|
النفس البشرية كثيرة التقلب والتغيير، والصعود والهبوط ، والزيادة والنقصان، وكلما زادت النفس من إيمانياتها صعدت وارتقت إلى طهرها وسموها وأصل خلقتها، وكلما زلت وقصّرت تقازمت وهبطت حتى تلتحق بطينيتها .
وفي غمرة الزحام الدنيوي المتكاثر من الملهيات والمكتسبات المادية المحضة تتطلع نفس المؤمن إلى حالة إيمانية ترفعها عن الأرض وترفرف بها إلى عنان الأفق الرباني الرحب.
وتمر على النفس أوقات وأيام تكون فيها أقرب ما تكون إلى العودة إلى الله وبناء عهد جديد معه _سبحانه_، وتعد هذه العشر من ذي الحجة وأداء فريضة الحج من أنسب ما يكون لتلك الأوبة وخلاص التوبة، وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها" (متفق عليه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد).
ولا غرو في ذلك ففي الحج تُغفر الزلّات، وتُقال العثرات ، وتُمحى الذنوب والهفوات، ويرجع الحاج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ويبقى طاهراً نقياً.. فأي فضل وأي كرامة بعد هذا؟
نعم.. إن هناك فارقًا كبيرًا بين المسلم قبل الحج وبعده..
فقبل الحج يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام حائرًا فقيرًا مشوش القلب والفكر؛ وبعدما يعود، يعود عامر القلب بما منحه الهادي سبحانه وتعالى من النور، وما حباه الغني من العطاء، وما متّعه الودود من الطمأنينة، وهو ما يجعل المسلم ملزمًا أن يعود إلى الحياة فيقدم لها قبسًا من هذا الهدى؛ ليكون لغيره مرشدًا.. ومعينًا .. وبارًا .
ولا غرو في ذلك فبيت الله الحرام بالنسبة للعالم كله بمثابة القلب للجسم كله، فكما يقوم القلب بتجديد الدماء في جسم الإنسان، فإن بيت الله الحرام يقوم بتطهير الإنسان ودفعه في أنحاء العالم ليجدد مسيرة الحياة، ويضخ فيها علمًا ونورًا وهداية ، ".. وطالما يدق القلب فإن الإنسان لا يمكن أن يموت، حتى لو لم يقو على الحراك، نتيجة لما ابتُلي به من أمراض .. وهكذا تمامًا، فإن هذا القلب – قلب العالم الإسلامي – يسحب الدم كل سنة من الشرايين الممتدة المتباعدة على وجه الأرض، ثم يقوم بضخ هذا الدم بعد ذلك في كل شريان من هذه الشرايين، وطالما ينبض هذا القلب، وطالما تستمر عملية سحب وضخ الدم، فإنه يستحيل تمامًا أن تنتهي حياة هذا الجسم، مهما ضعف، وساءت حالته نتيجة لما يصيبه من أمراض" . (المودودي: خطب الجمعة) .
طـهـــــر شـــامــــــل
وفرائض الله كلها يقوم كل منها بعمليه تطهير مَّا في كيان هذا الإنسان – المؤمن طبعًا – فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وترفع جوانب الصلة الروحية بين الإنسان وربه: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" ( العنكبوت: 45 ) والزكاة تقوم بنوع من أنواع التطهير والتزكية، فتطهر المسلم من الشح والتقتير وتدفعه للبذل والسخاء : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (التوبة: 103) ، والصوم يمارس نوعًا آخر من أنواع الترقي الإيماني والمعافاة والصحة البدنية: " يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " (البقرة: 183)، أما الحج فإنه يقوم بكل هذا ولكن على نحو أوسع وأعمق وأرسخ ، " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب " (البقرة : 197).
" والرفث هو الفحش في القول .. وهو يمثل تحكم القوى الشهوية.
والفسوق هو الخروج عن الطاعة بدافع القوة الغضبية.
