|
بعد يوم طويل بمدينة الضجيج, أعود على متن السفينة تحملني للجزيرة التي أسكن بها.
أجلس الآن في العراء في شرفة السفينة, أشاهد الظلام يغلّف الحياة بلون أسود تخترقه أنوار مثل النار من ناطحات السحاب الكثيرة المحيطة.
أستمع لموسيقى فيلم إعدام ميت, كم أحب سماعها خاصة في هذه الوحدة الشاعرية.
أتذكر في الأيام التالية لسقوط البرجين, كانت مدينة الضجيج تبدو كسيدة جميلة فقدت شعرها كله, واضطرت لتظهر قرعاء الشعر, تصرخ في ذهول غير مصدقة لنفسها.
الآن مدينة الضجيج, تحمل بصمة حزينة لا تخفى على أريب, وخاصة وبوش الأرعن يذهب بالبلد من كارثة لأخرى, والشعب يعاني بشدة من أزمة اقتصادية طاحنة..طبعاً لا أزمة تقارن ب مشكلة رغيف الخبز المصري مثلاً, فهنا حين نتحدث عن أزمة, نتحدث عن واحد اشترى بيت بفائدة مؤجلة, والفائدة 5%, وبسبب المشاكل الاقتصادية يضطر البنك لرفع الفائدة ل20% مثلا.
وفي الأساس الشخص حصل على البيت بغير أن يدفع فيه مليماً واحداً, لكنه الآن مضطر للتخلي عنه لأنه لن يتمكن من دفع ثمنه, ولو على 20 عام.
أيضاً الوقود سعره في ازدياد مستمر, وقد يتسائل البعض عن سبب ذلك وبترول العراق تأكله الشركات الأمريكية الضخمة؟
الإجابة عن هذا السؤال أيضاً محيرة, فالطبيعة الرأسمالية للدولة , تضع الرساميل الضخمة في يد عصبة من المالتي مالتي بليونيرز.
ديناصورات مالية عظيمة في رأسها شخص واحد يتحكم في كل شيء, وهؤلاء الديناصورات هم من يحرك الاقتصاد, والحكومة ووزارات الدفاع والأمن القومي, ومصالحهم هي مصالح أمريكا.
هؤلاء لا يهمهم أمن ولا حماية، وليحترق الشعب بما فيه, ولكن أهم شيء أن تظل جيوبهم ممتلئة, والحكومة لا تستطيع أن تتعامل معهم, لأنهم أضعف من هذه الكيانات بمراحل.
وهذه الكيانات الديناصورية تتحكم في الإعلام, والسينما, وكل شيء, فبسهولة يستطيعون أن يملؤا رأس المواطن الأمريكي بما يشاءوا, وهذا يضع أيدينا على سؤال جديد وهو: من صاحب هذه البلاد؟ من الذي يرى مصلحتها ويضع خططها, ويغزو العالم باسمها؟
بالطبع هذا الشخص ليس بوش المجنون, فما هو إلا صورة لراعي بقر يصلح كبوستر مناسب لهذه المرحلة من حياة أمريكا.
بصورة عامة,
أمريكا لم تعد جنة الأمس التي يحلم بها الجميع.
مازالت جنة بالطبع..فالخيرات مازالت وفيرة في البلد, يرى الكثير.
سأغير مكانى فى السفينة فالريح شديدة... هكذا يداي تعملان بصورة أفضل.
ترسو السفينة في الميناء الآن.الساعة تقترب من الحادية عشرة.
مازالت أمامي ساعة كاملة لأصل للبيت، هطلت أمطار غزيرة وأذابت الثلج الذي تكون بالأمس.
لن أستطيع أن ألهو بالثلج للأسف الشديد.
مازال الشتاء طويلاً.
يجب أن أذهب الآن..
بقلم عمر حمدي |