|
خلط الثقافات
ومن أخطر الأمور التى يمكن أن تصيب ثقافتنا الإسلامية هو إحلال مفاهيم الثقافة ومفاهيم الحضارة العلمانية الغربية الحديثة مكان مفاهيم الثقافة والحضارة الإسلامية فى المجالات المختلفة، أو محاولة إيجاد ثقافة واحدة سائدة ومسيطرة على العالم ببحث وإبراز ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة.
وينبغى التأكيد على أن الثقافة يشترك فيها المتعلم والأمى، ويشترك فيها الشخص الحاذق فى الرسم والنحت والموسيقى مع الشخص الفلاح أو العامل؛ فالثقافة تشمل الأشياء العفوية البسيطة مثل عادات الطعام وأزياء الملابس.
والاختلافات الموجودة بين الثقافات الرئيسة فى العالم ترجع غالبيتها إلى اختلاف المفاهيم الدينية التى تشمل شتى المناحى، فالاعتقاد الدينى هو المكون الرئيس لأى ثقافة موجودة؛ لأْن الدين يصبغ عناصر الثقافة بمفاهيمه ومعطياته.
والحقيقة أن عملية خلط الثقافات ليست وليدة العولمة، ولكنها نتيجة من نتائج العصر الاستبدادى وغزوه الفكرى، أى أن السبب الحقيقى لوجودها هم العلمانيون من أبناء الثقافات الأخرى، ومنهم العلمانيون فى البلاد العربية والإسلامية.
فهؤلاء هم الممثلون لأممهم وشعوبهم فى مؤتمرات الأمم المتحدة، كمؤتمر السكان ومؤتمر الحوار بين الحضارات ومؤتمرات الحوار بين الأديان، ومن ثم تتسلل مثل هذه الأفكار؛ لأنها تجد الأرض الخصبة التى تؤمن بها وتعتقدها، بل وتدافع عنها فى كثير من الأحيان.
وللأسف الشديد فإن عدم الوعى لدى هذه النخب المثقفة أو تجاهلها بأن الأدب الإسلامى والفنون الإسلامية هى الممثل الحقيقى للثقافة العربية الإسلامية، وأنها يجب أن تنتشر وتسود فى وسائل العولمة كممثلة لهويتنا الثقافية - جعلهم يفرطون فى قيم وثوابت الثقافة الإسلامية فى مقابل شيوع النموذج الغربى والثقافة الغربية.
ولئن كان المسلمون يخافون من شيوع النموذج الثقافى الغربى فبالمثل تخاف الحضارة الغربية من غزو الثقافة الإسلامية للثقافة الغربية العلمانية فى ظل العولمة، خاصة بعد أن أصبح عدد كبير من الأمريكيين والأوروبيين يدخلون فى الإسلام فى ظل اتجاه ما بعد الحداثة فى الفكر الغربى الذى يتلمس الطرق للعودة للروحانيات.
وعلى الرغم من استسلام نفر يسير من «مثقفينا» للعولمة وللاندماج فيها باعتبار ذلك قضاءً وقدرًا، وباعتبارها طوق النجاة، إلا أن ذلك ينبغى ألا يفت فى عضدنا أو يصيبنا باليأس والشعور بالانهزامية فى مواجهة أمثال هذه النماذج المتحكمة والمسيطرة؛ لأنهم فى الحقيقة أمضوا حياتهم فى الدعوة إلى «الحداثة» على النمط الغربى حتى بعد أن تجاوزها الغرب إلى عدمية وعبثية وتفكيك «ما بعد الحداثة»!
وهم - من ثم - يؤمنون بوحدة الرأى ووحدة الثقافة ووحدة التوجه طالما أن مصدرها الحداثة الغربية، وهدفها هو اجتياح ثقافتنا العربية الإسلامية.
ونحن نقول لأمثال هؤلاء: من أين ستأتى حوافز الإبداع الذى تتحدثون عنه كثيرًا إذا زالت الخصوصيات فى الهويات الثقافية، والتعددية فى النماذج الحضارية؟
إن زوال التعددية الحضارية، والتنوع فى الهويات الثقافية - فى ظل هذا الخلل القائم بين هيمنة الشمال وبين استضعاف الجنوب - سيجعل «المرسل» دائمًا هو الشمال، و«المتلقى» دائمًا هو الجنوب - وسيحكم علينا بالتقليد لهذه الحداثة الغربية المتعولمة دائمًا وأبدًا!
ذلك لأن التعددية التى يراها الإسلام سنة من سنن الله التى لا تبديل لها ولا تحويل - فى كل عوالم الخلق: المادية والنباتية، والحيوانية والإنسانية والفكرية والثقافية... إلخ - هى الحافز على التميز، ومن ثم على الإبداع، وهى من ثم السبيل إلى الغنى والثراء للرصيد العالمى فى العلوم والثقافات، بينما العولمة هى الأحادية الثقافية التى تشيع التقليد - الذى نشكو منه - وتحول دون الإبداع - الذى نحن فقراء فيه!
منطلقات الحوار
وسعيًا لمواجهة هذا «العبء الجديد»، وتجاوز هذه الأزمة المصطنعة فى العلاقات، وحرصًا على استئناف مسيرة الحوار الودى بالتى هى أحسن بين الحضارتين (الغربية، والعربية الإسلامية) نرى من الضرورى الانطلاق من عدد من المبادئ الحاكمة، والتنبيه إلى عدد من الحقائق الكبرى المتعلقة بالحضارات ونموها وحركتها، وفى مقدمتها الأمور الآتية:
أولاً - إن الحضارات، كل الحضارات، ليست كيانات نهائية ساكنة أو جامدة .. وإنما هى كائنات حية متحركة، وجوهر هذه الحركة محاولة الاستجابة للتغيرات الحادة التى تمر بها الحياة الإنسانية، طورًا بعد طور .. والتى بلغت سرعتها النسبية مبلغًا غير مسبوق .. وذلك بسبب الثورات العلمية والتقنية المتواصلة.
