحسسنا بانحراف سلوكه عندما بدأ يكذب ثم بدأ يمد يده على أشياء في البيت ، يتغيب عن المدرسة، ويتأخر في العودة إلى البيت ليلاً.
كنت عاجزاً عن اختيار العقاب المناسب وتوقيعه عليه، لجأت إلى تعنيفه وضربه ثم طرده من البيت ، وهذا العقاب أعطاه مناخاً خصباً للتمادي في الانحراف.
السيجارة .. أول خطوة!
هذه الأعراض ظهرت على ابني بعد بلوغه 16 سنة، وكان تدخينه للسجائر هو البداية، كان يدخن بشراهة، وليته اقتصر على السجائر. سبب التوهان الذي عشناه أننا أخذنا الظاهرة على أنها سوء سلوك، رأيي أن إدمان المخدرات يرجع إلى استعداد لدى الشخص نفسه بدليل أننا جميعا تعرضنا لأصدقاء السوء ولم ننجرف إلى هاوية الإدمان, لا أريد أن أحمل أصدقاء السوء المسئولية الأساسية، فالأساس هو استعداد الشخص لهذا التوجه المنحرف.
أضف إلى ذلك عامل الخوف، فالشخص الخواف يلجأ إلى محاولة إثبات رجولته وشجاعته بالتوجه إلى تعاطي المخدرات، المصحات في البداية تعاملت خطأ إذ شخصت المرض بأنه انحراف سلوكي، ثم عادت وقالت أنه يتعاطى المخدرات وهو في البداية لم يكن يرغب في العلاج، وفي المرحلة الأخيرة اقتنع وطلب لنفسه أن يعالج، بعد أن تعرض لعدة مواقف منحرفة أوصلته إلى المحاكم وأقسام الشرطة.
كنت أعطيه مصروفاً يتفق وحالتنا الاجتماعية، بدأ بخمسة جنيهات ووصل إلى 15 جنيهاً.
دخل أحمد مركز الحرية مرتين، في المرة الأولى لم يستمر وهرب بعد أن قضى ثلاثة أشهر متقطعة، ثم أدخلته مصحة أخرى لأفصل بين مرحلتين، ثم أعدته إلى المراكز وقضى أربعة أشهر مستمرة بنجاح، وأنا لأول مرة أتفاءل بالنسبة لعلاجه وهو الآن طالب في السنة الرابعة بكلية الحقوق وعمره 27 سنة، وأتمنى أن يتخرج في الجامعة بعد إعادة تأهيله، وقد كان حلمه أن يصبح ضابطاً بالقوات المسلحة، ولايزال يطمح أن يكون نائب أحكام.
المدمن الفيلسوف!
التقينا بأحمد هاني 27 سنة – الطالب بكلية الحقوق والذي تم علاجه من الإدمان قال:
- الذي شدني عن القانون والدراسة أني كنت أصدق أنني وحدي أستطيع تحقيق الكثير، ليست هناك تجربة عاطفية فاشلة هي التي دفعتني إلى طريق الإدمان، الموضوع كان أكبر من ذلك، فأنا تعلمت أن الشخصية تتكون من خلال صحوة الضمير والعلاقة بربنا..
بمعنى ربنا في حياتك أيه؟ وأحاسيسك و مشاعرك وإرادتك وماذا يمكن أن تفعل خلال يومك؟
تشاهد التليفزيون أو تقعد تتكلم مع أصحابك على القهوة ، وممكن تروح شغلك، بعد ذلك يأتي جسمك.... وأنا لم أبذل مجهوداً لأحقق أي شيء كنت أظن أن الفلوس التي أحصل عليها من أهلي أو الفهلوة يمكن أن أعمل بها دماغ، وهو ما يسمونه التمحور حول الذات.
لم أكن أعرف ربنا في حياتي، لم أكن أصلي، كنت أظن أنني وحدي أستطيع عمل أي شيء في حياتي دون اعتماد على الله.
كنت أبرر تصرفاتي، إذا عجزت عن الوصول إلى هدف فالسبب عدم وجود فلوس أو أن الظروف لو كانت تتغير، ثم لجأت إلى المخدرات التي أوصلتني للحضيض.
كنت أشتغل أحياناً لأحصل على المال لأثبت لنفسي أنني أستطيع وحدي عمل أي شيء، وكنت أنفق المال الذي أكسبه على المخدرات فإذا ضاق بي الحال يمكن أن أسرق أو أعمل أي شيء لا يخطر على بال أحد.
كوكتيل مخدرات!
