|
لم أكن أتصور أنهم بهذه الكثرة فى نيويورك.
اليهود.
رأيت بعيني ولم يخبرني أحد.
أركب الآن المترو والساعة السابعة والنصف صباحاُ, أكثر الأوقات ازدحاماً بسبب ذهاب الناس لأعمالهم, والشيء المدهش أن المترو تقريباً لا يوجد فيه أحد.
تنتهي الدهشة سريعاً, فهذه الأيام هي أجازة اليهود السنوية التى يحتفلون فيها بالخروج من مصر, حين هربوا بذهب المصريين, ذهبنا وأموالنا التي يحتفل أولاد الحرامية بسرقتها.
أمس وأنا عائد من منهاتن كانت السفينة مزدحمة جداً بعائلات يهودية كبيرة يرتدون جميعاً القُبعات السوداء الصغيرة, والنساء يغطين شعورهن, ربما يختلط عليك الأمر فتظنه بونية فتاة مسلمة محجبة, وحتى الأطفال الصغار الطواقي والشعور الطويلة, والبدلة السموكن الكاملة.
أعدادهم كبيرة, قواهم المادية غير محدودة, سلطتهم طاغية, ومكرهم يقتل الأفاعي في الجحور.
كم أشتاق لأداء عُمرة.
أريد أن أتواجد بين جمع كثيف من المسلمين الفخورين بدينهم وأصلهم.
أصبحت أعد الأيام لأعود لبلدي, وطني, أهلي, أحبابي.
وأمي الحبيبة, كم أشتاق اليها.
أتحدث معها على الهاتف بين الحين والآخر, ولكني أعني حديث الصباح والمساء, ومناكفة وقت الغداء حين أصر على فتح مواضيع هامة وقت المسلسل العربي ,الذي تتابعه أمي بإصرار منذ أكثر من عشرين عاماً , ولكني تعودت أن أتحلى بإصرار دائم على الحديث وقت الغداء, وأحياناً أغلق التلفاز مغتاظاً, ولكن يجب أن أجري بعدها من المطبخ فوراً.
أمس رأينا فى الأكاديمية فيلماً من فلسطين المحتلة.
آه يا عرب يا مسلمون, ماذا نفعل بعد أن ضيّعنا الأقصى العظيم؟
عندى فكرة أضعها كأساس, كمنهج عمل لأتمكن من التعامل مع الجُرعات التي نتجرعها صباحاً ومساء كعرب ومسلمين.
وهي فكرة خاصة بالمسجد الأقصى, تقوم على أن شخصاً واحداً فقط هو القادر على تحرير المسجد الأقصى.
فرد وحيد يحرر المسجد الأقصى ويعيش بضمير صافٍ حُر, يرفع رأسه بكل عزة وقوة, مهما كانت المصائب التى تنهال على الضمير, كطلقات المدفع الرشاش ليل نهار.
لنبدأ بسؤال: كيف بدأ الإسلام؟
بدأ برجل واحد, النبي صلى الله عليه وسلم, وختم الرسالة بالآية التى يحسدنا عليها اليهود جميعاُ:
اليوم أكملت لكم دينكم, وأتممت عليكم نعمتي, ورضيت لكم الإسلام ديناً.
وبما أن ديننا قد اكتمل, فهذه واحدة.
والآية تقول: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً, ويرزقه من حيث لا يحتسب.
فيقيناًً, تقوى الله تفتح أبواب الرزق, مهما كانت السماء مليئة بالغيوم.
وتلك الثانية.
والآية تقول أيضاً: ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, لها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت.
الله عادل فى تقسيم المهام والواجبات, وكل واحد منا له نصيب من الابتلاءات والنعم, محسوب بدقة بالغة.
بهذه الآيات الثلاث, يستطيع الإنسان المسلم أن يرفع رأسه بكل اعتزاز وفخر باعتبار أن الإسلام متمثل فيه كشخص واحد قادر على تغيير المجتمع من حوله.
شخص واحد قام بتحرير المسجد الأقصى في قلبه, وانطلق بكل أمل وتفاؤل يبني الخير في الدائرة المحيطة به , مهما كانت صغيرة.
ولو أيقن كل واحد أنه كلمة أو سطر, في سيناريو فيلم اسمه: تاريخ البشرية, وأنا مسئول أمام الله عن كلمتي, وسطري, فلم القلق؟
لماذا الخوف؟
وكلمة هنا, كلمة هناك, سطر هنا, وآخر في الصفحة التالية التي قد تكون بعد سنين طوال.
العبرة بنهاية الفيلم.
لو اعتبرنا معركة الحق والباطل فيلماً ناجحاً, فعلم السينما يقول أنه في بداية الثلث الأخير من أي سيناريو ناجح, تتحقق أسوأ كوابيس البطل, بعدها يأتي الصراع الأخير, ثم الحل
, ويقيناً سيتحقق الخير للبشرية بإذن الله.
فليهتم كل واحد منا بكلمته, والنهاية يدبرها الله.