ثانيًا - إن هناك فى داخل كل حضارة مفارقة كبيرة، أو صغيرة بين الأطر الفكرية والقيمية لكل حضارة .. وبين السلوك العملى لأتباع تلك الحضارة .. وهى مفارقة تصنعها الطبيعة الإنسانية ذاتها، وانفراد «الإنسان» بحرية القبول أو الرفض لكل عناصر الثقافة الذاتية، أو لبعضها .. ومن ثم لم يعد الفرد العربى المسلم معبرًا بالضرورة عن قيم الإسلام ومبادئه أو تقاليد العروبة التى حدثتنا عنها وقائع التاريخ القديم .. ولم يعد «الغربى» هو الآخر ممثلاً أمينًا للقيم الكبرى التى قامت عليها الحضارة الغربية فى صورتها المثالية، قيم الحرية والعقلانية وإعلاء قيمة الإنسان .. ومن ثم وجب دائمًا التمييز بين المستوى الفكرى والنظرى والمستوى المجتمعى الواقعى عند محاولة فهم الحضارة الأخرى أو تقييمها.
ثالثًا - إنه يوجد فى إطار كل حضارة «تيار واسع عريض» هو المشخص لها، والمعبر عنها .. وعلى جانبيه تظهر تيارات هامشية، أو ثقافات تحتية جانبية Subcultures قد يصل ابتعادها عن التيار الواسع العريض Main Srteam إلى حد المفارقة التامة والتناقض، وإنه لا يجوز الخلط بين «التيار الأساس الواسع»، وبين واحد أو أكثر من التيارات الجانبية .. ذلك أن التناقضات الكبرى لا تظهر عادة بين «التيارات الأساسية» للحضارات المختلفة .. ولكنها تظهر بدرجة عالية من الحدة بين التيارات الهامشية والجانبية فى الحضارات المختلفة.
رابعًا - ضرورة التسليم بمبدأ «المساواة» بين الحضارات .. فلا توجد حضارة واحدة مهما بلغ اعتداد أصحابها واعتزازهم بها، يمكن الزعم باحتكارها لعناصر الرشد والعطاء فى بناء الثقافة الإنسانية .. أو الزعم بإمكان استغنائها عن «الآخرين» فى مسيرتها نحو المستقبل .. والحقيقة التاريخية هى وقوع التفاعل وتبادل الأخذ والعطاء بين الحضارات الإنسانية التى تعاصرت على امتداد الحقب التاريخية المختلفة ..إن دعاوى الاستعلاء الحضارى قد كانت - عبر التاريخ - أحد الأسباب الرئيسة للتباعد والصراع .. وما لم يقع التسليم بالمساواة، والندية التى توجب الاحترام المتبادل، فلن يؤتى الحوار ثمرته المرجوة فى تحقيق التعايش والتعاون، ودرء المواجهة والصراع.
خامسًا - محاصرة الدعوة إلى «العزلة الثقافية» داخل المجتمعات العربية والإسلامية، والتوجه بغير إبطاء إلى ممارسة ثقافة «التواصل النشط مع الآخر الحضارى»، ذلك أن هذه العزلة هى المسئولة عن غياب الصوت العربى والصوت المسلم من الساحة الإعلامية والثقافية فى الغرب .. وهو غياب زاد من خطورته أن أطرافًا أخرى - نعرفها جميعًا - قد استثمرته فى خلق صورة بالغة السوء والسلبية لكل ما هو عربى أو إسلامى .. حتى أوشكت هذه الصورة السيئة أن تكون عنصرًا ثابتًا ومستقرًا فى العقل الغربى .. وعلى أساسها تحددت مواقف كثير من الناس فى الغرب من العرب والمسلمين.
سادسًا - وزن الأمور بميزان الإسلام، فلا انفتاح من دون ضوابط، ولا حوار من دون ثوابت، والانطلاق يكون دائمًا من هذه الثوابت والضوابط، فما يتفق مع الشرع والدين قبلناه، وما يتعارض معه رفضناه، وهذه من ثوابت المنهج الإسلامي الأصيل.
المراجع
(1) مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للدكتور محمد عمارة، سلسلة فى التنوير الإسلامى رقم (32) ط. دار نهضة مصر - القاهرة.
(2) العولمة والثقافة الإسلامية، للدكتور محمد الجوهرى حمد الجوهرى - دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة.
(3) «الحوار بين الحضارات والظلال القاتمة لحوادث الحادي عشر من سبتمبر» بحث للدكتور أحمد كمال أبو المجد، ضمن مجموعة أبحاث مؤتمر «حوار الحضارات: تواصل لا صراع» جامعة الدول العربية.
(4) منهج الإسلام فى مواجهة التحديات الحضارية المعاصرة، للدكتور نصر الدين مصباح القاضى - دار الفكر العربى، القاهرة.
(5) إشكاليات الحوار بين الإسلام والغرب، للسفير الدكتور عبد الله الأشعل، ط. مؤسسة الطوبجى - القاهرة.
(6) دورية الرسالة المصرية، العدد الثانى، ذو الحجة 1422هـ - فبراير 2002م، والتى تصدر عن مركز الإعلام العربى - القاهرة.
بقلم أحمد زهران .. صفحي مصري |