وأنا تعاطيت كل أنواع المخدرات ما عدا الكوكايين .. من أول الماريجوانا إلى الهيروين. الآن بعد العلاج أنا متفائل جدا، أنا تغيرت بشكل كبير ، وفي حياتي الآن أشياء أعتز بها جداً، وفي عقيدتي أن الإنسان الذي أخطأ ثم تاب أفضل كثيراً من الإنسان الذي لم يدخل في التجربة، أنا الآن أختار بنفسي عمل الشيء الجيد، والإنسان لا ينمو دون ألم، وأشد لحظات الليل ظلمة هي التي تسبق الفجر مباشرة.
في نهاية لقائنا نهض أحمد وانحنى يقبل يد والده العميد هاني فاحتضنه الأب بتأثر شديد وهو سعيد باسترداد ابنه الضال الذي عاد إلى صوابه.
فتش عن المرأة
أم فاضلة جاءت لتحتفل بتمام شفاء ابنها " كريم " من الإدمان قالت:
اسمي ميرفت التجربة التي مررنا بها كانت شديدة القسوة علينا، والحمد لله ربنا بعث إلينا بهؤلاء الناس " حملة حماية " الذين وقفوا إلى جانبنا وأنقذونا من الدمار الحقيقي الذي كنا فيه. وربنا عالم ببيوتنا.
كان كريم شاباً طبيعياً مر بمحنة وفاة والده ثم بمشكلات بيننا وبين أسرة والده، فكان يقف إلى جواري في مواجهة المشاكل، ثم بدأ يمل ويبتعد ويتركني وحدي للمشاكل، بدأ ينجرف في طريق أصدقاء السوء والبنات، كان يريد أن ينسى الواقع الذي نعيش فيه، فبدأ يتعاطى المخدرات، وفشل في الشغل وكان يعمل في التخليص الجمركي لأنه خريج تجارة.
وبدأ يعود إلى البيت متأخراً بعد الساعة الواحدة ليلاً، كنت أنهره عن فعل ذلك فكان يتطاول عليّ. أهمل عمله وأغلق مكتب والده الذي كان مورد رزقنا، وأصبحت حياته سهراً طوال الليل خارج البيت. ونوم طوال النهار، وتطورت المشاكل فتحولت شخصيته 180 درجة، كان يشتمني ويضربني ويعامل أخته الأصغر منه معاملة سيئة، تحول إلى شخص يختلف كثيراً عن ابني الذي أعرفه.
فوجئت به يتجه إلى العلاج من تلقاء نفسه لم أكن أعلم أن تصرفاته الشرسة ناتجة عن إدمانه للمخدر، إلى أن ذهب للعلاج من الإدمان فعرفت الحقيقة.
في الحقيقة جاءه أحد الأشخاص في البيت ليركب له المحاليل، وصارحني بأنه طبيب اتفق معه على العلاج من الإدمان. ثم دخل مصحة وهرب منها لم يستطع احتمال البعد عن المخدر، ثم عاود محاولة العلاج مرة ثانية وهرب، ثم كانت المرة الثالثة التي أمضاها كاملة بنجاح وتم شفاؤه وسيتخرج اليوم ضمن مجموعة " حماية ".
مخدرات الساحل الشمالي!
يروى الابن " كريم " حكايته فيقول: عمرى 23 سنة – بدأت علاقتي بالمخدرات بسيجارة الحشيش وأصحاب السوء، كنت أعيش بلا التزامات جامعة ومصروف وحياة رغدة كلها رفاهية، وحنان وأم وأب يوفران لي كل شيء.
علاقتي بالمخدرات بدأت بالرغبة في التجربة وبدأ المشوار فلم أستطع التوقف واستمر إدماني للمخدر 4 سنوات ، ومبكراً تعرفت على بودرة الهيروين. كانت لى زميلة في الكلية، جنسيتها أردنية هي التي وفرت لي البودرة وعلمتني كيف استخدمها، أنا رأيت البنت تتعاطاها فقلت لنفسي. إذا كانت البنت تستعملها فهل أخاف أنا من استعمالها؟ قلت لنفسي جربها البنت شجعتني. بعد ذلك تعلمت كيف أحصل على البودرة حين كانت البنت تسافر لأهلها. وبدأت مشاكل البيت كنت لا أتحدث مع أهلي وأقاطعهم لفترة طويلة، وكنت أظن أنني حين أنوي التوقف عن المخدر فسأفعل ذلك وحدي دون اللجوء إلى أحد. لكن هذا لم ينفع وبدأت أذهب للعلاج لأخفض كمية المخدر الذي أتعاطاه توفيراً للعبء المادي.
كنت أتعاطى 7 جرامات في اليوم ثمنها 700 جنيه. أحصل عليها من التاجر مباشرة وليس الموزع. كنت أشتريها من الساحل الشمالي بالإسكندرية فالجامعة ليس بها موزع.
