|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ2 /1/2008
الحب الوحيد الخالي من المصلحة .. هو حبك لابنك ..
لو أحس الابن أنك تعطيه الحب بمقابل فإنه سيرفضه.
ابنك قطعة منك .. والمشكلة أننا لا نحترم خصوصيات أبنائنا .. نراهم دائماً " صغارا"..
نعنفهم .. نقسو عليهم بشدة .. نحاصرهم بأوامرنا .. وقد " نصغرهم " أمام إخوانهم .
كلمة واحدة سوف تنهي المشكلة .. قل لابنك دائماً " أنا أحبك ".
قــل لابـنك: أنـا أحـبـك
لغة العاطفة هي الأكثر تأثيراً في البشرية .. العاطفة مفتاح سحري ، وهي عصا موسى السحرية في فتح قلوب الآباء والأبناء .. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج بالعاطفة كل المشكلات .. كان بالمدينة رجل اسمه زاهر يبدو جاف العاطفة، ولا ترتسم على وجهه ملامح .. ولهذا كان الصحابة يتجنبونه . ورآه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بالسوق، فاتجه إليه واحتضنه من ظهره فقال زاهر بحدة: من هذا؟
ففتح النبي صلى الله عليه وسلم ذراعيه, يقول : فالتفت فإذا بذراعي النبي صلى الله عليه وسلم ممدودتان.
يقول زاهر: فما فرحت بشيء كملاصقة جسدي لجسد النبي صلى الله عليه وسلم. وأخذ النبي بيد زاهر ورفعها وسط رواد السوق وهو ينادي مازحاً: من يشتري هذا العبد؟
فقال له زاهر: ستجدني كاسداً يا رسول الله.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ولكنك عند الله غال. وأريد أن أنبه الآباء إلى شيء مهم وهو لا يكفي أن تحب ابنك وتظهر له عاطفتك، لابد أن يكون حبك غير مشروط لأبنائك بمعنى أنه لا يصح أن تقول لابنك: خليك كويس علشان أحبك. فالابن لو أحس أنك تعطيه الحب بمقابل فإنه سيرفض هذا الحب.
دمــوع الأب
كان لي صديق جاءني يقول : فقدت ابني، والتعامل بيننا توقف. فقلت له اغمره بالحب أشعره أنك تحبه قل له أنك تحبه, فذهب والتقى بابنه وقال له: عليك أن تعرف أنني أحبك. فقال له الابن: هذا شيء غير مهم بالنسبة لي. فعاد الأب مهموماً ومكتئباً يبكي.
دموع الأب أشد عند الله من ذنوب سنين، ظن الأب أن العلاج بالحب لم يأتِ بنتيجة، فقلت له : هذا خطأ ولابد أن تكرر المحاولة عدة مرات ولابد أن يتأكد ابنك أن هذا الحب غير مشروط, لابد أن يقتنع أنك تحبه لأنه قطعة منك، لأنه يحمل اسمك ولأنه من لحمك ودمك حتى لو كانت تصرفاته لا تعجبك لكنك تحبه. وعاد الأب لابنه ليؤكد له ذلك وصدقه الابن.
وجاءني الأب يقول لي: لقد عاد لي ابني. أعرف أباً كان ابنه في الثانوية العامة بينما الأب أستاذ بالجامعة.. كان أمل الأب أن يلتحق الابن بكلية الطب التي يعمل بها وأنفق في سبيل ذلك الكثير على الدروس الخصوصية، لكن الابن لم يحصل على المجموع الذي يؤهله لدخول هذه الكلية, وعاد الابن إلى البيت بعد سماع النتيجة حزيناً ودخل غرفته وأغلق بابها على نفسه.
وطرق الأب بابه ودخل: قال له: لابد أن تعرف أنني أحبك لأنك ابني .. لو دخلت كلية التجارة سأحبك .. ولو دخلت كلية الطب سأحبك أنا أحبك دون شروط لأنك ابني لكن أرجوك في المرة القادمة ابذل مجهوداً أكبر. وقال لي الأب أن ابنه لم يرسب في دراسته كثيراً.
أعرف أماً كان ابنها مدمن مخدرات.. ووصلت علاقة الأسرة به إلى سخرية وإهانات وطرد من البيت .. ذهبت الأم إلى إحدى المصحات طلباً للنصح فسألتها الطبيبة: متى كانت آخر مرة قلت فيها لابنك أنك تحبينه؟. فقالت لها الأم : وهو صغير..