والجدال هو التعبير عن القوى الوهمية الشيطانية.
فإذا تجرد الحاج من هذه الخلال فقد انتصر على هذه القوى جميعًا" (أ.د. محمود محمد عمارة: ثمرات من مواسم الخير).
وأعتقد أنه لهذه المعاني وغيرها قال الإمام أبو حنيفة (رضي الله عنه) عندما سُئل عن أفضل العبادات: (.. فلما حججت بيت الله الحرام علمت أن الحج أفضل العبادات"
إن الحج يختلف عن الفرائض الأخرى، ففيه الصلة الروحية والطهارة النفسية والقدرة العقلية والسياحة الفكرية والقوة البدنية والعزة الربانية : "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" (الحج: 28).
كما أنه الفريضة الوحيدة التي يُسعى إليها ويسافر إليها، فهو لا يتكرر في اليوم خمس مرات ويُعنى بالجوانب الروحية كالصلاة مثلاً، وليس فريضة موسمية تمر مرورًا عابرًا وتُعنى بالطهارة النفسية كالزكاة مثلاً، بل إنه يجمع الطهر المكاني والزماني والروحاني والنفسي؛ ففيه صلاة ، وإنفاق ، وطواف ، وسعي ، وتلبية ، وذكر، وهَدْي .... إلخ.
أمـــــــا والذي حج المحبون بيته *** ولبــــــوا له عند المهل وأحرموا
وقـد كشفوا تلك الرؤوس تواضعاً *** لـــــعــزة من تعنو الوجوه وتسلم
يـــهــلون بالبطــــــحاء لبيك ربنا *** لك الــحمد والملك الذي أنت تعلم
دعــــاهم فلبوه رضـــــــا ومحـبة *** فلما دعـــــــوه كــــان أقرب منهم
وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة *** ولــــــــــــم تثنهم لذاتهم والتنـــعم
إن الحج أشبه بدورة فكرية ، روحية ، بدنية ، ثقافية ، قلبية ، أخلاقية ، دورة شاقة في التخلية والتحلية ، ولكنها ممتعة في السمو الروحاني والقلبي؛ فالحاج لبى نداء ربه مجيبًا مختارًا ، وسعد بذكره واستغفاره ليلاً ونهارًا ، ودعاه ورجاه ضحىً وأسحارًا ، ليعود روحًا جديدة ، مُنحت شهادة: " ولتُصْنًعً على عيني " (طـه : 39 ).
والإنسان – في هذا كله - أشبه بقميص أو عباءة وقعت على الأرض فامتلأت أتربة وأوساخًا ، فأخذها صاحبها ونفضها بهدير التلبية ، حتى أبعد عنها ذرات التراب الظاهرة ، ثم وضعها في إناء من ذكر واستغفار حتى لانت أوساخها وتباعدت عنها ، ثم قام بعصرها بدعاء الذل والافتقار إلى الله حتى خلصت من شوائبها الخفية، ثم نشرها على حبال الإخلاص حتى حلّ عليها رضا الرحمن.. " وإن كنتم من قبله لمن الضالين " (البقرة : 198 ).
وما زال وفد الله يقصد مكة.....إلى أن يرى البيت العتيق وركناه
يطوف به الجاني فيغفر ذنبه..........ويسقط عنه جرمه وخطاياه
فمولى الموالي للزيارة قد دعا.......أنقعد عنها والمزور هو الله
نحج لبيت حجه الرسل قبلنا.........لنشهد نفعا في الكتاب وعدناه
فيا من أساء يا من عصى لو رأيتنا.....وأوزارنا تُرمى ويرحمنا الله
وودعت الحجاج بيت إلهها...........وكلهم تجري من الحزن عيناه
ووالله لولا أن نؤمل عودة.........إليه لذقنا الموت حين فجعناه
الأبـــرار.. والأطهـار
والطهر الذي نعنيه يتعدى أثره وخيره على الآخرين، فالذين يعودون من هذه الرحلة القصيرة يعودون خلقًا آخر كما قال صلى الله عليه وسلم " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (البخاري و مسلم).
