|
أول مرة ....
أول مرة كتبت فيها شيئا له قيمة, كنت في المرحلة الإعدادية, أبي وأمي ذهبا للحج, وخالتي كانت معنا مدة شهر كامل, وقبل امتحان آخر العام بشهرين, وامتحان المرحلة الإعدادية من أهم الإحداث في حياة أي طفل مصري.
ولأن المدرسين أقنعونا أن موضوع التعبير يقاس بالشبر, وشبر المدرس كبير, جلست على المكتب أمام ورقة فلوسكاب خالية أعتصر ذهني لكتابة موضوع عن حرب السادس من أكتوبر.
ساعة كاملة ولا شئ في الورقة.
خرجت من الغرفة أبحث عن خالتي, كانت في الصالة, جلست أمامها وبكيت صارخاً إني طالب فاشل, وغبي, والحمار يكتب أفضل مني.
كانت دموعي حقيقية, والمشكلة عويصة, وموضوع التعبير معناه عشرة درجات في الامتحان.
العجز كان شديد الضخامة, أما خالتي فكانت أكبر من أي عجز.
قالت لي بثقة وهدوء: ما الموضوع الذي تريد أن تكتبه؟
رددت عليها: السادس من أكتوبر المجيد.
قالت لي وعيناها تلمعان بالذكاء: هناك العديد من المواضيع عن السادس من أكتوبر, منها قصة إسحاق موردخاي, الضابط الكبير في الجيش الإسرائيلي الذي أسره جندي مصري شجاع, وأُخذه للقادة المصريين, وأثناء استجوابه, سأله الضباط المصريون سؤالاً:
كيف تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال سيناء في ستة أيام؟
رد إسحاق موردخاي بثقة:
حين أردنا احتلال سيناء, وضعنا خطة، وسكت الضابط الإسرائيلي قليلاً, ثم أردف : ثم,عشنا مع الخطة, نمنا مع الخطة, كُنا نحن الخطة.
وسكتت خالتي وربتت على كتفي, وطلبت مني أن أعود لمكتبي في هدوء, وبإذن الله سيفتح الله علي.
خالتي الحبيبة, عقلها يزن الذهب, أتمنى أن أكتب قصة حياتها في فيلم يوماً ما.
مسحت دموعي -أنا رجل حساس كما تعلمون-وعدت لمكتبي,سميت بالله وبدأت موضوع التعبير بالبيتين الذين أحفظهما عن ظهر قلب لبداية أي موضوع تعبير:
وما نيل المطالب بالتمني, ولكن تُؤخذ الدنيا غلابًاوما استعصى على قوم منال, إذا الإقدام كان لهم ركاباً
وأوردت قصة إسحاق موردخاي, ثم تحدثت عن النكسة, والهزيمة الماحقة.
ثم العمل الجاد الذي شارك فيه الجيش المصري كله.
وبعدنا النصر المبين.وختمت بآية قرآنية مجيدة.
كتبت خمسة صفحات فلوسكاب بخط جميل-خطي في غاية السوء-, ولكن هذا الموضوع كان بخط رائع.
شعرت بسعادة كبيرة, وجريت على خالتي الحبيبة أريها ما كتبت.
ومنذ ذلك اليوم, ولم يستعص علي موضوع تعبير حتى نهاية المرحلة الثانوية.
كم أفتقدك في الغربة يا خالتي.
أين أنتِ الآن لتعيدى لي الثقة لأكتب فيلم رجل القلم الرصاص؟
وليكتمل سيناريو الأقدار, قبل أن أغادر مصر بشهر واحد, كنت أجلس في مقهى مع مصطفى صديقي, وتصادف أن جلس معنا شاب اسمه عمرو, يعمل في مجال المبيعات, له شخصية كاريزمية كاسحة, وجسد ضخم منبسط .
وعمرو متحدث بارع, وكنا نناقش أحداث التجنيد, ومعاملة الضباط, وقال إنه تشاجر مع أحد الضباط في الكلية الحربية, وشتمه الرجل, ثم كظم عمرو غيظه واحتوى الموقف بذكاء, وصالحه الرجل فيما بعد, أما عمرو فلم ينس الإهانة, لكنه لم يخبر والده حتى لا تحدث مشكلة للضابط.
بتلقائية سألت عمرو عن والده, فأخبرني إنه اللواء محمد الفقي ,حاصل على نجمة سيناء ,أرفع وسام عسكري في مصر, لأنه كان الجندي الذي اعتقل إسحاق موردخاي في حرب ٧٣.
ويمناسبة حملة أستاذ عمرو خالد لمكافحة الإدمان, أود أن تشاركوني جميعاً تأمل أبيات شوقي الخالدة, لنحقق آمالنا وطموحاتنا.
وما نيل المطالب بالتمني, ولكن تؤخذ الدنيا غلاباوما استعصى على قوم منال, إذا الإقدام كان لهم ركاباً
ولنتشارك أيضاً كلمات إسحاق موردخاي، التي أوردتها خالتي-ولم أتأكد من أية مصادر أخرى غير خالتي بالمناسبة.
لنعش مع الخطة
لننام مع الخطة
لنكن نحن الخطة
صحيح أن موردخاي من الأعداء, لكننا كمؤمنين ضالتنا الحكمة, أينما وجدناها فنحن أحق الناس بها.
بإذن الله سنقضي على الإدمان في عالمنا العربي.
وبإذن الله سأتمكن من كتابة فيلم, رجل القلم الرصاص.
أستأذنكم..
بقلم د، عمر حمدي |