|
الـجـنـة في بـيـوتـنا
(16)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ30 /1/2008
كلمة عتاب
ابتسامة ..
وحتى نظرة عين ..
أقوى تأثيراً من عقابك لابنك بالضرب أو الخصام أو التعنيف.
الكلمة العاتبة تعنى المصارحة والمكاشفة والتوعية ..
والابتسامة هي العفو الجميل في أجمل صورة ولحظة.
ونظرة العين تعني أنك تقول لابنك أنا سامحتك ..
؛ هذه هي أفضل الطرق التربوية التي تجعل حبال الود موصولة بين الآباء والأبناء.
خـمـسـة بـدائـل لـلـعـقـاب
الداعية عمرو خالد يطرح خمسة بدائل لعقاب الأبناء ..
اكـظـم غـيـظـك
يقول عمرو خالد: أول هذه البدائل هو العفو عندما يقع الأبناء في الخطأ .. ويتم بعد عتاب ومصارحة وتوضيح .. في لحظة يدرك فيها الابن المخطىء أنه قاب قوسين أو أدنى من العقاب المشدد ، والعفو الإيجابي ليس أن تقول لابنك " بسيطة .. لقد سامحتك .." لكن أن تقول له: أنا زعلان وأنت فعلت كذا وكذا، لكن أنا عفوت عنك، والآية واضحة جداً " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " لماذا نطبق هذه الآية الكريمة على الناس ولا نطبقها على أولادنا؟ ولو أنك لا تملك المساحة للعفو عن أبنائك كيف تعفو عن بقية الناس؟
ولماذا تتصور أن ابنك غبي، لن يفهم أن العفو مؤثر؟ لماذا تظن أن العفو ليس طريقة تربوية مؤثرة؟
النبي " صلى الله عليه وسلم " يوم فتح مكة قال لأهلها: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". عفا عن الناس جميعاً وأثناء سيره جاء رجل اسمه فضالة، مشى خلف النبي مباشرة، وراح يتحين الفرصة لإخراج خنجره لطعن النبي في ظهره، فأحس النبي به، والتفت إليه ونظر في عينيه وقال: بم تحدثك نفسك يا فضالة؟
قال: إني أذكر الله!
فنظر إليه النبي وابتسم وقال: اتق الله يا فضالة.
يقول فضالة : وظل يمسح على صدري. ويقول اتق الله يا فضالة، يقول: قبل أن يضع يده على صدري كان أبغض أهل الأرض إلى قلبي. فما أن رفع يده عن صدري حتى صار أحب أهل الأرض إلى قلبي، هذا العفو تسبب في إسلام فضالة وقد حسن إسلامه به، ولو أن فضالة عوقب أو قتل، لذهب إلى النار لأنه أراد قتل النبي.
كان عند زين العابدين بن الحسن بن على جارية اقترفت كارثة، إذا كانت تحمل ماء مغلياً سكبته على يد زين العابدين، نظرت الجارية إلى عينيه فرأت غضبه الشديد فقالت والكاظمين الغيظ.
قال: كظمت غيظي.
قالت : والعافين عن الناس.
قال: عفوت عنك.
قالت : والله يحب المحسنين.
قال: اذهبي فأنت حرة.
أنا لا أستطيع عمل هذا، هذا موقف غير طبيعي، ربما من الصعب أن أفعل ذلك مع الجارية لكن مع أولادي يمكن أن أفعله، والعفو حينئذ يكون مؤثراً.
الابـتـسـامـة تـكـفي
البديل الثاني للعقوبة: ركز على مشاعرك أنت.
قل لابنك: أنا زعلان، أنا متأثر، أشعر كأنني فشلت كأب، يا خسارة، أنا عملت لأجلك كذا وكذا فلماذا فعلت ذلك؟ هذا البديل يهز ابنك من داخله، ويجعل قلبه يبكي ندماً.
سأحكي قصة عاشرتها وعشتها: قال الشاب لأبيه سآخذ السيارة لأصلحها، وسأعود الساعة الرابعة، ثم ذهب إلى السينما بعد الفيلم نظر في ساعته فوجدها السادسة، فقرر اللجوء إلى الكذب، قال لأبيه: الميكانيكي الذي أخرها، وطلب منى العودة بها باكراً ليكمل إصلاحها.
قال الأب لابنه : أنا حزين لأنك تكذب.