نحن نعطي أطفالنا العاطفة والحب حتى سن عشر سنوات من سنة 12 سنة فجأة نتوقف!! الآباء لا يعانقون أولادهم في سن 18،17،16 سنة ولا يرسلون بطاقات تحمل كلمات الحب الأبوي للأبناء والأبناء لا يعبرون أبداً عن حبهم للآباء . يخجل الابن أن يقول لأبيه: أنا بحبك يا بابا يظن أن أصحابه لو سمعوه سيضحكون عليه... هل تخجل أن تقول لأبيك الكلمة التي يمكن أن تدخل بها الجنة؟ نصحت الطبيبة الأم أن تذهب لا بنها مدمن المخدرات وتقول له: أنا بحبك يا بني. فذهبت وفعلت. لكن بعد أن جلست أمامه مترددة لمدة ربع ساعة، ترفض الكلمات أن تجري على لسانها. بعد ذلك سألها الابن: ما بك يا أمي هل هناك شيء تريدين قوله: قالت له: أنا بحبك بكى الابن واحتضن أمه فقد كان متعطشاً لذلك الحضن.
الـمـفـتـاح الـسـحـري
أنا شاركت كثيراً في مخيمات للشباب، وكنت أرى سلوكيات سيئة لبعض الشباب. جربت الشجار معهم، فكانوا ينفرون مني . ثم جربت أن أتعامل بود شديد مع أحدهم وطبطبت عليه. وركزت على مشاعري. فكان لتصرفي مفعول السحر في الشباب.
جرب الكتابة فالكتابة أحياناً لها مفعول السحر عن الكلام . قرأت هذه الواقعة في كتاب: أب وأم ابنهما في سن 17 سنة. عصبي. عنيد. بداخله أسرار مغلقة لا يبوح بها. فكتبا له رسائل. يضعانها له تحت الوسادة، فتح الرسالة فوجد فيها الآتي:
" أحمد .. أنا أدرك أنك عصبي هذه الأيام، وأعلم أن هناك أموراً تضايقك.. وأعلم أننا لم نعد على معرفة كاملة بخصوصيات حياتك، لكن لابد أن تعرف أننا نحبك بشدة، وأن الحب لن يبدله أي تصرف. إن شعرت أنك بحاجة إلى الكلام، أنا وأمك في انتظارك. وإذا لم ترغب في الكلام، فلا مشكلة. سنظل نحبك .. أبوك وأمك".
الذي روى هذه الحكاية الشاب نفسه. يقول: وسط العناد الذي أنا فيه كنت أنتظر هذه الرسائل. ولو مرت ثلاث أيام دون رسائل، كنت أحاول زيادة مظاهر العصبية عندي، لأنها كانت تريحني. كانوا يقولون في الرسائل ما يودون محادثتي فيه، وفي الصباح لا يتعمدون إحراجي بغمزات أو إشارات. لكنهما كانا يبتسمان في وجهي.
ويقول: لقد عبرت مرحلة المراهقة بسلام بسبب هذه الرسائل، ثم تزوجت وأنجبت ، وبعد ذلك فتحت موضوع الرسائل مع أبي وأمي. قلت لهما: الخير الذي أنا فيه الآن من كلماتكما الحلوة التي كنتما تكتبانها لي في الرسائل. وأنا أريد أن أسأل الشباب: لماذا توصلون الآباء والأمهات إلى هذه المرحلة للتفاهم معكم؟ابدؤوا أنتم الكلام، فلا داعي لتضييع الوقت في انتظار الرسائل.
آه .. يا أم موسى
وأقول للشباب: ليس هناك من هو أغلى منك في حياة أبيك وأمك. اعلم أن الله سبحانه أراد أن يعلم الشباب مدى عاطفة الأم تجاه ابنها، فحكى قصة أم موسى في القرآن الكريم كرمز لكل أم. تقول الآية الكريمة: " فأصبح فؤاد أم موسى فارغاً" كان قلبها يدق بعنف، وكادت تعترف لهم بأن هذا ابنها" لولا أن ربطنا على قلبها". والله سبحانه حين يتحدث عن الأمم، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم:" ليس لك من الأمر شيء ". يتوب عليهم أو يعذبهم، يفعل بهم الله ما شاء أن يفعل.
