|
( الحلقة الخامسة )
الزواج العرفي 1
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. طوال شهر رمضان، كنا نتحدث عن الأسرة وشكلها المثالي، وكانت الناس تقول إننا لم نكن نتناول الواقع، ولكننا كنا راضين عن اختيارنا هذا في التناول؛ لأننا كنا نريد أن نتناول الشكل المثالي والصورة المتكاملة التي يرضى عنها الله تعالي ويريد أن تكون عليها الأسرة، ولذلك كنا نتحدث عن الحب بين الزوجين، والعلاقة بين الآباء والأبناء، وبر الوالدين، وتحدثنا عن قواعد التآلف الأسري. ولأننا قد وضعنا الأساس فهيا بنا نتحدث عن الواقع والمشكلات.
لكن يجب أن نقر أولاً أنه لا توجد أسرة لا تعاني من مشكلات، وحكمة الله تعالى في خلقه الابتلاء والامتحان "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء:35) ولكن في طريقنا إلى جعل الجنة في بيوتنا نمر بهذه الابتلاءات والاختبارات ولكن الأمر يحتاج إلى الصبر والرضا ليكون ذلك الطريق إلى الجنة.
وسنبدأ في تناول مشكلات الشباب أولاً. والمشكلة التي سنتناولها على مدار ثلاث حلقات هي مشكلة بدأت تنتشر بين شباب المرحلة الثانوية والجامعية؛ ألا وهي مشكلة الزواج العرفي. منذ عشر سنوات تقريبًا، كانت هناك هذه المشكلة أيضًا، ولكن كان لها شكل آخر فمثلاً نجدها في حالة أرملة لها معاش من زوجها المتوفى فكانت تتحايل على القانون فتتزوج عرفيًّا ليستمر معاشها من زوجها المتوفى. وكنا نجد المشكلة نفسها عند المطلقة التي تتزوج عرفيًّا خشية أن يأخذ زوجها الأول أولادها في حالة زواجها، وفي حالة زوج يريد أن يتزوج عرفيًّا لكي لا تعلم زوجته الأولى عن الأمر شيئا، ولكن هذه ليست الحالات التي سنتحدث عنها، فنحن نتحدث عن الزواج العرفي بين الشباب. وفي تناولنا لذلك اليوم، سنتحدث في ثلاث نقاط، ما هو الزواج العرفي؟ وكيف يتم؟ وسنوجه كلمة للفتيات، وسنتحدث عن ونسأل ماذا ستفعل لو حدث ذلك؟
أولاً: كيف يتم الزواج العرفي؟
نجد فتى وفتاة يتبادلون الحب، ثم تبدأ هذه العلاقة في النمو، فيتفقا على الزواج؛ لأنهما لن يستطيعا الانتظار حتى ينهيا تعليمهم، وقد لا يوافق أهلهما على هذا الزواج. فيأتيا بورقة قد تكون من كراس المحاضرات، أو ورقة تباع على الرصيف أمام الجامعة مكتوب عليها عقد زواج فيأتيا بها و يأتيا باثنين من أصدقائهما ليشهدا على الزواج، وذلك دون إشهار. ومنذ سنوات وأنا أتلقى حالات مثل هذه، وتكون الفتاة التي يحدث لها ذلك أتعس فتاة، وللأسف يطلق الشباب على ذلك اسم الزواج العرفي. ولكن كلمة "عرفي" تعني أنه تعارف بين الناس وتراضونه بينهم فأصبح من أعرافهم، ولكن ذاك ليس بزواج عرفي، إنما هو زواج سري وأخطر ما فيه أنه دون ولي.
نشرت جريدة الأهرام الرسمية المصرية بتاريخ 29 مايو 2007 مقالة بعنوان "تحذير لكل أسرة: الزواج العرفي يحاصر شباب الجامعات" وتذكر الجريدة أن 17% من شباب ثانوي وطلبة الجامعة متزوجين عرفيًّا، ولكن وزارة التضامن الاجتماعي المصرية تذكر أن الحقيقة أكثر من ذلك بكثير. هذه النسبة تعني أن بين كل مئة فتاة سبعة عشر فتاة ستعيش هي وأسرتها تعساء لسنوات طوال. وتقول جريدة الأهرام أنه نتج عن هذه الزيجات 14000 طفل مجهول النسب!
