|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه ا. عصام الغازى مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 20/6/2007
هو المثال الرائع والحى للتعايش الإنسانى .. والنموذج الحى لسماحة الدين .. وهو الذى بنى فقهه على قاعدة التيسير على الناس .. قاعدة تؤكد أنه حيث توجد المصلحة توجد الشريعة ..
وكانت أفضل الأعمال عنده هى أدخال السرور على المسلمين.
هو مالك بن أنس بن مالك .. ينحدر من أصول يمنية ووالده ليس هو الصحابى المعروف أنس بن مالك .. وكان جده يعيش فى اليمن ثم هاجر إلى المدينة المنورة ..
عاش مالك فى كنف قبيلة بنى " تيم " أحفاد أبى بكر الصديق .. وارتبط عقليا بفقه أبى بكر وفقه عمر بن الخطاب.
أفضل الأعمال عند الإمام مالك:
إدخال السرور على المسلمين
سيرة الإمام يرويها عمرو خالد:
إمـام دار الـهـجـرة
تتلمذ مالك على يد نافع مولى عمرو بن الخطاب، وأخذ عن أبى بكر الصديق الرحمة بالناس، وأخذ عن عمرو بن الخطاب البحث عما ينفع الناس، فجمع بين التيسير و المصلحة اختلاف أبى بكر عن عمر ثراء وتكاملا.
قيل أن مالك بن أنس من الموالى – أى العبيد المحررين – وقد عاش من عام 93 هجرية حتى عام 185 هجرية، وفى قول آخر 179 هجرية،أى أنه عاش إما 86 سنة أو 93 سنة، وسمى بعالم المدينة وبإمام دار الهجرة.
وكونه من الموالى هذه كانت نقطة خطيرة فى التعايش، كيف قبل العرب أن يكون إمامهم ومعلمهم من العبيد؟ ما هذا التعايش؟
كان والد الإمام مالك يعمل صانعا للنبال رغم أن جده كان من العلماء. بنى الإمام مالك فقهه على قاعدة راسخة هى التيسير، تقول القاعدة إن الأصل فى الأشياء الإباحة، والأصل هو الحلال إلا ما حرم بنص. ولذلك يقول مالك أن الفقيه هو من يبيح للناس بدليل، أما التحريم فأى انسان يستطيع القول به.
الـمـبـادىء الـثـلاثـة
مالك يقول إن مهمته هى كيفية إيجاد حل يجعل الأمر حلال، وكان يمتد به الأمر لعام كامل وهو يقول: لا أدرى لأنه لا يجد حلا يبيح الحلال، وكان ما أسهل أن يقول عنه حرام.
فالتفت حوله ثلاثة أجيال لأنه يبحث عن مصالحها، واختار ثلاث آيات لتكون قواعد يرتكز عليها فقهه:
أولها: " ما جعل عليكم فى الدين من حرج "
وثانيهما:" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ".
وثالثهما:" يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا".
وأصبح فهمه للمصلحة يقوم على كيفية تيسير الحياة على الناس. وكان مالك بن أنس يبدأ درسه بحديث رسول الله " صلى الله عليه":" المؤمن هين لين سهل ". إذا الفكرة التى قام عليها مذهب الإمام مالك هى :
حيث المصلحة توجد الشريعة.
عـلـى مـنـهـج الـتيـسـيـر
ومن أمثلة تيسيره على الناس، رؤيته للزواج، فهو يرى أن الزواج من أهم المصال التى شرعها الإسلام، وبالتالى فإن أى شىء يسهل وييسر الزواج من فقهه. وكان يعتمد على حديث لرسول الله " صلى الله عليه وسلم "يقول: جاء رجل إلى النبى " صلى الله عليه وسلم " فقال: يا رسول الله هذا غلام أسود، " وفهم النبى مقصد الرجل بأنه أبيض وزوجته بيضاء فساوره الشك فى انتساب الطفل إليه"، فقال: نعم، يا رسول الله قال: ما لونها؟ قال: حمر.. قال هل فيها من أورق؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال فكيف جاء؟ فقال اللأعرابى: لعل عرقا نزعه.
فقال النبى: وهذا الصبى لعل عرقا نزعه، أذهب يا رجل.
وقد أخذ الإمام مالك من هذا الحديث أن الأصل عدم الشك فى الناس، والأصل تأمين الناس وتطمينهم، وليس التضييق على الناس كما يحدث الآن من بعض الجماعات.
