|
أنا هنا لأخبركم أني أتهم الرجل الأبيض, بأنه أكبر مجرم على وجه الأرض.
و أكبر سارق على وجه الأرض.
وأكبر مغتصب على وجه الأرض.
لا يوجد مكان ظهر فيه إلا وظهر الفساد والانحطاط.
كل مكان يذهب إليه يصنع الفساد والدمار.
أنتم لستم أمريكيين, ولكنكم ضحايا أمريكا.
أنا لست أمريكياً لأني ولدت هنا.
أنا واحد من ٢٢ مليون أسود ولدوا في أمريكا, لكنهم ليسوا أمريكيين, فنحن لم نر ديمقراطية, ولا حلماً أمريكياً.
ما رأيناه هو كابوس أمريكي.
(وبين كل جُملة هناك تهليل وتصفيق حاد من الجمهور الذي يملأ القاعة)
هكذا كان يتحدث أكثر الأمريكان السود غضباً في أمريكا كما أطلقوا عليه.
مالكوم أكس.
الكلمات السابقة فيها قدر كبير من العنصرية ضد الرجل الأبيض.
لكنها الحرية الأمريكية التي سمحت للرجل في هذه المرحلة من حياته أن يتحدث بهذه الجرأة .
كتاب السيرة الذاتية لمالكوم أكس باختيار مجلة التايم, من أفضل عشرة كتب سيرة ذاتية في القرن العشرين.
و قامت أمريكا بتكريم مالكوم أكس بإصدار طابع بريد عليه صورته, لتعطي له مكانته التى يستحقها للدفاع عن حقوق السود في أمريكا.
ولكن كيف تكرمه أمريكا, ذلك وقد ترجمت لكم إحدى كلماته المشهورة في خطبه النارية التي تصرخ بكراهية الرجل الأبيض؟
وهي كلمات في معظم الأحوال لا تدفع باطلاً, ولا تأتي بحق, ولكن تثير الغضب, الذي يكون أعمى في أحوال كثيرة.
ولكنها كما قُلنا مرحلة كان يجب أن يمُر بها مالكوم قبل أن يصل للفهم الصحيح لقضية العُنصرية في أمريكا.
والفهم الصحيح لدين الإسلام.
لنبدأ الحكاية, من البداية.
الوالد كان مبشراً مسيحياً, طوله متران تقريباً, عريض المكبين, تهابه حين تراه, فخور بأصله, اشتهر بدعوته للسود للاحتفاظ بأصلهم, والدفاع عن حقوقهم, , ليس بالبقاء فى أمريكا, ولكن بالعودة لأفريقيا!
أما الأم فنصف بيضاء لأن أمها اغتصبها رجل أبيض.
وبسبب نشاط الأب, وُضِع مُقيداً أمام عجلات القطار, ليكون عبرة لغيره من السود المتمردين, وتم اعتبار الجريمة حادث انتحار.
وفقدت الأُم ففقدت عقلها من ضغوط المعيشة, واستيلاء الشئون الاجتماعية على أبنائها,ووضعهم مع عائلات بديلة لأنها لم تستطع إعالتهم , ووُضعت في مصحة نفسية حتى آخر عُمرها.
أما مالكوم ليتل, فتم وضعه مع أسرة بديلة , وكان الطالب الأسود الوحيد في المدرسة الابتدائية, ومن كثرة ما كان يُنادى بلفظ: نيجر, أكثر الألفاظ عُنصرية ضد السود, كان مالكوم يظُن أنه اسمه الحقيقي.
حين كان في الصف الخامس الابتدائي سأله مدرسه السؤال الشهير: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟
قال مالكوم: أريد أن أكون محامياً.
قال له المدرس بهدوء: يجب أن تكون واقعياً يا بُني.
قال مالكوم: ولكني الأول على فصلي, وتم انتخابي رئيساً للفصل.
قال المدرس: أنت أسود يا بُني, وأنت ماهر في استخدام يديك, تستطيع أن تكون نجّاراً مثلاً.
ترك مالكوم المدرسة في الصف الثالث الإعدادي, واتجه للعمل كبائع جائل على القطارات.
بعدها عاد لحي هارلم المشهور بالإجرام والدعارة والمخدرات, ليتعرف على حياة الضياع, وتعرف على ويست أرشي الذي يعمل في المراهنات غير الشرعية .
ومن المراهنات, لشرب المخدرات, ثم التجارة فيها, وبعدها العمل في الدعارة, وانتهاءً بتكوين عصابة لسرقة البيوت الكبيرة.
وأثناء ذلك وصل مالكوم لأكبر غنيمة يحاول الأمريكي الأسود الانتقام بها من الرجل الأبيض.