أسباب الزواج العرفي من وجهة نظر الشباب:
قد يذكر الشباب أسبابًا يبررون بها زواجهم العرفي هذا، ويرجعونه إلى نقص المال، وقد تبرر الفتيات ذلك بأن هذا أمر شائع بين أصدقائها، وقد يذكر الشباب أيضا الحب، أو ليضعوا أسرهم أمام الأمر الواقع، وقد يريد بعض الشباب المتيسر الزواج السريع فهو لايريد الانتظار حتى إنهاء دراسته ليتزوج.
أسباب الزواج العرفي الحقيقية من وجهة نظري بين الشباب:
1- الحالة الاقتصادية والبطالة بين الشباب.
2- التفكك الأسري؛ أين أيها الآباء والأمهات الأب الصديق والأم الصديقة؟
3- الفراغ الذي تعاني منه بلادنا، فأين القضية التي يريد الشباب أن يعيشوا لها ويفرغوا فيها طاقاتهم؟
تنتهي دائما قصص الزواج العرفي بهروب الشاب من الفتاة؛ فهو يشعر بالملل، وتبدأ هي بالشعور بعدم الأمان معه وتبدأ في ملاحقته، وتسأله عن الوقت الذي سيتقدم لها ليطلبها للزواج رسميًّا، ويبدأ هو في الهروب أكثر، فتبدأ الفتاة في أن تذل نفسها أكثر وتطلب منه إعلان الزواج أكثر وأكثر، ويبدأ الفتى بالهروب ويهينها بكلمات، وتبدأ الفتاة بتهديده بالورقة إلا أنه هو لا يبالي.
وسأذكر لكم الآن قصة حقيقية وصلتني من فتاة تزوجت عرفيًّا، تقول الفتاة: "إن هذه كانت أغبى لحظة لها حينما وافقت أن تتزوج عرفيًّا من ولد تافه -كما تذكر- زميل لها بالجامعة وتقول إنها - في البداية- كانت تشعر أنه أفضل من في العالم فكان طيب وحنون وخفيف الظل، وتقول إنها مثل الكثير من أصدقائها سارت مع القطيع، وتقول إنها تزوجت على ورقة تباع أمام الجامعة على الرصيف يطلقون عليها عقد زواج ووجدت نفسها بين يوم وليلة زوجة! وتذكر أنها في أول يوم زواج شعرت بالقئ وبدأ ندمها من أول لحظة، وبدأت تتساءل عن السبب أنها فعلت ذلك، وتقول إنها كرهت نفسها منذ ذلك اليوم، وكرهته هو كما لم تكره إنسان من قبل، ولكن كان ذلك -كما تقول- بعد فوات الآوان، ثم بعد ذلك ولمدة شهر جلست في المنزل، ولم تذهب للجامعة وعرفت بعد ذلك أنه تزوج من زميلة أخرى عرفيًّا أيضًا، وللأسف تقول إنه لم يعلم بزواجها منه إلا هو واثنان شهود لا تعرفهما هي؛ لأنهما من أصدقائه، وعند ذلك تقول إنها شعرت بفظاعة ما فعلت ولم تعد قادرة على الجلوس مع أهلها أو تناول الطعام معهم وهي تشعر أنها خدعتهم. ثم تقول إنه بعد ذلك تقدم شاب لخطبتها، شاب ممتاز وعلى خلق لا تستطيع أن ترفضه أي فتاة ورحب بها أهله وشعرت لأول مرة بأنه هو فتى أحلامها في الشكل والمضمون وشعرت بقمة فرحتها بهذا الشاب الممتاز، ولكنها اضطرت أن تتحجج وتتعامل معه بشكل سيء إلى أن فقدته، وتقول إن زواجها العرفي هذا مر عليه الآن ثلاث سنوات، وقد تخرجت وتعمل في بنك محترم ويتودد لها الكثيرون وليس بيدها حيلة وتتساءل:" هل سأظل إلى الأبد على هذه الحالة؟ أفيدوني ما الحل؟ هل أتزوج وأتعرض بالتهديد من هذا الشاب إن ظهر مرة أخرى؟ أم سيبقى الحال على ما أنا عليه؟ هل يضيع شبابي وجمالي؟ أم أقتله وأستريح وأُريح العالم من شره؟" وسأرد على هذه الفتاة في الحلقة القادمة، ولكني وددت أن أذكر لكم هذه المصيبة.