قال الشاب : أنا أقول الحقيقة.
قال الأب: أنت كاذب لأنني اتصلت بالجراج، وقالوا لي أنك لم تذهب، فغرق الشاب في عرقه خجلاً.
قال الأب: تصدق أنا موش زعلان منك، أنا زعلان من نفسي، يبدو أنني لم أنجح كأب، فالأب الذي فشل في جعل ابنه لا يكذب عليه، ماذا سيفعل هذا الابن مع بقية الناس؟ خذ السيارة فأنا أريد أن أسير وحدي.
يقول الشاب: كان أبي يمشي على قدميه، وأنا أقود السيارة كارهاً، أصبحت لا أطيقها، وكانت دموعي تنهمر طوال الطريق خجلاً وندماً على ما فعلت بأبي، ويا ليته عاقبني، لقد فعل شيئاً أقوى من العقاب ألف مرة، أنت يمكن أن تبتسم له ابتسامة من يقول : أنا زعلان. وهذا أقوى من العقوبة. النبي " صلى الله عليه وسلم " كان يستخدم هذا الأسلوب.
أنس بن مالك خادم النبي كان عمره عشر سنوات تقريباً، يقول خدمت النبي عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلت ذلك؟ وما قال لشيء لم أفعله: هلا فعلت ذلك؟
كانت هناك بدائل يستخدمها النبي . يروى أنس قصة توضح هذه البدائل.
يقول: أرسلني رسول الله " صلى الله عليه وسلم " لأقضي له أمراً، فلقيت الغلمان في الطريق فرحت ألعب معهم،
يقول : فبينما ألعب مع الغلمان نسيت أمر رسول الله " صلى الله عليه وسلم "، فبينما أنا ألعب، رأيت خيالاً يأتي خلفي،ثم توقف، ووضع يده على كتفي، فالتفت فإذا رسول الله " صلى الله عليه وسلم " يبتسم ويقول لي ألم أرسلك؟ فقلت: أنا ذاهب يا رسول الله، فابتسم.
حـفـزهـم لـلـنـجـاح
البديل الثالث : بدلاً من العقاب حفز للنجاح، كانت هناك أم، كلما شرب أبناؤها الشوربة أحدثوا صوتاً، وهم في سن 15 إلى 17 سنة، وتعبت في توجيههم حيناً، وفي عقابهم حيناً. وذات يوم قالت لهم وهم يجتمعون على المائدة، سأعطي خمسة جنيهات لمن يشرب الشوربة دون أن يحدث صوتاً، والمسابقة ممتدة لمدة شهر.
حفزتهم لأن يغيروا عاداتهم السيئة بفكرة لطيفة، ونجحت في ذلك، فبعد شهر المسابقة أصبح شرب الشوربة دون صوت عادة.
الأدب قـبـل الـعـلـم
الإمام مالك واحد من الأئمة الأربعة الذين نقلوا الفقه للأمة، ومذهبه إلى اليوم هو مذهب أهل المغرب والجزائر وتونس وليبيا كان وهو طفل يحب اللهو واللعب ولا يطيق التعلم، وكان أخوته الأصغر منه أفضل منه دراسياً، فقد كان يهوى الغناء والموسيقى، ويريد أن يكون مغنياً، بدأ أبوه ينظم مسابقة كل يوم جمعة بينه وبين أخوته ويرصد لها جوائز، فكان أخوته يفوزون.
يقول الإمام مالك: وبعد أن تكرر فشلي في المسابقة، وكسب أخي الأصغر المسابقة مني، أحسست بالغضب وأقسمت أن أنجح. وبدأ الإمام مالك يعد نفسه ليكون مغنياً، فأرادت أمه أن تلفت نظره إلى أن من ينجح لابد أن يمتلك الموهبة، قالت له: إن المغني إن لم يكن حسن الصوت، لا يسمعه أحد. وإن كان حسن المنظر، فقال: ما أفعل؟
قالت: ولكن العلم والعلماء يجعلك في مكان آخر. ثم ذهبت واشترت له جبة العلماء وعمامتهم وكان عمره سبع سنوات، وارتداهما ومشى في الطريق، فأشار إليه الناس بإعجاب، فذهب إلى أمه وقال لها: أريد العلم، قالت: الآن اذهب إلى ابن ربيعة فخذ أدبه قبل علمه، فتغير مجرى حياة الإمام مالك.
