|
|
|
|
|
|
أُفَضِلْ دائماً أَنْ أتصور أنَّنِي سمَّيت مُحمداً محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس تَشَبُّهاً بجدي محمد الأول .. وُلِدت في 26 رجب سنة 833 هـ ونشأت في هذا القصر الكبير أمير .. ابن ملك.. حفيد ملوك .. وأنا ولي العهد .. لا تفزعوا مِنْ ذلك فأنا أشعر أنَّها مسئولية وتكليف ..
بين الزهور الكثيرة والأشجار العجوز كنت أقضي أغلب وقت فراغ طفولتي...نعم .. فراغ .. فلقد كان أبي رحمه الله يُدَرِّبُني ويُعلِّمُني فنون القتال، وتفاريع الحكم والسياسة .. ولا يَدَع لي إلا القليل لنفسي أقضيه في طبيعة حدائق القصر الجميلة .. فأحْبَبْتُ الشعر والموسيقى.
كُنْتُ أجلس أتأمل السماء والأرض وصوت معلمي الشيخ (آق شمس الدين) يَرِنُّ في أُذُنِي : نِعْمَ الأميرُ أَمِيرُها .. أنت هذا الأمير يا ولدي .. أنت هُو
ما الذي رَآهُ في حتى يَتَصَوَّرني صاحب نُبؤة الرسول .. لست أدري ولكنِّي أَيْقَنْت أنَّه إن لَمْ أكن أنا فلابُدَّ أَنْ أكون هو .
مازلت أَذْكُرُ دروس اللغات والشعر و القتال والمبارزة وركوب الخيل .
القسطنطينية من أيام معاوية بن أبي سفيان ومحاولات فتحها المستمرة تتحطم .. فهل سيكون الفتح على يدي؟
أَعْشَق اِمْتِطَاءَ صهوة جوادي ولست أدري متى كانت أول مرة ولكن أذكر الخوف من هذا الظهر العالي الذي وضعني أبي عليه فظللت مُتَعلِّقاً به ولكنَّه انتزع ذراعي برفق مِنْ أكتافه وأمسكهما بشيء .. كان اللجام.. وبدأ الشيء الكبير يتحرك وأنا خائف أنظر حولي وأبكي وظل صوت أبي ومدربي يُدوِّيان : انظر أمامك وارفع رأسك .. فعلتها !! وبدأت أُحِبّ إِحْسَاس السيطرة .. والقيادة ,.. والتحكم في الفرس.. أَنْبَل الحيوانات ..
عند العاشرة كنت فارساً لا يَشُقُّ له غبار أمتطي جوادي يومياً عند الغروب لأدور حول المدينة وأدخل به في البحر .. البوسفور ..وأظل أركض في اتجاه القسطنطينية حتى أكاد أغرق أنا وجوادي .. فأعود.
اعتدت طريقي في الماء وأحببته .. وعيني وقلبي على الشاطئ الآخر العالي .. يوما ما سأصل حتى الشاطئ الآخر وأستلقي على رِمَاله يأكل فرسي من حشائشه ويَهُزُّ ذَيْلَه الكبير حول رأسي.
حين بلغت التاسعة عشرة ولاََّني أبي إمارة مغنسيا لأتدرب على شئون الحكم والسياسة وكان أستاذي ومعلمي معي آق شمس الدين والمُلا كوراني كانت حياتي قاسية نظراً إنها لأمير ..وأي أمير .. وَرِيثُ أكبر وأرقى امبراطورية على وجه الأرض .. الخلافة الاسلامية .. كنت أطوف الشوارع محاولاً التأسي بسيدنا عمر بن الخطاب لأقف على حال الناس ... ونداء أبي إرفع رأسك وانظر دائماً أمامك.. لم يعد تدريباً للفروسية بل شِعَارَ حياةٍ .. أحوال كثيرة دَوَّنْتُها .. وأشخاص اختبرتهم وتقنيات اكتشفتها .. ولما توليت الحكم سلطاناً فوجئ الشعب بقدرات ابن الواحد و العشرين سنة فَحَدَّثْتُ كُلَّ شئ " دوواين الإدارة – المدارس – الجيش – الأسلحة " فرضت تعلم القرآن والعربية .. ولم يكن يتولى عندي إلا المعروف بصلاحه وتقواه .. كانت تُدَاخِلني كلمات سيدنا عمر إنَّما ننتصر عليهم بالتقوى فلنكن إذن أول المتقين .
ما سمعت عن عالم أو شاعر أو كل محترف في أي مجال إلا واستدعيته للأستانة و أجزلت له لنستفيد من اقتداره .