كلمة للفتيـــات:
1- العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج المعلن لا تنتهي إلا بالندم والتعاسة، فالموضوع ليس مرتبطاً بكون الشاب نذلا أم لا، فقد يكون الفتى محترما وذي أخلاق، ولكن النتيجة ستكون في جميع الحالات هي الندم. فالرغبة الجنسية عند أي رجل مثلها مثل باقي الرغبات كشهوة الطعام والشراب، كمثل الصائم وأمامه مائدة كبيرة ويتخيل أنه حين يفطر سيأكل ويأكل ولكن بعد الإفطار بعشر دقائق يشبع ويريد أن ينصرف من على المائدة ليمارس نشاطًا آخر. فهذا ما يحدث مع الرجل خارج مؤسسة الزواج، ولكن الله سبحانه وتعالى قد كرمك بأن جعل الطريق لكي هو الزواج، فالزواج ستار حامٍ يجعل بعد انتهاء الرغبة أسباب أخرى للاستمرار مثل بناء الأسرة والأطفال، فحينما يمل الرجل من شهوته يكون هناك رباط أقوي يربطه بك.
2- الرجل لا يحترم المرأة الرخيصة، وخاصة الرجل الشرقي، ولقد كرمك الله سبحانه وتعالى في إطار الزواج فيجب أن يأتي ويتقدم للزواج، ويوافق عليه الولي وهناك المهر وهو ليس بدفع المال، ولكنه هدية لهذه المرأة الغالية، وهناك الإعلان للزواج وكل ذلك؛ لأنك غالية ولست برخيصة. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف).
3- لا تغيبي والدك، فهذا أقوى سلاح لكي، فالفتاة التي تتزوج عرفيا تتعذب مرتين؛ لأن الفتى غدر بها، ولأنها تعيش مع أهلها ولكن والدها لا يعرف بما فعلته.
4- أسأل كل فتاة: كيف تخونين أهلك؟ فما فعلت إنما هي خيانة. يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (الأنفال:27) ، سأل أحد الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله متى الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة). يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه (يُؤتى يوم القيامة بالرحم والأمانة فيقفا على جنبي الصراط، فتقول الرحم وتقول الأمانة: لا تمري حتى تعطيني حقي).
5- أكثر ما تحتاجه المرأة من الرجل في الزواج هو الاحترام والاطمئنان أنه لن يتركها وهذا مفقود في الزواج العرفي؛ فهو لا يحترمها هي ولا أهلها حين تزوجها عرفيا، والاطمئنان عنصر غير متواجد منذ البداية في الزواج العرفي.
6- تذكري أيها الفتاة فرحة الزواج وفستان الزواج والزواج في العلن، لا تحرمي نفسك من هذه الفرحة الكبيرة، تذكري فرحة السيدة "فاطمة بن مُحمد" حين تزوجت سيدنا "علي بن أبي طالب"، وحينما قال رسول الله لعلي أن يضع يده على جبينها ويقول "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما هي له"، وأمرهما بالصلاة ركعتين ليبدءا حياتهما برضا الله تعالى.
7- اصبري أيتها الفتاة، واشتركي في أعمال تفرغي فيها طاقتك، وابحثي عن أشياء تفرغي فيها طاقتك وعاطفتك.
كلمة للشباب:
رفقًا بالفتاة، وتخيل أنها أختك. أرسل لي شاب يذكر أنه كان يحكي لأخته أنه تزوج عرفيا، فإذا به يكتشف أن أخته تزوجت عرفيا هي الأخرى، وقد فعل بها ما فعله هو، وكان يريد الانتقام ولكنه لا يدري أينتقم منه أم من نفسه أم أن الله أنتقم منهما هما الاثنان؟ أقول للشباب قول الله تعالى: "...وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (البقرة:189).
كلمة للحكومات والإعلام:
اجعلوا للشباب قضايا تستوعب فراغه يشعر من خلالها أنه ينتج شيئا. كفى يا إعلام ما يثير الغرائز.
أيها الأهل أعطوا أولادكم العاطفة التي يحتاجونها.
وأخيرًا، لكل من تزوج عرفيا عليكم بالتوبة والعودة إلى الله.

Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
للاستعلام: management@daraltarjama.com |