على سبيل الهلس
وانتقل إلى شاب آخر تخلص من إدمانه ويتطلع لحياة جديدة: اسمي مصطفي أحمد حصلت على دبلوم تجارة، وقد شفيت تماماً من الإدمان وآتي إلى هنا لأساعد زملائي الذين لم يستكملوا العلاج فهذا دين في عنقي. آتي إلى هنا في المواصلات فأنا من الاسكندرية، لأني أرى المستقبل في هذا المكان.
دخلت دائرة الإدمان منذ 12 سنة، ووصلت إلى إنفاق 150 جبيها في اليوم على المخدر ، كنت أعمل في شرم الشيخ بمرتب كبير وأحصل على بقشيش كبير وكنت آخذ المخدر في البداية على سبيل " الهلس " مع أصحابي.
وكنت أظن أنني سأتحكم في تعاطي المخدرات ثم أفلت مني الزمام، ولم أستطع التحكم في نفسي. ورطني صاحبي فأعطاني حقنة .. قلت أجرب مرة، فأعجبتني وجدت نفسي أكثر نشاطاً في الشغل، وأتحدث مع الناس بشكل أفضل، أصبحت أعمل 18 ساعة في اليوم. تضاعف دخلي في الشيفت من 150 جنيهاً إلى 300 جنيه، ظننت أن الموضوع مربح، لكني فوجئت بأني لا أستطيع العمل إلا بالمخدر، ففصلت من عملي ، ولم يعد لي مورد للمال، فبدأت أمد يدي وأسرق أي شيء في طريقي، من بيتنا أو بيوت أصحابي، أكثر من مرة سرقت أصحاب العمل وهربت ولكن ربنا سترني ولم أدخل في قضايا، كنت أظن أننى أذكى الناس وجاء العلاج لينقذني من الضياع.
اكتشاف متأخر جدا
والتقينا مع أب آخر لمدمن آخر تم شفاؤه جاء الأب ومعه زوجته وابنته ليكونوا جميعا في استقبال الابن العائد للحياة قال لى الأب:
اسمي " بديع " أعمل في المقاولات .. بدأت المشكلة عندما كان ابني " مينا " طالباً في المرحلة الإعدادية، ثم بدأ حالة يتغير .. تعثر في الدراسة بعد أن كان من أوائل المدرسة ثم بدأ يرسب في المرحلة الثانوية، وامتنع عن الذهاب إلى المدرسة، بدأ يسرف في طلب النقود، كنا نظن أنه يدخن السجائر فقط ولم يخطر ببالنا أنه دائماً يسبق تفكيرنا بخطوة، أنا لم أر المخدرات في حياتي ، لا أعرف شكلها، لا أعرف تأثيرها ..
كان يأتي إلى البيت بعينين محمرتين دائماً في حالة نعاس، حولنا مساره الدراسي إلى التعليم المتوسط التجاري. ثم التحق بالمعهد العالي.
كان يعود إلى البيت متأخراً، وكان دائم الشجار والعصبية معنا، لا يعمل بنصائح أحد، دمر لنا حال البيت وسعادته، دائم الصدام بأمه وأخته، وبدأت صحته تنهار. فعرفنا أنه يتعاطى المخدر ، يطلب النقود ليشترى المخدر فإذا لم نستجب له يقوم بتكسير أثاث البيت. لم ينفع معه الطرد من البيت، بدأت مشاكله تتفاقم نتيجة الطرد من البيت. فاتجهنا إلى علاجه. وفهمنا أنه لابد أن يتقدم لطلب العلاج بإرادته، وظللنا نحاول إقناعه فكان في البداية يسايسنا، ليهدىء اللعب معنا، دخل للعلاج مرتين فكان يترك المصحة ويهرب، ثم في المرة الأخيرة كان قد تعرض لجرعة زائدة من المخدر، فتدهورت صحته، وطلب العلاج فأتينا به إلى مركز الحرية.
لم أكن أعطيه مصروفاً محدداً لأنه كان يأخذ " غصباً عنا " كان في الفترة الأخيرة يأخذ 150 جنيه في اليوم، دمرنا في كل شيء...
كان لابد أن أعطيه النقود حتى لا يلجأ إلى السرقة خارج البيت فيضيع مستقبله في إحدى القضايا، كنا نحوطه من كل اتجاه لندفعه إلى العلاج بإرادته. وحقق الله أملنا بتمام علاجه وهو ضمن المتخرجين اليوم، وقد تغيرت شخصيته تماماً وسلوكياته وصار ملتزماً في كل شيء عرف معنى الأسرة ومعنى الأم والأخت والأب.
أنا الآن شبه إنسان طبيعي ، كانت لدى مفاهيم مغلوطة وسلوكيات أعيش بها خاطئة، تم تصحيحها، وتغيرت حياتي بنسبة 180 درجة. تغيرت علاقاتي بالبيت والناس خارج البيت وأصحابي، حياة جديدة أعيشها الآن وأنا أنصح أي شاب لديه مشكلة مع المخدرات أن يكون أميناً مع نفسه. ويواجه نفسه بالحقيقة ليستطيع الخروج من الأزمة.