لهذا كان يأتيه الناس من كل البلاد، فيأتيه رجلا من الأندلس يقول له: يا إمام جئتك من الأندلس أسألك عن هذه المسألة، فكان مالك يقول: يسألنى السئل فأتركه أسبوعا لا أجيبه، والله أفقد شهيتى للطعام والنوم وأظل أبحث له عن مخرج " هذا هو ديننا " فأستدعيه فى اليوم التالى وأقول له: إبق فى المدينة فوالله ليس لك عندى مخرج، لعلى أجد لك مخرجا، ويظل الرجل يتردد عليه مرارا، وهو يسأله: لعلك فعلت كذا، باحثا عن مخرج.
أول كـتـاب
جمع مالك كل هذا الفقه ووضعه فى كتاب أسماه " الموطأ " وهو أول كتاب تم تأليفه بعد ظهور الإسلام ومنهج الكتاب يبدأ بالحديث ثم أقول الصحابة ثم أقوال التابعين ثم أقوال أهل المدينة ثم فى النهاية رأى مالك الشخصى، ثم ينتقل إلى الحديث التالى وهكذا، وهو أول من أدخل حركة التأليف إلى الفقه الإسلامى فى كتاب يجمع بين الحديث والفقه، لهذا تلقفته الأمة، وكان هارون الرشيد أحد رواة الموطأ، كان يحفظه ويرويه، وهذا الكتاب مهد الطريق للبخارى من خلال منهجه وتدقيقه فى جمع الأحاديث، وهو الذى مهد الطريق للإمام الشافعى لعمل
" أصول الفقه ". وهو الذى مهد الطريق لعلم الحديث ولعلم الفقه.
سأل رجل الإمام مالك: أى الأعمال عندك أفضل؟قال: إدخال السرور على المسلمين، فقيل له: كيف؟ .. قال: يقول الله تعالى فى الحديث القدسى: " من فرج عن مؤمن كربة من كربات الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وأنا نذرت نفسى أفرج كربات المسلمين.
ووضع أمامه شعارا:
" ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ".
هـديـة الأم
- كيف أصبح مالك بن أنس على هذه الصورة؟
فى طفولته حدث له موقف جعل منه هذا الرجل .. الموقف كان مع أبيه وأمه. كان مالك الطفل يحب اللهو كثيرا ولا يحب العلم، وكان يهوى الحمام وكان أبوه وأمه يتمنيان أن يصبح مالك عالما مثل جده، لكن أخوة مالك الأصغر منه كانوا أكثر اهتماما بتحصيل العلم منه، فهو يضيع وقته فى اللعب مع الحمام والغناء، وأراد والده أن يجعله يغير طريقته فى الحياة، فنظم الوالد مسابقة ثقافية لأبنائه بعد صلاة كل جمعة، ووضع أسئلة للمسابقة، فوجد أن أخاه الأصغر يجيب على الأسئلة بطريقة أفضل من مالك وقال: ألهتك الحمائم عن العلم، وصمت.
روى هذه القصة مالك وهو فى السبعين من العمر، يقول مالك: فغضبت لقول أبى، ولم أدر ما أفعل، فقلت: سأصير مغنيا، سأجيدن شيئا.
فجاءت الأم وقالت له: يا مالك إن المغنى إذا لم يكن حسن الصوت، وإن كان جميل الوجه، لا يلفت إليه أحد، فسكت مالك. يقول مالك: فقلت لها: فماذا أفعل؟
قالت: لن تتقدم كثيرا فى الغناء، ولكن قد تتقدم فى العلم.
فقال: ما أفعل؟
قالت: إنك إن ذهبت للغناء فلن تذهب بعيدا، ولكن فرصتك فى العلم أكبر.
يقول: فنمت ليلتى أفكر، فلما أستيقظت جاءتنى أمى، وقالت: أشتريت لك ملابس هدية، وإذا بها ملابس العلماء.
وأتت بقلنسوة العلماء ووضعتها على رأسى، كانت ثقيلة ولكنى فخور بها، يقول: ولبست عباءة العلماء وخرجت أنظر إلى الناس وينظرون إلى، فأزداد بهجة، فعدت إلى أمى أقول لها: أريد العلم، فقالت. أذهب إلى ربيعة أستاذ المدينة. فتعلم أدبه قبل علمه.
الـولـد سـر أبـيـه
بعد زواجه أنجب مالك ثلاثة أولاد وابنة: يحيى ومحمد وعبد الله وفاطمة، أما فاطمة فكانت مثل أبيها، وأما يحيى الابن الأكبر فلم يكن يحب العلم – مثل أبيه فى طفولته – وكانت فاطمة التى تعلمت على يد أبيها، تجلس خلف الجدار عند انعقاد الدرس، وحين يقرأ التلاميذ الموطأ، كان بعضهم يخطأ فتدق فاطمة بيدها ثلاث دقات لتنبه والدها والتلاميذ إلى الخطأ الذى وقع أثناء القراءة، فيطلب مالك من تلميذه إعادة القراءة بطريقة صحيحة.