لكن حين يخص الموضوع الأول يقول: " إنا رادوه إليك". لكن في موضوع الأمم لا يتحدث عن المصير، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم:" ليس لك من الأمر شيء".
ويقول لأم موسى :" لا تخافي ولا تحزني". وتمر الآيات في زحمة الشجار بين فرعون وموسى، لكن القرآن الكريم لا يهمل الاهتمام بعاطفة الأمومة فيقول الله تعالى:" فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن". والقرآن الكريم يصف لنا عاطفة أب مثل سيدنا نوح نحو ابنه الكافر.
فنوح بعد أن غرق ابنه، بعد أن حال بينهما الموج ( قال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين). كان يدعو الله أن ينجو ابنه ولا يموت في الطوفان.
الباب المفتوح
أعرف ابناً ترك أباه وأمه دون أن يودعهما وذهب ليعمل في الغردقة، ومرت أسابيع دون أن يتصل بهما ليدلهما على مكانه. وبعد شهر عرفت أمه أنه مختف في الغردقة. فسافرت إليه، ولم تتمكن من الاهتداء إلى مكانه. فكانت تذهب إلى الأماكن العامة التي يحتمل أن يمر بها، فتضع صورته وتكتب تحتها:" أنا لسه بحبك أرجوك عد إلى البيت .. أمك".
يقول الشاب: كنت ذاهباً ذات مرة إلى المكان فرأيت الرسالة: فاهتز قلبي وعدت إلى البيت، فوجدت بابه مفتوحاً، فأصابني الجزع أن يكون أحد قد مات. لكن المفاجأة أنه وجد أباه وأمه نائمين، فأيقظهما وهو يبكي وهما يحتضنانه. وبعد أن هدأ سألهما: لماذا الباب كان مفتوحاً وأنتما نائمان؟
قالت له أمه: الباب لم يغلق منذ غيابك عن البيت. خشينا أن تأتي فتجده مغلقاً فتعاود الرحيل، فتركناه موارباً حتى لا تخجل من مواجهتنا، فتدخل إلى غرفتك التي تركتها وسافرت.
فإذا كان باب الأب والأم مفتوحاً أمام عودة الابن، فما بالكم بباب الله هل يغلقه في وجه العبد التائب العائد إليه؟ لهذا يقول جل جلاله: " والله أرحم بكم من الأم الشفيقة بولدها ). عد متى شئت إليه، وسيقبلك في الوقت الذي تعود فيه. ستجد في انتظارك الحب والعفو والرحمة والمغفرة والجنة.
( إن أتيتني بالنهار قبلتك، وإن أتيتني بالليل قبلتك .. إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).
النبي يحمل حفيدته في الصلاة
فهل نسبق الخلاف والشجار بتغليب العاطفة؟ هل نمد جسور الحب بيننا وبين أبنائنا، ولا نسمح للشياطين أن تدخل بيننا؟ لماذا لا نعبد الله سوياً؟.
أول قاعدة للترابط الأسري : اعبدوا الله سوياً. فإذا صليتم معاً بلا عاطفة، فلسوف تأتي العاطفة حتماً، تبعاً لذلك سيقذف الله العاطفة في القلوب. سيدة مطلقة تعيش مع ابنها، لماذا لا تقول له : تعال يا ابني صلِّ معي ركعتين لله. رجل وابنه ذاهبان لعمل شيء لم لا يقول لابنه وهو يقود السيارة: تيجي نذكر ربنا سوا؟
أو تخيل عائلة ساعة العشاء، ماذا يحدث لو دعا الأب عائلته للدعاء لله معاً قبل تناول الطعام؟
عندها ستشعر بالرحمات تنهمر عليكم من السماء وستشعر أن الدعاء مستجاب. والبنات في العائلة بحاجة إلى جرعة حب زائدة من الأبوين والأخوة، لأن البنات تنفجر بالعاطفة، وإذا لم تحصل البنت على العاطفة والحب داخل البيت، أخشى حين تكبر أن تبحث عنهما خارجه.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعطي عاطفة من نوع خاص للبنات، في زمن كان المجتمع يئد البنات ويدفنهن أحياء. النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهي عن الالتفات في الصلاة. وبعد أيام رآه الصحابة يحمل حفيدته ابنة السيدة زينب ويصلى بها إماماً، يعلمنا أن البنت غالية ولم تمنعه الصلاة من احتضانها.
www.amrkhaled.net |