حاولت الإقلاع عن تعاطي المخدرات بأكثر من طريقة فلم يفلح معى غير برنامج 12 خطوة، فأول خطوة تتحدث عن المخدرات وال 11 خطوة تتحدث عن التغيير، تغيير السلوكيات والأفكار القديمة.
التي كنت أعيش بها، الخطوة الأولى وحدها لا تكفي للشفاء، هي تبعدنا عن المخدرات لكن باقي الخطوات هي التي تغير الشخصية وتقوم بتعديلها بمبادىء جديدة لم أكن أعيش بها قبل ذلك.
بداية تعاطي المخدرات معي كانت في حفلة، لم تكن عندي أية مشكلات في البيت أو خارجه، لكن حين دخلت في الإدمان النشط بدأت المشاكل في كل مكان.
استمريت في تعاطي المخدرات 11 سنة، في البدء تعاطيت الحشيش والبانجو ثم تعاطيت الهرويين بعد ذلك مدة 6 سنوات. عندما يكون لى ابن سأكون متيقظاً تجاهه، فأبي لم ير المخدرات في حياته لهذا لم يرصد علاقتي بها، لكن الوضع معي سيكون مختلفاً باعتباري مجرباً.
وأنا قبل أن أتعاطى المخدرات كانت لدي سلوكيات إدمانية ومفاهيم مغلوطة في الحياة. والإدمان يمكن ألا يعبر عن نفسه في المخدرات إنما يظهر في أشياء أخرى، كالسرقة والجنس.
وأنا بدايتي مع المخدر كانت مع أشخاص أكبر مني سناً. كان عمري 15 سنة،وهو 30 سنة، ولم تكن لديهم مشكلة إدمان، كانوا يتعاطون فقط دون إدمان، فلم تكن لهم السلوكيات الإدمانية التي عندي، أنا كنت أتعاطى كل يوم كمية أكبر ولا أشبع من المخدر.
الخوف سبب الإدمان
ونلتقى بأكبر المدمنين سناً:
اسمي سعيد السويسي عمري 53 سنة، أعمل نحات جرانيت ورسام عربي، فنان يعني. بدأت الإدمان وعمري 13 سنة، شربت سيجارة بيرة ثم سيجارة حشيش.. ومنذ 20 سنة أتعاطى بودرة الهرويين، كنت أكسب من 300 جنيه إلى 1500 جنيه في اليوم، وأحببت البودرة لكنها بهدلتني صحياً بشكل كبير، خسرت عيالي وزوجتي، وأنا تزوجت ثلاث مرات، كنت أطلق لأني مزواج.
ما أريد قوله للناس: أن هناك سلوكاً إدمانياً عند أي طفل، والمفروض أن أي أم أو أي أب يلاحظ ذلك عند الأطفال لمعرفة السلوك الإدمانى لديهم، الطفل يكون غير سوي بمعنى أنه يتصرف تصرفات غير طبيعية بخلاف تصرفات الأطفال العاديين، فالطفل قد يكون معه ثمن الشيكولاته ثم يسرقها من السوبر ماركت.
أنا تعرضت لأعراض انسحاب مميتة لأني كنت أتوقف عن التعاطي ثم أعود. فأصاب بإسهال وإفرازات من الأنف أو العينين أو الفم، وأنا أريد أن أوضح أن الطبيب المعالج اليوم لا يشفيني فقط من الإدمان إنما يقوم بتعديل شخصيتي، وأنا فهمت من التجربة العلاجية أن الخوف هو سبب الإدمان.
الطفل حين يخاف يحاول إضاعة الخوف بالإدمان.
هنا أثناء العلاج يزرعون مفاهيم جديدة في عقولنا، نحصل كل يوم على أربع محاضرات قيمة، وأنا هنا منذ 107 أيام ولم أنته بعد فترة من العلاج، لكن أهم من المحاضرات التي تلقى علينا. هناك شيء اسمه حب غير مشروط. هذا الحب هو الذي جعلني أستمر في المكان وأعيش تجربة العلاج حتى النهاية، الناس هنا تتعرى من الأقنعة الزائفة. هنا شفافية مطلقة، لا أحد يتجمل بغير ما فيه.
الإنسان الذي يعالج هنا بقدر ما هو مدمن وبقدر ما ارتكب من أخطاء ، حين يكون سوياً أكثر ممن يعيشون هناك في العمران.
وأنا بقدر ندمي على العمر الذي ضاع. بقدر ما استفدت من التجربة المريرة، وأصبح عندى الوعي والإدراك.
www.amrkhaled.net |