الكفاءة وحدها كانت مؤهل العاملين .. وبَنَيْت أكبر مِدْفع في العالم وأكثرت من المدافع ومن السفن الخفيفة ..
ومازلت كما كنت صغيراً أنزل إلى الماء بفرسي في انتظار الوصول لغايتي ..فانْغَرَسَت الفكرة في قلوب جنودي وأمرائي . كان الجميع يعمل لهدف واحد .. أن نحظي بشرف كوننا نِعْمَ الأمير ونِعْمَ الجنود ..
وبنيت قلعة على مضيق البوسفور لأمنع وصول المدد من طربوزان إلى القسطنطينية ثم حاصرتها من كل الجهات ولكن ظل البحر مشكلتي .. سلسلة عملاقة تقطع طريق السفن تنتصب فجأة في عرض الماء كسد منيع تتكسر عليه القلاع والأشرعة .
وظللت أحاصرها من كل اتجاه ورفضت كل محاولات الحلول غير دخولها وفتحها وكل ما يُقْلِقُنِي هو هذه السلسلة الغبية التي تنتصب قاطعة علينا الطريق .. ويبدو أنَّ الله قد قَبِل سعيي و اجتهادي فوجدتني أَعْثُر مصادفة أثناء حصاري على قبر سيدي أبي أيوب الأنصاري .
هل يتصور أحد سعادة سلطان البلاد باكتشاف مقبرة .. لن يفهم إلا مَنْ يَعْرف معنى أن يجد فجأة بين يديه مَوْضِع وَضَِع فيه أَحَد صحابة رسول الله قَدَمه .. بل ووضع فيه جسده وليس أي صحابي إنَّه ذلك المضيف الذي استقبل نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلامه في بيته حين دخل المدينة .. وكأنَّها البشرى إنَّني أيضاً سأكون ضَيْفَه لحين دخول المدينة وبنيت عند قبره مسجداً .. وصارت صلواتي وعباداتي كلها في هذه البقعة الطاهرة .. و.. وأتى النقاء بثماره .. لمعت في رأسي فكرة قد تبدو مجنونة ولكنَّها عبقرية ماذا أفعل إذا وقف سدأ في الطريق ؟.. وعجزت عن هدمه وتخطيه؟ .. الإجابة سهلة و بسيطة " تلف من حوله " نعم .. للتاريخ أن يتصور قادتي و أمرائي وقد فغروا فاهم حين سمعوا بالخطة .. ثم ضحكات السعادة بالعثور على حل بسيط ولكنه داهية ..
بدأت مراحل التنفيذ وتم تمهيد التلال ووضع قضبان خشبية مدهونة بالشحم عليها ثم جررنا السفن عبر التلال لنهبط بعد مستوى السلسلة .. تمَّ كل هذا في ليلة واحدة .
ألم أقل لكم إنَّ جنودي عايشوا معي الحلم .. أن نكون المعنيين بالحديث .
وانتهت القصة هنا لقد فتحت القسطنطينية .. وصليت في آيا صوفيا وانقلبت أكبر كنائسها إلى أروع مساجدها ..
ولكنِّي ظللت أحب الصلاة في مسجد أبي أيوب أَتَمَسَّح باعتاب الصحابة تبلل دموعي لحيتي وأنا أُرسل الصلاة و السلام للمصطفى الهادي ممن حظي بشرف أن يأتي ذكره على لسانه الشريف قبل أن يرى النور .. وبشر به وأنعم عليه بالرضا من الله ... عسى الله أن يقبل صالح أعمالي و يتجاوز عن خاطئ اجتهادي.
هكذا وبعد ثلاثين سنة من الحروب المتواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، فاجأ الموتُ السطانَ محمد الفاتح في 4 ربيع الأول 886 هـ/3 مايو 1481م في أُسكُدار في معسكره وبين جنوده، إذ كان قد أعد في هذه السنة إعداداً قوياً لحملة لا يعرف اتجاهها لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده. وقد قال في هذا الصدد عندما سئل مرة: »لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها.« .. رحم الله السلطان الفاتح الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "لتَفْتَحُنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"
د. نعمت عوض الله
|
|
تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
| تعليقات الزوار |
| كريم على | 2008-01-05 |
القناطر الخيريه كفر عليم |
بارك الله فى القائمين على هذا الموقع لما يؤدونه من اجل نشر الثقافه الاسلاميه الصحيحه للمثل الاسلاميه من الابطال الذين اثروا فينا سلام عليهم فى الاولين والاخرين | |
| |
| |