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما . والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " (البخاري و مسلم) .
ولكن البر هنا ليس معناه أن يظفر الحاج بلقب الحاج ليُدل به على غيره ممن لم يؤدِّ الفريضة.
ولكن البر من آمن بالله ورد الجميل إلى خلق الله تعالى .. عملاً صالحًا وكلمًا طيبًا.
" إن مجرد أداء الفريضة لا يرشحك لدخول الجنة.. إلا إذا عشت على مستواها طهرًا ونبلاً .. ولك في تقاليد الحياة من حولك شاهد..
فإنه إذا أُعلن عن وظيفة .. ثم رُشح لها مستحقها .. فإنه لا يظل مستحقًا لراتبه إلا إذا أبقى على المواهب التي رشحته لها ابتداء". (ثمرات من مواسم الخير).
ولكي ندخل إلى قائمة الأبرار ليس علينا فقط أن نؤدي فريضة الحج، وإنما علينا أن نستعمل ثمرات هذه الرحلة فيما خُلقت له، فالقلب – مثلاً ، كما يقول بعض العلماء – إذا لم يستعمل فيما خُلق له من الفكر في اجتلاب المصالح في الدين والدنيا، واجتناب المفاسد.. تعطل .. فاستترت جوهريته؛ فإذا أضيف إلى ذلك ، فعل ما يزيده ظلمة ، كشرب الخمر وطول النوم ، وكثرة الغفلة ، صار كالحديد يغشاه الصدأ.. فيفسده، ولا ينقذ القلب من هذا المصير إلا تقوى الله تعالى.
يقول الإمام الغزالي (رحمه الله): "إن للإنسان سفرين: سفر في الدنيا، وسفر من الدنيا، وسفر الدنيا زاده الطعام، والثاني زاده التقوى"؛ والحج رحلة إلهية فيها رائحة الآخرة، ومن ثم فهي خير من الأولى؛ لأنه يخلصك من عذاب دائم، ويسلمك إلى نعيم مقيم .
وحينما يرجع الإنسان من هذا السفر عليه أن يحيا حياة الأبرار طهرًا ونبلاً، وسلوكًا وغاية، وعبادة ومعاملة، وبرًا وإحسانًا، وأخوة وتناصرًا.
ومما يعينه على ذلك:
- إدراك الغاية والهدف اللذين خلقنا من أجلهما والوسيلة الموصلة إليهما.
- ضبط النفس وكبح شهواتها مع محاسبتها أولاً بأول.
- المحافظة على تقوى الله في السر والعلن.
- الشعور بالعِزةٍ والفخر للانتماء إلى هذه الأُمة.
- تدعيم أسباب التواصل بين المسلمين وتقوية أواصر الأخوة والمحبة بينهم .
- المحافظة على تعظيم شعائر الله.
- التدريب على تحمل المشاق والسعي لمرضاة الله.
فيا أيها الحاج .. يا من تركت كلّ محبوب وأقبلت على أعظم محبوب، يا من فارقت الأهل والأحباب من أجل أن ترضي ربّ الأرباب.. لا تكن كما يقول ابن عطاء الله: "لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى، المكان الذي يرتحل منه هو الذي يرتحل إليه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن، وأن إلى ربك المنتهى" .
وهنيئًا لك أخي هذه النعمة التي أنعم الله بها عليك بأن جعلك ممن زار بيته الحرام لا ليُلقي عن كاهليه ما افترضه الله عليه .. وحسب ، وإنما ليلقي عن ظهره الآثام والأوزار، ويزداد قرباً وحباً للعزيز الغفار.. وليقوم برسالته في هداية هذه البشرية إلى منهج الله وحده وسنه نبيه – صلى الله عليه وسلم.
رزقنا الله وإياكم حج بيته الحرام.
بقلم أحمد زهران ..صحفي مصري |