أما يحيى فكان يقضى يومه فى اللهو مع صبيان المدينة، وكان مالك لا تعجبه طريقة ولده فى ارتداء الملابس وذوقه فى انتقائها، وكان يتألم ويقول: إنما الأدب أدب الله، هذه ابنتى وهذا ابنى، وقد ربيتهما بطريقة واحدة، لعل الله يصلح من أمره، ولم ينصلح أمر يحيى إلا بعد وفاة أبيه، هكذا كان تعايش مالك مع أبنائه.
فـى رحـاب الـعـلـمـاء
من أهم المؤثرات التى صنعت شخصية مالك، أنه تعلم على أيدى كل المدارس التى كانت موجودة فى عصره، فقد تلقى العلم من أسماء مختلفة وعقول مختلفة وطرق للتفكير مختلفة، فجمع مالك كل هذا وصهره فى بوتقة عقله، كيف تلقى مالك علمه؟
يقول: والله لقد كابدت نفسى أربعين سنة حتى استقامت. فأول التعايش هو التعايش مع النفس وأول أساتذته ربيعة كان مثالا للعالم المؤدب، كان مهتما بأناقة ثيابه ومظهره، وطريقة جلوسه وسط تلاميذه، وكان يعلمهم الأدب فى التعامل مع الآخرين.
ومن أساتذته أيضا ابن هرمز، وقد قضى الإمام مالك معه ست سنوات يقول: لا أخلطه بغيره، أى أنه يتعلم على يده وحده.
يقول مالك: كنت أقف على باب ابن هرمز فأبقى بالساعات، لا أريد أن أطرق الباب، حتى يحس بحركة عند الباب، فيقول للجارية: افتحى، فتفتح الجارية وتقول له: الأشقر، لأن مالك كان أشقر الشعر والبشرة وأزرق العينين، فيقول لها أدخليه، يقول مالك: فأدخل فأقول للجارية: إذا جاء غيرى من الصبيان يريدون الإمام قولى لهم الإمام مشغول وأعطيهم هذه الحلوى، يريد أن ينفرد بابن هرمز ليتفرغ فى اعطاء العلم له وحده.
يقول مالك: آتيه من الفجر أجلس عند الباب حتى يشعر بى فأطرق الباب وأدخل، فيقول ابن هرمز: جاء العالم، أنت اليوم مليكا ولكنك ستصير مالكا، فيا مالك اتق الله إن ملكت.
وكان مالك حينها فى الثالثة عشرة من العمر تقريبا، يقول: فأدخل عند ابن هرمز فيلقى الستر ويغلق الباب، فأبقى عنده حتى الليل هكذا.
يسألون ابن هرمز حين تقدم به السن وفقد بصره وأصبح " مالك " هو الذى يصحبه إلى المسجد ثم يعود به إلى البيت، فكان لا يجيبهم على أسئلتهم. لانه قصر علمه على مالك، وهو وحده الذى يسأله فيجيبه، وحين استفسروا منه عن سبب عدم الإجابة على أسئلتهم قال: أما أنا اليوم فقد ضعف بدنى، وأخشى أن يكون قد ضعف عقلى مثل بدنى، فأما أنتم تسألوننى فإذا أجبتكم قبلتم ما أقول. أما مالك فلا، يسمع منى، فإذا استوعبه وعقله قبله، وإلا تركه، فهو أفضل منكم.
ثم تتلمذ مالك على يد نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، ونافع هو الذى نقل إليه علم عمر بن الخطاب وعلم عبد الله بن عمر، كان نافع عبدا وحرره عبد الله بن عمر بن الخطاب، يقول مالك: كنت أمشى فى الحر حتى ما يكون بينى أى ظل، وأبقى على باب نافع بالساعات، فيخرج نافع من بيته فلا أتعرض له، ولكن انتظر من بعيد، انظر فى وجهه هل قسماته مستريحة؟ فأنتظر وأراقبه ساعة حتى يبتسم لشىء، فأذهب إليه وأتعرض له كأنى لم أره إلا لساعة، وأسلم عليه ثم أتركه، وأرجع إليه إذا رأيته يتكلم مع إنسان أو يسأل عن شىء،
أقول: أقال عبد الله بن عمر كذا وكذا؟
فيلتفت إلى نافع وقال لى: ائتنى فى بيتى، فأخذت علم عبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب.
www.amrkhaled.net |