مصادقة امرأة بيضاء.هذا كلام مالكوم, وليس كلامي.
وبمرور الأيام تحوّل مالكوم لحيوان حقيقي كما يصف هذه المرحلة من حياته, لا يخشى الموت, ليس لديه ما يخسره, مستعد لارتكاب أي جريمة مهما كانت بشعة.
وتم القبض على مالكوم وعصابته, وحُكِم عليه بعشر سنوات في السجن, كان من المفترض أن تكون العقوبة عامين, ولكن لأن العصابة كان فيها سيدتان من البيض, كان يجب أن يكون مالكوم عبرة لغيره .
وأول عام داخل السجن كان يُسمى بمالكوم بالشيطان, من المشاجرات التي يرتكبها, والمعجم اللغوي الذي يستخدمه في سب وشتيمة رب الكون الذي وضعه في هذه الحياة السيئة كما كان يقول يصرخ ويتشنج.
ثم كان الحدث الذى غيّر حياته من حيوان مُدمن لكل أنواع المخدرات, مجرم , وقوّاد, إلى أسطورة.
تعرّف على مالكوم الأخ بينز, الداعية من أمة الإسلام, وهي منظمة أقامها في أمريكا رجل اسمه اليجة محمد ادّعى أنه رسول الله للرجل الأسود, مستغلاً تخاذل مسلمي الشرق في نشر دعوة الإسلام الصحيح في الغرب.
وهذه الدعوة تحتوي على معظم أخلاق الإسلام, من صدق واستقامة وتحريم الخمور تحريم أكل لحم الحنزير والجنس بغير زواج.
لكنه إسلام مُحرّف, يرفع اليجه محمد لمكانة الأنبياء.
ومن أهم مبادئ أمة الإسلام أن الرجل الأسود يجب أن يسترد حقوقه من الشيطان الأبيض الذي استغلهم على مدار أربعمائة عام في أمريكا, عانى فيه الرجل الأسود من الاستعباد والجهل والاغتصاب.
ولتأكيد هذه الحقوق, قال من أُسس هذه التعاليم أن الرب أسود ,وليس أبيض البشرة!
ولا نلوم أُمة الإسلام فى أمريكا, قبل أن نلوم أنفسنا بالطبع على هذا التحريف.
نعود لمالكوم.
أغرى الأخ بينز مالكوم بالعودة للقراءة, ويحكي مالكوم أنه فى هذه الفترة كان معجمه اللغوي لا يزيد عن مائتي كلمة معظمها شتائم قبيحة, ودادى أو, وغيرها من الكلمات المتداولة بين السود في شوارع هارلم بين تجار المخدرات والقوّادين.
كانت بداية مالكوم مع القراءة ,معجم وبستر, من أول كلمة في المعجم , أادفارك, آكل النمل الأفريقي , نسخها في كراسة.
وبعد شهور قليلة, أنهى مالكوم نسخ معجم وبستر بأكمله, أرسل بذلك رسالة لأليجة محمد, فمنذ أن دخل في أُمة الإسلام وهو يرسل له رسالة يومياً.
وفي مكتبة السجن, قضى مالكوم أكس الساعات الطوال, يقرأ بنهم شديد على أساس أن يستغل كُتُب الأمريكي الأبيض ليحاربه بها, كما شرح له الأخ بينز.
أثناء ذلك تمرّس مالكوم فى المناظرات التي كانت تتم فى السجن, كان يستطيع أن يُفحم أي شخص بحججه القوية, وثقافته الواسعة التي حصّلها في الجامعة.
جامعة السجن!
أما اسم أكس المُلحق باسمه فله قصة أخرى.
مالكوم اسمه الحقيقي هو: مالكوم ليتل, أو مالكوم الصغير.
ولكن الأخ بينز أخبره أن هذا هو اسم العبد الذى أطلقه عليه الشيطان الأبيض,أما الحقيقة فهي أنه لا شيء, بل أقل من اللاشيء.
فكان تغيير اسم مالكوم ليتل لمالكوم أكس, الرمز الذي يعنى المجهول فى علم الحساب, كناية عن ضياع السود في قارة أمريكا, وتشويه أصلهم الحقيقي في قارة أفريقيا.
قد نقف مذهولين طويلاً أمام هذه العُنصرية الفكرية, بعضنا قد يضحك ساخراً ولا يُصدق, ولكنها الحقيقة تحكيها أحداث التاريخ.
وفي شهور أصبح مالكوم أكس شخصاً آخر.
كان يقرأ في اليوم أكثر من ١٦ ساعة, يكتب خطابات دعوية لزملاء الإجرام في هارلم, وخاصة ويست أرشى, كانوا يتندرون بها أن مالكوم فقد عقله.