أعني, ماذا سأكسب لو تحرر المسجد الأقصى وأنا شاب فاشل صايع عاطل لا أنفع ببصلة فاسدة؟
وعلى الجانب الآخر, كل الظلام في العالم لن يمنع شمعة نور واحدة.
وباليقين أن هذا الكون له رب واحد, ينصر المؤمنين, فلا قلق بإذن الله, والأقصى الذي تحرر في قلوبنا, سنراه مُحرراً أمام أعيننا.
هذه هي الفكرة, بسيطة أليس كذلك؟
أخبركم بخبر رائع
انتهيت من كتابة فيلم رجل القلم الرصاص
فضل من الله ونعمة كبيرة.
رغم أني لا أرضى عن تطور الأحداث, لكن الذي يسعدك حقاً , هو شعورك أنك بذلت غاية ما في وسعك, وأنهيت المطلوب منك.خاصة أنني كنت أريد أن أكتب فيلماً آخر عن الإدمان ومشاكله في المجتمع, لكني وجدت نفسي لا أستطيع التحكم فى جرأة أبطال الفيلم, أو أفعالهم.
كان أساس الفكرة أن البطل يكون مدمناً بعدها يقرر التوقف عن الغباء, ويصبح شاباً نافعاً للمجتمع.
لكني وجدت إيهاب (اسم البطل), يشرب مخدرات, بعدها يصبح تاجراً محترماً ثم يدخل عالم الدعارة, ويستمر الانحدار الأخلاقي إلى ما لا نهاية.ولم أستطع انقاذ البطل من منحدر الضياع.
قررت أن أؤجل فكرة فيلم الإدمان, وأكتب فكرة أخرى حول الإبداع مع بعض الجنون الأليف.
هناك الرجل العنكبوت, والرجل السوبر, والرجل الوطواط.
فلم لا يكون هناك رجل القلم الرصاص؟
وتدور أحداثه حول الجرأة على الكتابة واقتحام عوالم جديدة.
كما أنني أردت أن أطلق العنان للأفكار , وأدخل عالماً جديداً تماماً على أفكاري, وخلفيتي, ودارت الأحداث كلها في أمريكا, واخترت للشخصيات أسماء تنفع فى أي مكان: آدم, وسامي.
حاولت أن أنفتح انسانياً بقدر الإمكان في هذه التجربة.
أريد أن ألمس قبول المجتمع الغربي لأفكارنا الإصلاحية ليس لأنفسنا فقط, ولكن على المستوى الإنساني .
الآية الجميلة التي تقول: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.
أعشق هذه الآية لأنها تطبيق حقيقي لمعنى السلام فى الإسلام, وتكفي وحدها لتدفع شبهة الإرهاب عن إسلامنا الجميل.
لا أدري لماذا أتذكر الآن محمد دياب كاتب فيلم الجزيرة,, حين أخبرته أني منبهر بشدة من قدرته على الإبداع, فقال لي ببساطة: الموهبة نعمة من الله,الاختبار الحقيقي أن نحسن استخدامها.
وهذا القول يذكرني بالجريمة الكاملة التي شاركت للأسف في ارتكابها.
قتل ويلي.
وبدأت الحكاية منذ شهرين, حين حضر سنتياجو الأكاديمية مغتاظاً من الحياة, وقال أنه استيقظ ليجد شباباً لا يعرفهم يشربون مخدرات في الغرفة, ليكتشف بعدها أن زميله فى السكن أعطاهم المفتاح ليقضوا بعض الوقت الممتع.
بعد أسبوع, سألنى سنتياجو سؤالاً بريئاً: كيف تموت سمكة وحيدة فى حوض صغير.
لم أفكر كثيراً فى سبب السؤال, وأخبرته بتلقائية: السمكة تتأثر بدرجة الحرارة المحيطة, فلو زادت أو نقصت بصورة ملحوظة, فلن تتمكن من الحياة.
فلو وضعنا فى حوض السمكة مكعب ثلج, فلن تستطيع الهرب..من الموت!.
برقت عينا سنتياجو, وشكرني بامتنان, فقد كان يبحث عن طريقة يتخلص بها من ويلى ,سمكة زميله في الغرفة, لينتقم منه قبل أن يترك السكن.
حاولت أن أثنيه عن قراره, وظهر عليه الاستجابة, وقال لي: لا تقلق, لن أفعل شيئاً, أنا رجل مسالم.
لكن قبل أن نغادر الأكاديمية سألني: ماذا سيحدث للسمكة لو وضعت فى القفص مكعبين من الثلج؟
في اليوم التالي حضر سنتياجو يرقص من الفرح, وقال لي أنه قبل أن يخرج وضع فى قفص السمكة ستة أكواب من الثلج.
وماتت المسكينة.
دياب معه حق.
الإبداع سلاح, يجب أن نحسن استخدامه.
البقاء لله.
أراكم على خير.
بقلم د/ عمر حمدي |