إصـلاح الـخـطـأ
البديل الرابع: بدلاً من عقابه هلا نصلح الخطأ معاً؟
صبي عمره 12 سنة، ذهب مع صاحبه إلى النادي ليلاً، فوجد باب حمام السباحة مفتوحاً فدخلا، وقاما بإلقاء كل المقاعد والفوط داخل حوض السباحة ، ولمحه أبوه وهو يهمس في أذن صاحبه في اضطراب، فسأله: ما بك؟ قال: لا شيء، ثم ترك صاحبه يمضى إلى بيته. كرر أبوه السؤال ووعده ألا يعاقبه إذا قال الحقيقة.
فقال الصبى لأبيه الحقيقة .. فهم أبوه لمعاقبته، فقال له الصبي: أنت وعدتني ألا تعاقبني، والله لن أقول لك شيئاً بعد ذلك.
فتراجع الأب عن العقاب وألهمه الله أن يلجأ إلى البديل الثاني، فقال الأب : أنا حزين لأني أسأت تربيتك، وحزين على العمال الذين سببت لهم المتاعب وسوف يدعون الله أن يعاقب من فعل ذلك فيهم.
قال الصبي: ماذا أفعل وما حدث حدث؟
فلجأ الأب إلى البديل الرابع وقال له: هناك حل أن نسارع الآن بإصلاح الخطأ.
قال: كيف؟ .. قال الأب: سنعود إلى النادي بعد أن تستدعى صاحبك، وسنقوم معه بإعادة المقاعد إلى مكانها وكذلك المناشف، وسأتصل بمدير النادى ليفتح لنا الباب ولن تتعرض للعقاب، الضرب سهل، والحبس داخل الغرفة أسهل، ومنع المصروف أسهل وأسهل، لكن هناك أفضل من العقوبة، كلم الصبي صاحبه، وذهب مع أبيه إلى النادي، ودخل الجميع الحمام، وبدؤوا في التقاط الكراسي من الماء وكذلك الفوط، وأعادوا كل شيء إلى مكانه، بحيث يأتي الصباح فيكون كل شيء مبتلاً قد جف وعاد إلى طبيعته.
في الطريق إلى البيت كان الأب يقود عربته دون أن يتكلم. وأحس الصبي أن هذا الصمت من الأب يقتله، وتمنى لو كان قد عاقبه بدلاً من هذا الصمت الرهيب.
النبي " صلى الله عليه وسلم " اتبع نفس الأسلوب، حين خرج الصحابة إلى غزوة بدر، فقال النبي: لا يتبعني إلا من تجاوز سن كذا، وكان هناك صبيان في عمر 14 سنة تبعا جيش النبي خلسة، وفوجئ النبي بوجودهما ، فأراد الصحابة عقابهما، وأدرك النبي أن في إعادتهما جرحاً لرجولتهما، فسألهما: هل فيكما من يجيد الرمي؟ قال احدهما: أنا، فقال له: تعال معنا.
وقال الآخر: يا رسول الله .. لو تركتني على زميلي لصرعته.
قال له: تعال وصارعه، فصارعه وغلبه.
فقال لهما النبي: تكونان خلف الجيش ومعكما فلان، إن قال لكما ارجعا فارجعا.
الـحـوار الـعـائـلـي
البديل الخامس: هو اللقاءات الخاصة وهو أن يلتقي الأب بابنه لقاء خاصاً بعيداً عن البيت حين يجد أن أخطاءه تكررت.
كذلك لقاء الأم مع ابنتها. هذه اللقاءات لها مفعول فوري وأكيد في حل المشكلات. هذا البديل اتبعه النبي " صلى الله عليه وسلم " أخذني رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فخرج بي خارج المدينة ويدي في يده ". فعلها مع عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، وفعلها مع زوجاته " صلى الله عليه وسلم ": مع السيدة عائشة خاصة.
هذه اللقاءات تتيح البوح بما في داخل الإنسان فتريحه، وتتيح شكلة، جرب أن تأخذ ابنك كصديق، وتخرج معه في لقاء خاص، واستدرجه إلى البوح ، بحب وود، هذا البوح يعيد التوازن النفسي والثقة بالنفس، فلنتوقف عن العقاب ونبحث عن البدائل.
www.amrkhaled.net |