|
لنا صديق كان أبوه واحداً من المقاولين الصغار، وكان أمياً، يرتدي الجلباب والصندل في رجليه لا يغادرها في أي مشوار كبر شأن الذي يلتقيه أم صغر، وكان صموتاً يتكلم بحساب، ينظر إليك ملياً وأنت تتكلم، كأنه يتفحصك، وتجد نفسك تزيد وتعيد في النقطة نفسها التي بدأت بها كلامك معه، حتى إذا حار بك الكلام تكلم هو بكلام سريع حاسم وربما لاذع ، ولا يترك مجالاً لنقاش بعد كلمته، كأن الكلمة الفصل قد قيلت، أو كأن الحكم القضائي البات قد صدر، وترى وجهه قد عبس وترى ملامحه قد قبضت على كلمات أخرى يستعد لإلقائها في وجهك مدافع هاون من العيار الثقيل..
وكنا نخشاه صغاراً، ثم مرت الأيام فإذا به يرانا في التليفزيون، ويسمع أسماءنا من أناس لا يتوقع أنهم يعرفونها، ومصادفة رآني ضيفاً على برنامج بالقناة الثالثة، وكان ذلك في بداية حياتي المهنية، وكان اسم البرنامج" رجل مهم جدا"، وعندما قابلت والد صديقي هذا، استقبلته بما هو معتاد من الاحترام الواجب والتقدير المفعم بالحب لرجل عصامي كنا ننظر إليه باعتباره صاحب أقوى شخصية نعرفها في ذلك الوقت، ولكنه قطع وصلة الاحترام التي كنا نطيل فيها تحبباً إليه بقوله: خلاص أنت بقيت راجل مهم جدا، وعرفت ساعتها لماذا أراد أن يقف لحظة دخولي عليه في غرفته التي كان يتصدر مجلسها على الدوام وحوله محبوه ومريدوه من أبناء المنطقة الشعبية التي يسكن بها..
ذهب عم الحاج مع نجله (صديقي)، في يوم قراءة الفاتحة على زوجته، وهي من الواجبات التي لا يتقنها، ولا يحب أن تطول أكثر من ساعة، وكان عليه أن يضع يده في يد والد الزوجة الذي كان قد خرج على المعاش على رتبة عسكرية كبيرة، وكما توقعنا لم تطل المسألة أكثر من ساعة ضاق بعدها أبو صديقي بحبسة المكان الذي لم يتعود عيه ، واشتاق إلى موقعه بصدارة غرفته بين محبيه، واستأذن منطلقاً إلى حيث يريد...
وكان تعليق والد الخطيبة على والد خطيب ابنته:
ـ دا شاسيه رئيس جمهورية..
وصارت مثلاً..
مثلاً على توافر الشكل وغياب المضمون..
بالمناسبة كنت أزاحم في بواكير الشباب لاعبي التنس، وكنت أطلب اللعب مع أبطال اللعبة ومن بينهم زملاء وأصدقاء، وكنت ـ حسب وصف الذين يتقنون اللعبة ـ ألعب بطريقه وبشكل يخدع الخبير في أنني لاعب درجة أولى، طريقة إمساكي المضرب، طريقة هجومي على الشبكة، إدباري وإقدامي،كلها تنبئ عن لاعب يشق له غبار الملاعب، وبعد قليل يتبين الذي يلاعبني أنه يمكن أن يهزمني بسهولة في أكثر الأحيان وببعض الصعوبة في أقل الأحيان..
ومن يومها قيل أنني شاسيه لاعب محترف يرعب الذين يشاهدونه للمرة الأولى..
وصارت مثلاً على غياب المحتوى وبقاء الشكل..
وما أراه حولي يذكرني بتلك القصتين كل يوم...
لدينا عودة واضحة إلى الدين على صعيد كبير ومن كافة المستويات ومن كافة الأعمار وبخاصة من الشباب، ولكن كثيراً من العائدين هم شاسيه على شاكلتي كلاعب تنس.!!!
ولدينا شباب كثر أطلقوا لحاهم اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثير منهم إلا من رحم ربي هم شاسيه ملتزمين..
ترى بعضهم مقطبي الحواجب، منهمكين في الابتعاد عن الناس، وإذا اقتربوا، اقتربوا لينفروا لا ليبشروا، واقتربوا ليقرعوا لا لينصحوا، اقتربوا ليولوا أنفسهم قضاة لا دعاة..
وكنت وما زلت أقول للبعض أن الملتزم الذي لم تنصلح أحواله مع الناس عليه أن يعرف أن أحواله مع الله في حاجة إلى إصلاح، وفي الأثر من لم يشكر الناس لم يشكر الله، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، كأنه يقصر سبب بعثته على إتمام مكارم الأخلاق، ويا له من هدف، وأعظم به هدفاً..
ولكننا شاسيهات، فارغة من المضمون والمحتوى..
لدينا محجبات الآن أكثر من السافرات، ولكن كثيراً منهن إلا من رحم ربي: هن مجرد: شاسيه محجبة...
محجبة تغطي شعرها (ولن أتحدث عن أغطية الرأس التي تصلح أغطية رقص)، ولكنها تغطي شعرها وترتدي المحزق والملزق من الملابس التي لا شك أنها تدخل إليها بعملية قيصرية يومية.!!!
ما قيمة حجاب من هذا النوع، السفور المحتشم خير منه..
ومن الذي فرض عليها حجاباً من هذا النوع الذي هو شاسيه حجاب لا علاقة له بمضمون ومحتوى وهدف الحجاب لا من قريب ولا من بعيد.!
شاسيه حجاب ولا أحجبة..
وكنا صغاراً نشتري بعض الكشاكيل التي تباع بالمكتبات الكبرى، ونقرأ عليها عبارة ثابتة على الغلاف الأخير:" ككشكول الوزارة"..
وأخشى أن أقول هكذا نحن، أو هكذا أغلبنا:"كمتدينين"..
أو شاسيه متدينين..
اللهم ارحمنا فانك بنا راحم..ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.. وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم......
من مدونة الأستاذ محمد حماد. |