يرسل خطابات للبيت الأبيض, لأعضاء مجلس الشيوخ يشرح موقف السود من الاضطهاد والعنصرية, ويدعو السود للدخول في أمة الإسلام.
وفي تعليقه على إرساله هذه الخطابات, كتب لاليجة محمد مرة: أرسلت لهم رسائل كثيرة, ولم أتلق أجابة, ولا أعلم السبب!
خرج مالكوم من السجن, وقابل اليجة محمد لأول مرة, ولم تكن الأخيرة.
فبسبب حماس مالكوم أكس, وإيمانه الصادق بقضيته, كان طاقة هادرة.
كان يتحرك بواقعية, وأساس أن الشيطان قوي, ويجب أن نواجهه في موطنه وبمنتهى القوة والحسم.
يذهب لشارع هارلم, يقف الساعات الطوال, مع زملائه القدامى المدمنين والقوّادين والنصابين, يدعوهم بالعقل والمنطق لترك ما هم فيه من حياة ضائعة.
والعدد القليل الذي يستجيب, لا يتم قبوله مرة واحدة داخل أمة الإسلام.
فالمدمن مثلاً, يجب أن يتخلى عن الإدمان, وهذا برنامج علاجي يتكون من ست خطوات يشرف عليها رجال أمة الإسلام
١- يعترف المدمن بأن تعاطيه المخدرات مشكلة يجب أن يتخلص منها٢- يتم توعية المدمن بسبب تعاطيه المخدرات, من بطالة وجهل وضعف ثقة بالنفس, وفقدان للهوية.٣- إقناع المدمن أن هناك طريقة للشفاء من الإدمان٤- إعادة بناء الثقة وعزة النفس في المدمن, ليدرك أن بداخله القوة الكافية للتخلي عن الإدمان٥- يقوم الشخص بإرادته, بالانقطاع المفاجئ عن تعاطي المخدِّر٦-الآن بعد شفاء المدمن تماماً, يقوم بدوره اتجاه إخوانه المدمنين, ويشارك في حملة إقناعهم بالانقطاع عن الإدمان.
ويستغرب المرء, أن أربعاً من الخطوات الست تعتمد على بناء شخصية الإنسان, والتوقف عن المخدر خطوة واحدة فقط, مما يدل على الوعي والثقة في العالم الغربي بإرادة الإنسان , وقدرته على تغيير الواقع المادي بقوة العزيمة وصلابة الروح.
بعد سنوات قليلة من العمل داخل أمة الإسلام, أصبح مالكوم أكس المُمثل الأول لأليجة محمد.
وبفضل الجهود الرهيبة التي بذلها مالكوم أكس داخل المنظمة, زاد أعضاء أمة الإسلام داخل أمريكا من ثلاثمائة شخص لا يعلم بهم أحد, إلى ثلاثمائة ألف عضو منظمين مجتمعين, موحّدين, لهم صولة وجولة وصوت مسموع داخل المجتمع الأمريكي.
وبالرغم من أن مالكوم أكس لم يتخط المرحلة الإعدادية في الدراسة, فقد كان يُدعى لأكبر جامعات أمريكا وانجلترا, كهارفارد وكامبريدج ليحاضر ويناظر أكبر الأساتذة وأكثرهم ثقافة عن حقوق السود
يتحدى أكبر رموز الإعلام على شاشات التلفاز, ويفحمهم بقوة منطقه وصلابة أسانيده وأفكاره.
لكن مالكوم أكس كان ينتظره تحدٍ من نوع آخر, وهو الحسد من أخوانه في المنظمة, وأول الحاسدين كان الأخ بينز.
وكان هذا متوقعاً, فمالكوم أكس, يمتلك شخصية كاريمزية متميزة,تتحلى بالصدق والإيمان والثقة بالنفس, وكل الصفات التي تجعله القائد الحقيقي, غير الصورة الباهتة لأليجة محمد الذي لم يكن يستطيع الوقوف على المنصة كثيراً, بسبب التهاب الشعب الهوائية المزمن الذي يعاني منه.
والشيطان له طريق نافذ في طعن الصادقينفي ظهوروهم, بخناجر في أيدي إخوانهم.وفي نهاية ١٢ عام من العمل والسهر المضني كانت الغيوم تنذر بعواصف جديدة في سماء هذا الرجل
أعتذر للإطالة, وخروج الموضوع عن سياق المذكرات الشخصية, ولكني أشعر بأهمية الموضوع وارتباطه بعنوان هذه المذكرات.
بقلم د/ عمر حمدي |